فى 12 أكتوبر الجارى، نشر تامير هايمن، المدير التنفيذى لمعهد دراسات الأمن القومى فى تل أبيب، ورقة بعنوان «مفهوم الأمن القومى الجديد»، استخرج فيها من سلوك الكيان الإسرائيلى منذ السابع من أكتوبر 2023 ما يمكن اعتباره العقيدة التى تحكمه فعليًا. وربما لم يكن هذا المقال ليستدعى انتباه أحد لو لم يتبعه، وبعد ستة أيام فقط، قيام رئيس وزراء الكيان، بنيامين نتنياهو، بعرض وثيقة رسمية للأمن القومى تشابه فى بنودها إلى حد كبير ما قدمه هايمن، كما عرض نتنياهو خريطة للمنطقة تعكس تصورًا جديدًا لمفهوم وسياسة الأمن لدى الكيان، بما يفرض ضرورة قراءة هذه الخريطة بوعى وتمعن تام فى كل العواصم العربية.
شهادة من داخل المؤسسة
لعله من المفيد، قبل أن ندخل فى تفاصيل ورقة هايمن من مفاهيم وأفكار جذرية، أن نتعرف عليه ونلقى نظرة على تاريخه وخبراته المهنية، لنتعرف بشكل أوضح على صلته بالموضوع ونقدر أهمية ما عبّر عنه من تصورات. عمل تامير هايمن لمدة 34 عامًا فى جيش الكيان، تولى خلالها قيادة ما يُعرف بلواء «إفرايم» فى الضفة الغربية، وعمل ضابطًا لمشروع جدار الفصل العنصرى، وصولًا إلى توليه رئاسة شعبة الاستخبارات العسكرية بين 2018 و2021. أما المعهد، فقد تأسس بعد حرب 1973 ليتولى مهمة مراجعة الافتراضات التى كان يُعتقد أنها قادت إلى تضليل أجهزة الاستخبارات قبل اندلاع الحرب، وقادت إلى النتيجة المعروفة. وقد حافظ المعهد منذ ذلك التاريخ على علاقة وثيقة بمؤسسات دولة الكيان، فيما يمكن تصويره بباب دوار للجنرالات والمسئولين السابقين. وقد أنتج هذا المركز دراسات ومقترحات سياسات جعلته يحتل مركزًا مرموقًا بين المراكز الأكثر تأثيرًا فى السياسات العامة وفى صناع القرار. لذلك، يكتسى ما يعبّر عنه هايمن أهمية ودلالة خاصة، وحين يقرر أن عقيدة غير مكتوبة تحكم سلوك الكيان، فتلك فى الحقيقة شهادة من داخل البيت الذى يدير الحروب، وليست مجرد ورقة من خارج المؤسسة الرسمية بأذرعها الأمنية والعسكرية.
عشرة مبادئ لعقيدة جديدة للكيان
فى الورقة، يقدم هايمن صياغة لا لبس فيها لعقيدة تلخصها عشرة مبادئ، يمكن تحديد جوهرها فى أن ما يُسمى الهوية اليهودية للدولة، بمعناها الإثنى والدينى، هى ذات أولوية على أى اعتبار أو عامل آخر، كالديمقراطية مثلًا، وهى بالتأكيد تعلو شأنًا على أى هوية أخرى، وخاصة الهوية العربية. وانطلاقًا من هذه الفكرة الجوهرية، يستخلص هايمن أن السلام مع العرب ليس سوى أداة مؤقتة، وليس غاية فى حد ذاته، ولذا فإن أى ثقة فى السلام وهم يقود إلى ما حدث فى السابع من أكتوبر، عندما انطلقت انتفاضة الأقصى. البديل عن أى وهم للسلام هو التوظيف المناسب واستغلال وإدارة وتشجيع واقع العرب كتجمعات قبلية وطائفية، لتحقيق هدف زعزعة استقرار الدول العربية. ويترتب على هذه العناصر أن تصبح الحرب حالة دائمة، وأن الضربة الوقائية مقدمة ضرورية تسبق الردع والإنذار المبكر وإقامة مناطق دفاع متقدم فى سوريا ولبنان وغزة. أما الحركة الوطنية الفلسطينية، فهى ليست سوى رواية مصطنعة، ولا ينبغى القبول بما يُسمى الخط الأخضر، ناهيك عن دولة فلسطينية مهما كانت طبيعتها. بقاء الكيان يتحقق بالتركيز على الأمن وعلى الاستيطان والمستوطنين المسلحين الذين ينبغى أن يملأوا كل الأرض وعلى خطوط الاحتكاك. ويختم هايمن مبادئ عقيدة الكيان بالقول إن الاعتماد على التحالف والدعم من الولايات المتحدة الأمريكية قد ولى زمنه، فأمريكا قوة تتراجع، يحسن الاستقلال عنها عسكريًا وصناعيًا.
