الأزمة الليبية فى مهب الزلزال الجيوسياسى والوصاية - يوسف محمد الصواني - بوابة الشروق
الأربعاء 3 يونيو 2026 8:11 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

الأزمة الليبية فى مهب الزلزال الجيوسياسى والوصاية

نشر فى : الأربعاء 3 يونيو 2026 - 7:15 م | آخر تحديث : الأربعاء 3 يونيو 2026 - 7:15 م

منذ 2011 يتم تشخيص ليبيا كـ«دولة فاشلة»، وهو خطاب يسطح الأزمة ويحصرها فى مربعات العجز المحلى والانقسامات القبلية وغياب الكفاءة التكنوقراطية. غير أن ما تسعى إليه هذه القراءة هو قلب هذه السردية؛ فالأزمة ليست نتاج فراغ، بل هندسة لـعجز سيادى مُدار ونظام وصاية غير معلن تحولت فيه ليبيا إلى ساحة لتصفية حسابات دولية وعمليات نهب اقتصادى منظم.
الزلزال العالمى والحرب من أجل الدولار
لكى نفهم الشلل الذى يصيب المشهد الليبى، لا بد من تفكيك المشهد من الخارج إلى الداخل وإدراك ما يمر به النظام الدولى، مما يمكن وصفه بـ«زلزال جيوسياسى» أعاد صياغة مفهوم السيادة ليجعلها نسبية، تخضع لما يمكن تسميته بـ«الشرعية الاستراتيجية» للقوى العظمى. إن العالم يشهد عملية انتقال من مرحلة رسم الحدود الجغرافية إلى مرحلة رسم الخرائط الاقتصادية ونفوذ الطاقة. وفى قلب هذا التحول يقبع الصراع فى غرب آسيا ومحاولات مجموعة بريكس الحثيثة لكسر احتكار البترودولار وتأسيس نظام مالى متعدد الأقطاب. وأمام هذا التحدى الوجودى، وتزامنًا مع وصول الدين العام الأمريكى إلى مستويات قياسية، بات تأمين تدفق النفط العالمى المُسعر بالدولار أمرًا حتميًا للأمن المالى الغربى. من هنا، يتم التعامل مع الاحتياطيات النفطية الليبية ليس كملك للشعب الليبى، بل كأداة استقرار لمنظومة مالية دولية تصارع من أجل البقاء.
هذا التكالب الدولى يتوازى مع تحلل مرعب للمؤسسات الدولية، فالأمم المتحدة وبعثتها للدعم فى ليبيا لم تعودا معنيتين بحل النزاعات، بل بإدارة الأزمات وتدويرها للحفاظ على وضع قائم يضمن مصالح البيروقراطية الدولية وشبكات النفوذ العابرة للحدود.
جغرافيا التهديد وبنية الاحتلال الناعم
العجز المؤسساتى الممنهج جعل الحدود الليبية مستباحة أمام ثلاثة مستويات من التهديد الإقليمى، يمكن تلخيصها فيما يلى:
فى الجنوب، يبدو من الواضح كيف تجد ليبيا نفسها فى مركز العاصفة تقريبًا. فالانهيار الذى يشهده الأمن فى دول الساحل (مالى، النيجر، بوركينا فاسو)، وما خبرته المنطقة من انقلابات متتالية، يترافق مع تمدد ظاهر للعيان للجماعات المتطرفة والمسلحة. هذا الوضع يُلقى ظلالًا كثيفة على الخاصرة الليبية الرخوة فى الجنوب. وفى الشمال تستغل دول الجوار وشركات الطاقة حالة الوهن لإعادة ترسيم الحدود البحرية والاستحواذ على مكامن الطاقة على حساب حقوق ليبيا.
أما المستوى الثالث، فيعبر عنه استقرار ما يمكن وصفه بـ«حالة الاحتلال الناعم» المتمثلة فى التواجد العسكرى المباشر للمرتزقة والقوات الأجنبية (الروسية والتركية وعناصر من دول إفريقية عديدة، علاوة على دول غربية وروسيا)، وهو تواجد يشل الإرادة السياسية الوطنية ويمعن فى مأسسة الانقسام، بل وشرعنته، كما يظهر فى مبادرات سياسية مثل تلك التى يقدمها مسعد بولس.
