حانت لحظة الحسم الانتخابى فى استحقاقين متزامنين، انتخابات الكنيست الإسرائيلى (27) أكتوبر، والتجديد النصفى لمجلسى الكونجرس (3) نوفمبر التالى.
إنها لحظة معبأة بالتساؤلات القلقة والرهانات المتضاربة عن حدود التغيير المحتمل فى موازين القوى الداخلية الإسرائيلية والأمريكية وتداعياتها على مسارات حروب الشرق الأوسط المشتعلة.
بتلخيص ما فإنهما شبه استحقاق واحد متزامن ومتداخل ووقائعه تجرى تحت ظلال السلاح المنفلت من كل قيد، أو اعتبار.
قبيل فتح لجان اقتراع الكنيست الإسرائيلى تبدت فى الضفة الغربية أجواء عنف وتقتيل وتطهير عرقى كأننا أمام برامج انتخابية بلغة الدم.
بذريعة الانتقام لمقتل اثنين من جنود الاحتلال فى مدينة الخليل جرى عزل المدينة بالكامل، وتطبيق ما جرى لمخيم جنين عليها، التهجير بالسلاح والترويع والتخويف والعقاب الجماعى.
أُجبر أكثر من ألفى فلسطينى للنزوح القسرى خارج ديارهم.
رغم حدة المنافسة الانتخابية، حتى كادت الفرص أن تتقارب بين معسكر رئيس الوزراء «بنيامين نتنياهو» وخصومه السياسيين، إلا أنه غابت تقريبًا أية درجة من الاختلاف فى مسألة الاستيطان، كمسألة إجماع إسرائيلى.
الأمر نفسه ينصرف إلى الحرب الإيرانية، وأولوية حصار طهران وإنهاء مشروعها النووى بالعمل العسكرى مع الإدارة الأمريكية، التى لوح رئيسها «دونالد ترامب» باستخدام قنبلة ضخمة يطلق عليها «أم القنابل» لإلحاق أضرار غير مسبوقة وغير محتملة بالبنية التحتية الإيرانية.
القنبلة الأمريكية ذات قدرة تدميرية هائلة ووزنها يبلغ من (9.5) إلى (9.8) طن.
لا يتبقى بعد استخدامها غير اللجوء إلى السلاح النووى.
على عكس انتخابات الكنيست فإن حربى الإبادة والتجويع على غزة تتصدر الانتخابات الأمريكية.
موضوع تنازع سياسى حاد ومباشر بين الجناح التقدمى فى الحزب الديمقراطى وأنصار اللوبيات اليهودية.
حسب استطلاعات الرأى العام فإن أغلبية الأمريكيين تناهض نزعة «ترامب» لتوظيف موارد القوة العظمى لصالح دولة أخرى فيما يحتاج مواطنوها إلى إنفاق مواردها على الصحة والتعليم والخدمات الأساسية.
استدعت الحسابات الانتخابية ارتباكًا ظاهرًا فى الأداء السياسى لـ«ترامب»، عين على النفط الإيرانى الذى يقول علنًا إنه يريد أن يسيطر عليه، وعين على الانتخابات الإسرائيلية خشية أن يخسر نتائجها حليفه الاستراتيجى «نتنياهو».
لوح باستخدام «أم القنابل» ضد البنية التحتية الإيرانية، أو درجة أكبر من العنف والتقتيل وإثارة الفوضى فى المنطقة كلها، لكنه أجل قراره إلى ما بعد انتهاء انتخابات الكونجرس، خشية أن تفضى العودة إلى الحرب لخسارة فادحة فى صناديق الاقتراع.
بصورة، أو أخرى، فإن توقيت الضربة وحدودها، يرتهن للحسابات الانتخابية الأمريكية.
أزمة الطاقة وما ولدته من تداعيات سلبية على أسعار السلع الرئيسية وحركة الأسواق هى نقطة ضعفه الكبرى.
يؤكد طوال الوقت أن أسعار النفط والغاز سوف تنخفض، والحرب سوف تتوقف وفق شروطه، لكنه يعجز عن تحقيق ما يبتغيه.
قال إنه منع ضربة إسرائيلية كبيرة على إيران، وأن الطائرات عادت بطلب منه، لكن «نتنياهو» نفى هذه الرواية لحسابات انتخابية أخرى.