العقيدة فى دوائر الفكر وصناعة القرار
واضح أن هذه العقيدة لخّصت تصورات أولئك الذين لا يقبلون بفكرة السلام، فهى لم تكن رسمية، وربما كان مصيرها التجاهل. لكن بعد ستة أيام فقط من نشر هايمن ورقته، أعلن رئيس وزراء الكيان وثيقة «مفهوم الأمن»، جاءت أيضًا فى عشر نقاط. تقدم هذه الوثيقة الرسمية منع التهديدات ومهاجمتها على محاولة احتوائها، وتتبنى أسلوب الضربات الاستباقية على أى ترتيبات أخرى. كما تعتمد إنشاء وإدارة المناطق العازلة وفقًا لمقتضيات الحاجة والضرورات الأمنية، بصرف النظر عما يعنيه ذلك بالنسبة للآخرين، مع مواصلة الاستيطان فيما تسميه أرض إسرائيل. وفيما دعت وثيقة نتنياهو إلى استقلال أكبر للكيان فى مجال إنتاج الأسلحة، فهى تدعو إلى البحث عن تحالفات بديلة تحسبًا لما يمكن أن تتعرض له العلاقة مع الولايات المتحدة فى حالة وصول رئيس معادٍ أو غير محابٍ لإسرائيل إلى الرئاسة.
ومع ذلك، لا تشمل وثيقة نتنياهو كل ما تحدث عنه هايمن، فهى، وإن احتفظت بالردع، لا تتحدث صراحة عن الدولة الفلسطينية. لكن الواضح أن كليهما يسيران فى الاتجاه ذاته. يكشف ذلك عن دلالة خطيرة، وهى أنه وإن كان معهد دراسات الأمن القومى لم يصنع هذه السياسة، فهو قام بمهمة التقاطها ومنحها العنوان المناسب قبل أن تعلنها الحكومة. ومما يعزز هذا القول إن ورقة هايمن لم تكن الأولى فى هذا الشأن، ففى أغسطس الماضى، كتب مدير برنامج سياسة الأمن القومى فى المعهد نفسه، عوفر شيلح، أن الكيان يتبنى استراتيجية أمنية جديدة قوامها الحرب الدائمة والضربة الاستباقية والمناطق العازلة، ووصفها بأنها منطق معيب وتهديد للأمن القومى، لكن ورقة هايمن وما أعلنه نتنياهو يؤكدان أن وجهة نظر ناقدة كهذه تم تجاهلها تمامًا لصالح التوجهات العدوانية.
من خريطة أهداف إلى خريطة تحالفات
ولتعد بنا الذاكرة إلى الوراء قليلًا، ونستحضر مشهد وقوف نتنياهو على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة فى سبتمبر 2025، ليشطب بالقلم البلدان التى قام فيها الكيان بتنفيذ عمليات قتل فوق أراضيها لمن اعتبرهم أعداء له. هكذا، وبعد عام واحد تقريبًا، يعود نتنياهو ليعرض على الملأ خريطة أخرى نشرها فى مايو باحثان من مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية، حيث قاما بتقسيم المنطقة إلى ما أسمياه تحالفًا سداسيًا، إلى جانب تجمع آخر أطلقا عليه اسم الماسة السنية، يضم تركيا ومصر والسعودية وباكستان، ثم محور المقاومة الذى تقوده إيران. وقد عبّرت الخريطة عن تقدير الباحثين وتصنيفهما لطبيعة العلاقات فى هذه المنطقة الواسعة، وليس إقرارًا بوجود تحالفات قائمة فعلًا، بل إنهما وصفا المحور الإسرائيلى بأن له طموحات فى الهيمنة الإقليمية. لكن اختيار نتنياهو لهذه الخريطة كان دالًا تمامًا فى تحديد العوامل التى تتصورها حكومته مجالًا للحركة على مستويات متنوعة. وفى دلالة على نظرة الكيان للمنطقة على أنها ليست مكونة من دول، بل تشمل قوى وفصائل، تظهر كيانات مثل أرض الصومال وبونتلاند، وتشمل الخريطة أيضًا حزب الله اللبنانى وحركة حماس والحشد الشعبى فى العراق والدروز والأكراد بشكل عام.