الاقتصاد السياسى لـ«دولة الكارتل»
المناخ الدولى السائد أفرز نمطًا مشوهًا للدولة فى ليبيا، التى تحولت من دولة ممزقة إلى نموذج «دولة المافيا» أو «الكارتل». ويبدو واضحًا كيف أنه فى ظل هذا النموذج تتحول الأجسام التشريعية والتنفيذية الحالية إلى كيانات ضرورة، لكنها لا تملك أى مشروعية حقيقية، بل تستمد بقاءها من قدرتها على تلبية مصالح شبكات الهيمنة والنفوذ والفساد المحلية والدولية. وفى غياب جيش وطنى موحد يترسخ ما يمكن اعتباره "سوقًا أمنية" تديرها مجموعات مسلحة لا تجد حرجًا فى رهن بندقيتها لصالح قوى خارجية وعائلات سياسية.
ولعل أكثر المظاهر وضوحًا لهذا التخريب الاقتصادى هو ما يشهده قطاع الطاقة. فرغم ارتفاع أسعار النفط، تعيش البلاد تضخمًا وأزمات سيولة ووقود حادة لا تتوقف، حتى تعود من جديد وتحرم ليبيا من الاستفادة من طفرة الأسعار، كونها فى الواقع لم تتعدَّ دور متلقى الأسعار الذى يستورد 75% من احتياجاته من الوقود بأسعار تكاليف وشحن وتأمين فلكية. وتأتى السابقة الخطيرة المتمثلة فى عقود شركة أركنو عبر اتفاقيات المشاركة فى الإنتاج، التى تتيح تسييل وعزل عوائد النفط خارج النظام المالى الرسمى. إن أى محلل موضوعى لا يمكنه اعتبار ما يجرى مجرد فساد عشوائى، بل مأسسة لـنظام أوليغارشى عائلى ينهب الثروة السيادية بغطاء قانونى مصطنع، يضاعف الآثار الهدامة التى يمثلها نزيف تهريب الوقود عبر البحار.
بين الصفقة الفوقية والفوضى الحتمية
هذا التشخيص للواقع الليبى وارتباطه بما يجرى إقليميًا ودوليًا لا يمكن التفكير فيه بمعزل عما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع فى المستقبل القريب على مستوى التطورات السياسية. إن إسقاط هذا التحليل يقودنا إلى أربعة سيناريوهات يمثل كل منها وجهًا من وجوه «دولة الكارتل» التى أشرت إليها أعلاه.
• سيناريو الجمود أو الاستقرار السلبى، وهو مسار أقرب للواقع، حيث يتم الإبقاء على الترتيب الفوضوى للانقسام الحالى لأنه يمثل توازنًا مربحًا لتقاسم المال والنفوذ خلف الكواليس، كما أنه يمثل الآلية المناسبة لإرضاء القوى الدولية التى تريد الهدوء المؤقت لا السلام الحقيقى.
• سيناريو وهم الضغط الانتخابى الذى تروج له البعثة الأممية عبر قرار مجلس الأمن 2819، وعبر أنشطتها وعلاقاتها الدولية، من خلال ممارسة قدر محسوب من الضغط الصورى لإجراء انتخابات. لكن، وفى غياب توافق على قاعدة قانونية وبقاء القوات الأجنبية والمرتزقة واستمرار تدفق السلاح والاحتكام إليه، فإن فرص هذا الخيار فى النجاح لا تعدو مجرد تكنولوجيا سردية لتدوير الأزمة الليبية، اقتصرت على إنتاج نخب أو وجوه جديدة تخدم نفس المنظومة الاقتصادية الفاسدة.