أراد «ترامب» أن يقول إنه يمسك وحده بالقرار السياسى والعسكرى فى إدارة الحرب على إيران، فيما أراد «نتنياهو» أن يقول إنه شريك كامل لا محض تابع.
من ناحية موضوعية مؤكدة فإن إسرائيل لا تقدر على خوض مواجهة كبيرة ومفتوحة مع إيران، لا قبل الانتخابات ولا بعدها، دون إسناد عسكرى كبير من الولايات المتحدة، أو ضد إرادتها.
لا يشك أحد فى أن جولة جديدة من الحرب على الأبواب، بعد الانتخابات، أو قبلها.
إذا ربح انتخابات مجلسى الكونجرس، فسوف يستخدم فوائض القوة السياسية، التى حازها لاستعراضات قوة مفرطة.
وإذا خسرها، كما هو مرجح، فإنه قد ينتقم بعمل عسكرى أقرب إلى التخريب المنهجى الواسع دون نظر لمصلحة حلفائه، باستثناء إسرائيل.
كان مستلفتًا الدعم السياسى غير المعتاد وغير المسبوق، الذى أبداه «ترامب» لـ«نتنياهو»، فى السباق الانتخابى الإسرائيلى فـ«أى زعيم آخر قد ينتخب خيارًا خاطئًا»، كما قال حرفيًا.
بدا ذلك تدخلًا مباشرًا فى الانتخابات الإسرائيلية، أكسب «نتنياهو» بعض الدعم للحاق بخصمه المباشر رئيس الأركان الأسبق «جادى إيزنكوت»، الذى يتقدم عليه فى استطلاعات الرأى العام، لكنه لا يغير الأوضاع العامة الانتخابية.
تتعدد السيناريوهات لليوم التالى فى إسرائيل.
معارضو «نتنياهو» لا يودون عودته مجددًا إلى رئاسة الحكومة، يحملونه مسؤولية الفشل الذريع فى اختبار السابع من أكتوبر (2023)، لكنه يراوغ ويرفض دومًا تشكيل لجنة تحقيق مستقلة.
عدا إزاحته يصعب عليهم التوافق على تشكيل حكومة تحوز دعم (61) نائبًا فى الكنيست.
حسب تقارير متواترة يميل الأمريكيون إلى خيار حكومة وحدة وطنية يتناوب رئاستها «نتنياهو» و«إيزنكوت»، لكنها سوف تكون هشة سياسيًا، وقد تكلف «نتنياهو» خسارة حليفيه اليمينيين «إيتمار بن غفير» و«بتسلئيل سموتريتش».
الخيار الآخر أن يشكلها معسكر المعارضة بدعم من النواب العرب.
يوفروا الغطاء السياسى لتمريرها فى الكنيست دون أن يشاركوا فيها.
المشاركة العربية فى أى تشكيل حكومى محتمل خط أحمر للأحزاب والقوى الصهيونية.
الخيار الأخير، أن تكون هناك حكومة مؤقتة يترأسها «نتنياهو» لحين إعادة الانتخابات.
فى جميع السيناريوهات والاحتمالات ثمة تغيير ما بالوجوه وارتباك فوق المسرح السياسى.
السياسات التوسعية باقية بدرجة، أو أخرى.
تستمد إسرائيل، كما هو معتاد، قوتها وتوحشها من ضعف وتخاذل العرب.
فى الانتخابات الأمريكية يختلف التقدير العام لما قد يحدث فى اليوم التالى.
حسب متوسطات استطلاعات الرأى العام، فإنه من شبه المؤكد أن يستعيد الديمقراطيون أغلبية مجلس النواب، فيما تظل انتخابات مجلس الشيوخ معلقة على فوارق محدودة من شدة المنافسة.
السلطة شبه المطلقة، التى حازها «ترامب» على مدى يقارب العامين، على وشك أن تنقضى تمامًا، ومركزية إسرائيل فى حسابات الكونجرس والموازين الداخلية الأمريكية سوف تتراجع بفداحة إدراكًا أنها باتت عبئًا لا يحتمل.
هذا تطور استراتيجى وتاريخى سوف يأخذ مداه بعد وقت، أو آخر، رغم تلويح ساكن البيت الأبيض باستخدام «أم القنابل»!