نشر موقع «psyche» مقالًا للكاتب ويليام مكارثى، يؤكد فيه أن الشفاء الحقيقى لا يأتى من أخذ الدواء كمركب كيميائى فقط، بل من شعور الإنسان بالترابط مع الطبيعة والمجتمع من حوله، وهذا هو ما عرفته الشعوب القديمة ورسمته على الصخور منذ آلاف السنين، ويحتاج الطب الحديث أن يتعلمه منها اليوم.. ما يلى:
يمتد استخدام المواد الهلوسية إلى ما هو أبعد بكثير من نشأة الطب الحديث. ففى الأودية النائية لغرب تكساس، تُجسد الجداريات الصخرية الممتدة على جدران نهر بيكوس السفلى أقدم دليل بصرى على طقوس هذه المواد فى أمريكا الشمالية. وقد كشفت التنقيبات الأثرية فى الكهوف عن ألياف نبات يسمى «صبار البيوت» (الصبار الذى يحتوى على المسكالين) مادة مخدرة ومهلوسة طبيعية تؤثر على الحواس والتفكير يعود تاريخها إلى نحو أربعة آلاف عام قبل الميلاد، وهى الفترة ذاتها التى نشأت فيها هذه الجداريات. تُصوّر هذه اللوحات الملونة كهنة بقرون الأيائل (حيوان شبيه بالغزال) بالقرب من صبار «البيوت»، وآلهة رمزية كإلهة القمر، ونمرًا بطول عشرة أقدام؛ وهى رموز تُعبر عن ارتباط وثيق وعميق بين البيئة والطب والروحانيات.
وبحسب عالمة الآثار «كارولين بويد» وكبار السن من شعب «ويكساريكا» (الهويتشول بلغة السكان الأصليين)، فإن الرموز الواردة فى هذه الجداريات تشبه إلى حد كبير الطقوس المعاصرة لهذا الشعب البدائى، خاصة فيما يتعلق بـ«إله الأيل». ففى طقس خاص ينطوى على حج عبر مسافات شاسعة، يُبحث عن نبات البيوت ويُصطاد بالسهام كأنه أيل، ثم يُستهلك فى طقس استشفائى. يصف كبار السن هذا الطقس بأنه رحلة لقص أثر الأسلاف واستعادة العافية الجسدية والروحية، وهى ممارسات تُشير النقوش القديمة إلى أن جذورها تعود لآلاف السنين.
تنتقل المواد الهلوسية اليوم من هوامش العلم إلى صلب الطب النفسى الحديث. إذ تُسفر التجارب السريرية على مركبات مثل «السيلوسيبين» (المستخرج من نبات المشروم) (و«LSD»، و«DMT» (الموجود فى الأياواسكا، عشبة مهلوسة)، والمسكالين المستخرج من نبات صبار البيوت، عن نتائج واعدة فى علاج اضطرابات نفسية متعددة كإدمان الكحول واضطراب الوسواس القهرى. ولعل أبرز هذه النتائج ما أثبتته أبحاث السيلوسيبين فى علاج الاكتئاب، حيث أظهر فعالية أكبر وآثارًا جانبية أقل مقارنة بالأدوية الكيميائية التقليدية. ومع ذلك، يُرافق هذا «البعث الجديد» خطر تجريد هذه المواد من إرثها الثقافى والروحى العميق، واختزالها فى مجرد جزيئات وأدوية تجارية تُباع عبر شركات الأدوية.
تُظهر أبحاث التصوير الدماغى أن مادة السيلوسيبين تعمل بطريقة مختلفة تمامًا عن مضادات الاكتئاب التقليدية؛ إذ تُعزز التواصل الشامل بين مناطق المخ المختلفة، مما يفكك أنماط التفكير السلبى والخوف المتكرر المرتبطة بشبكة الوضع الافتراضى للدماغ. ونتيجة لذلك، لا يشعر المرضى بتخفيف الأعراض فحسب، بل بشعور عميق بالترابط مع الآخرين والعالم.
إن الشفاء ينطوى على ما هو أكثر من مجرد استهداف الأعراض المرضية كيميائيًا؛ فهو يتطلب الاهتمام بالمعنى، والطقوس، والدعم المجتمعى. وتتجلى هذه الحقيقة فى برامج الطب المتكامل التى تُدخل التأمل واليوجا والكتابة للتعامل مع الأبعاد النفسية والاجتماعية للشفاء، مما يتوافق مع ما قدمته الجداريات القديمة: أن الشفاء -حتى عند استخدام مواد طبية قوية- يترسخ فى القصة والطقس التجريبى.
أظهرت الدراسات الحديثة أن تقاليد الجداريات الصخرية استمرت لأكثر من أربعة آلاف عام عبر 175 جيلًا بالبنية الأيقونية ذاتها، وذلك لأن الكهوف والأودية والينابيع كانت يُنظر إليها كأماكن مقدسة ومصادر للقوة وبوابات لحكمة الأسلاف.
بدأت أبحاث الهلوسات الحديثة تُدرك هذه الحقيقة؛ إذ تُظهر الأبحاث أن التجارب الهلوسية تُولد شعورًا كبيرًا بالانتماء للبيئة والترابط الإيكولوجى (الارتباط بالطبيعة). وبدلًا من اعتبار هذا الشعور أثرًا جانبيًا، يمكن اعتباره آلية علاجية تُعيد للمريض شعوره بالانتماء بعد أن جردته منه التفرقة والعزلة المرضية. فالأودية والينابيع فى الماضى لم تكن مجرد خلفية للطقوس، بل كانت جزءًا من العلاج نفسه لا ينفصل عن النباتات المُستهلكة. فالشفاء لم يكن تجربة فردية معزولة، بل كان علاقة تفاعلية مع المكان، والمجتمع، والعالم الحى.
على صعيد آخر، تواجه الجداريات الصخرية اليوم تهديدات جسيمة كالتغير المناخى والفيضانات والتخريب البشرى، فضلًا عن مشاريع الجدار الحدودى بين الولايات المتحدة والمكسيك. وهذا يضع الطب الحديث أمام خيارين: إما احترام السياق الثقافى والبيئى، أو محوه وإلغاؤه.
إذا ركّز العلماء والأطباء فقط على الأليات الكيميائية للجزيئات دون إعطاء اعتبار للسياق الطبيعى والتاريخى، فقد نفقد العلاج الأعمق الذى تقدمه هذه المواد وهو: «الاتصال». إن تجارب المرضى والتاريخ القديم يُجمعان على أن الجزء الأهم من الشفاء هو تذكر مكانتنا داخل شبكة الحياة المترابطة. وما تزال لوحات الكاهنة على صخور الأودية تُعلمنا ذلك، شريطة أن يتحلى الطب الحديث بالتواضع الكافى ليتعلم مما حُفر على الحجر قديمًا.
مراجعة وتحرير: وفاء هانى عمر