• سيناريو الاحتكار الثنائى الاستراتيجى، الذى يقدم على أنه الحل البراجماتى، والذى تبدو الدبلوماسية الرئاسية الأمريكية فى حالة اندفاع محموم نحوه بقيادة مستشار وصهر الرئيس مسعد بولس. وإذا ما أخذنا فى الاعتبار ما دار فى الجلسة التى عقدها مجلس الأمن يوم 22 مايو، والتى كشفت عن تباين صارخ فى المصالح والمقاربات، خاصة بين روسيا والصين والولايات المتحدة، فإن من المحتمل أن تواصل الولايات المتحدة العمل لهندسة صفقة تمثل شرعنة لاحتكار ثنائى للسلطة والموارد بين عائلتى حفتر والدبيبة. وإن كانت واشنطن تهدف من وراء ذلك إلى حصر القرار الليبى فى كتلتين قادرتين على تأمين تدفق النفط بالدولار وتحجيم الفيلق الإفريقى الروسى، فإن الثمن الذى ستدفعه البلاد هو مأسسة نظام عائلى يقصى الإرادة الشعبية ويصادر السيادة.
• سيناريو الفراغ المفاجئ، والمتمثل فى تدهور صحة أو وفاة رئيس حكومة الوحدة الوطنية أو القائد العام للقوات المسلحة العربية الليبية. وفيما نتمنى للسيدين عبد الحميد الدبيبة وخليفة حفتر موفور الصحة والعافية، فإن حدوث فراغ فى صفقة جنيف التى قامت على الولاءات العائلية والزبائنية فى الغرب الليبى من شأنه أن يفجر صراعًا عنيفًا بين أجنحة المال والسلاح للسيطرة على المصرف المركزى والمؤسسة الوطنية للنفط. أما حدوث الفراغ فى شرق ليبيا، ورغم أهمية ما قد ينجم عنه، فهو محكوم بعوامل مختلفة وحاسمة، أهمها ما يبدو من تحول مؤسسى على هيكل القيادة العامة والروابط العائلية الوثيقة، خاصة مع تفاهمات إقليمية ودولية متنوعة من شأنها أن تحول دون الانزلاق نحو ما لا تُحمد عقباه. وبصرف النظر عن الآثار الكارثية التى يمكن أن تلحق البلاد وأهلها إن تحقق هذا السيناريو، فإن ما سيحدث هو المزيد من التشظى الذى قد لا تنفع حيلة فى تجنب استغلاله من أحد الطرفين أو حلفائه لفرض أمر واقع مخالف، أو أن تستغله القوى الدولية كذريعة للتدخل المباشر لفرض التقسيم الرسمى وحماية منابع الطاقة والمصالح المتعارضة للأطراف.
خارطة طريق لاستعادة السيادة
إن مواجهة هذه السيناريوهات تتطلب تجاوز المنظومة السياسية الحالية والآليات الأممية العاجزة، والذهاب مباشرة نحو بديل وطنى يعتمد على الشعب الليبى كله باعتباره المالك الحصرى للسيادة. ويمكن تلخيص العناصر التى تشكل معالم الحل المقترح كالتالي:
• تكوين جمعية تأسيسية تصوغ عقدًا اجتماعيًا جديدًا يضمن التوزيع العادل واللامركزى للثروة بعيدًا عن كارتلات الفساد.
• إقرار أجندة سياسية شاملة تضع حدًا نهائيًا للمعادلات الصفرية والمحاصصات.
• تبنى إطار قانونى مؤقت مشروط بمحطات موضوعية، وعلى رأسها الإخراج الفورى والكامل لجميع القوات الأجنبية والمرتزقة وتفكيك المجموعات المسلحة، كشرط أساسى لإنهاء المرحلة الانتقالية قبل الذهاب إلى أى دستور دائم.
• مأسسة الاستفتاءات الشعبية المباشرة لإخضاع جميع القرارات الكبرى لإرادة الشعب وانتزاع الشرعية من يد المغتصبين الداخليين والأوصياء الدوليين.
لقد أثبتت التجربة أن المجتمع الدولى والدور التكنوقراطى للبعثة الأممية ليسا إلا غطاءً لاستمرار نهب مقدرات الوطن. إن استعادة الدولة لن تتم عبر صفقات أمراء الحرب والكارتل المالى، بل عبر خيار العودة إلى المشروعية الشعبية والمساءلة القضائية الوطنية ورفض الوصاية؛ فالسيادة ليست منحة أممية، بل تُنتزع بالإرادة الشعبية الحرة.

يوسف محمد الصواني أستاذ السياسة والعلاقات الدولية، جامعة طرابلس - ليبيا
التعليقات