ماذا يعنى ذلك للعرب والفلسطينيين بشكل خاص؟
إن القراءة الواعية تؤكد أن على العرب جميعًا أن يدركوا أن هذه التصورات للعقيدة والأمن لا تعنى سوى أن معاهدات السلام التى عقدتها دول عربية مع الكيان واتفاقات التطبيع ليست، بالنسبة للمنطق الإسرائيلى، سوى ترتيبات مؤقتة. الكيان وقادته يتخذون من الحرب الوقائية قاعدة، ويعتبرون المناطق العازلة فى سوريا ولبنان وضعًا دائمًا، بينما يدعمون ويدفعون نحو المزيد من الضعف والانقسام العربى، فذلك يصب فى مصلحتهم، كما تم التعبير عنها فى المقال وفى الخرائط، وكما تكشف الممارسات.
وعلى الأشقاء الفلسطينيين أن يدركوا أن هذه العقيدة لا تعنى مجرد تجميد حل الدولتين، بل تنزع عنهم صفة الشعب. وكما تبين ورقة هايمن، فالحديث لا يجرى عن شعب فلسطينى له حقوقه، بل عن عرب «يختارون البقاء» فى الدولة اليهودية، فيحصلون على الإقامة وعلى حكم محلى، وحتى إن قبلوا بذلك، فهم لن يرتقوا إلى منزلة المواطنين، فالبديل الحقيقى الذى سيفرض عليهم ليس المواطنة، بل الرحيل التام. ومع جعل المستوطنين جزءًا من خط المواجهة، يصبح العنف الذى يمارسونه أداة أمنية، وليس عملًا مخالفًا للقانون يستوجب إيقافه. بالنسبة للعرب داخل ما يُسمى الخط الأخضر، فلا مناص أمامهم من القبول بتقديم الهوية اليهودية ليصبحوا مجرد مواطنين من الدرجة الثانية، كما يُفهم مما يُسمى قانون القومية فى 2018، الذى اعتبر توسيع الاستيطان قيمة وطنية وحصر حق تقرير المصير فى الشعب اليهودى.
أخيرًا...
لقد أصدر نتنياهو وثيقته وعرض خريطته قبل حلول موعد الانتخابات، وسط سباق انتخابى ومنافسة جعلت منافسه، غادى آيزنكوت، يصفها بأنها مجرد صفحتين فارغتين مليئتين بالشعارات. لكن انتقادات المعارضة للوثيقة، وتركيزها على ما اعتبرته سطحيتها وتوقيتها، لا يلغى خطورة ما تشمله من مضمون. والسؤال الأهم هنا ليس ما ستؤدى إليه الانتخابات، وما إذا كان نتنياهو سيبقى فى السلطة أم سيغادرها، لكن السؤال الجوهرى يتعلق بالتوجهات فى المرحلة التالية لذلك. وفى تقدير ذلك، لا بد أن نتذكر أن ما كتبه هايمن ليس من خارج الرواية الصهيونية، بل من أعماقها الداخلية، وبالتالى، فهو، وإن اختلف مع الحكومة، فذلك اختلاف على الأدوات وعلى الكلفة التى يتضمنها أى خيار، وليس خلافًا على الأهداف إطلاقًا، وحين يقر أحد أبناء المؤسسة العسكرية والأمنية بأن ما يجرى هو فى الحقيقة تحول فى هوية الدولة، لا مجرد سياسة أمنية، فهذه شهادة ينبغى أن نقرأها نحن العرب على كل المستويات جيدًا هذه المرة.
أستاذ السياسة والعلاقات الدولية، جامعة طرابلس، ليبيا