تفاعلات انعطافة الاقتصاد الجديد مع الواقع العربى - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
الأربعاء 16 سبتمبر 2026 7:23 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار تطبيق نظام العمل عن بُعد يوم الأحد في بعض الجهات الحكومية؟

تفاعلات انعطافة الاقتصاد الجديد مع الواقع العربى

نشر فى : الأربعاء 16 سبتمبر 2026 - 6:50 م | آخر تحديث : الأربعاء 16 سبتمبر 2026 - 6:50 م

عبر العديد من الأسابيع الماضية حاولنا فى عدة مقالات أن نبرز الخطوط العريضة لمسيرة الاقتصاد العربي، أحيانًا على المستوى القطرى وأحيانًا على المستوى القومي، منذ انحسار الاستعمار الغربى المباشر عن مختلف أجزاء الوطن العربى وعبر فترة الاستقلال الوطنى الأولى المتميزة.

وفى الواقع فإن أحد أسباب تلك المحاولة هى قلة المصادر الشاملة التفصيلية التوعوية لتلك المسيرة الوطنية والقومية ولقد أبرزنا الأهمية للتجربة العربية الاقتصادية الذاتية التى جرت فى أقطار عربية ثلاث، لأنها تضمنت جوانب إيجابية قادت فى حينها إلى تحسينات معيشية كثيرة لملايين المواطنين العرب، لولا أنها ارتبطت بأخطاء سياسية وأمنية قادت إلى فشلها وإلى التمهيد لدخول الوطن العربى مع الضائعين الآخرين فترة صعود الرأسمالية النيوليبرالية العولمية المظلمة البائسة التى هى الآن تحت النقد الشديد والمراجعة العميقة فى آلاف الكتب والمؤتمرات والوسائل السمعية والبصرية عبر العالم كله.

وها أننا نجد أنفسنا مع آخرين أمام قرب نهاية فترة النيوليبرالية الاقتصادية البائسة الحالية والتى يصفها البعض برأسمالية "الشوكردادي"، مما يستوجب أن نفكر فى الإنعراج بمسيرتنا الاقتصادية نحو بناء أفكار واستراتيجيات ذاتية عربية وإنسانية عادلة، بعيدًا عن الهيمنات الخارجية الإمبريالية الاقتصادية المجنونة والفساد الاقتصادى الداخلى فى بعض الأقطار.

فما هو ذلك البديل الذى يقترحه البعض لنا وللعالم الثالث المماثل لنا، ونتفق مع كثير مما يقترحه؟ إنه أحد الأسئلة المصيرية المستقبلية العربية.

إجاباتنا اليوم هى أحد مكملات مقال الأسبوع الماضى عن قائمة المنطلقات الضرورية للاقتصاد العربى الجديد. فتلك المنطلقات تحتاج إلى ممارسات واستراتيجيات تحيلها إلى منجزات عملية فاعلة تغييرية فى الواقع الاقتصادى العربى.

• أولوية الاستراتيجية المطلوبة هى أن تتخلى نهائيًا عن ثقافة وممارسة ونتائج حركة الرأسمالية النيوليبرالية العولمية المتوحّشة بصورة قاطعة نهائية. فلا محل لأوهام حرية واستقلالية الأسواق، ولا محل لحرية واستقلالية وعدالة رأس المال ومالكيه ومؤسساته والمعتمدين عليه ولا محل لرذيلة تسليع كل شى مادى ومعنوي، بما فيها الإنسان. جميعها يجب أن تكون محكومة بمبادئ وقيم إنسانية وبقوانين صارمة عادلة وبأنظمة إدارة شفافة خاضعة للمحاسبة وإلى حد كبير ديمقراطية تشاركية فى أخذ قراراتها. تلك حقبة يجب أن نخرج منها ونعتبرها فضيحة عابرة قد ولت.

• انعطافة الاقتصاد العربى الجديد تتطلب غيابًا أو على الأقل هامشية، عوامل مجتمعية سلبية. فلن تنجح الانعطافة فى أجواء الفساد المالى أو البيروقراطى أو التشريعي، أو فى وجود مجتمع مدنى سياسى رقابى ضعيف وفاقد للحرية، أو فى وجود هيمنة إمبريالية خارجية على الداخل الوطنى أو القومي، أو فى وجود إرهاب أمنى أو سياسى خصوصًا إذا كان خارجًا على سماحة الإسلام وعدالته ويدّعى بأنه يتكلم باسم الطائفة أو باسم الإسلام أو حتى باسم الذات الإلهية بانتهازية وبتلاعب بالمقدّس، أو فى وجود أنظمة حكم تسلطية، عائلية أو عسكرية أو قبلية، تقلب كل خطوة ديمقراطية إلى شكلية فارغة.

• انعطافة الاقتصاد العربى الجديد التكاملية الوجودية التنموية الشاملة تبررها بموضوعية عقود تاريخية طيلة القرن العشرين من أشكال من فشل محاولات قيام اقتصادات وطنية قطرية التى أكدت أن بناءها بنجاح يحتاج أن يكون جزءًا منسجمًا ومتكاملًا من بناء الاقتصاد العربى الموحد الذى اقترحته عشرات الأدمغة الاقتصادية العربية طيلة تلك العقود.

وسنرتكب خطأً لو تجاهلنا نتاج تلك الأدمغة، ونخص بالذكر وثيقة استراتيجية العمل الاقتصادى العربى المشترك الذى قدم لاجتماع قمة عربية عام 1980 فى عّمان، الأردن، وصادق عليه بالإجماع الحاضرون.

ولقد كانت تلك الوثيقة حصيلة جهود فكرية لنخبة متميزة من أفضل الاقتصاديين العرب فى إطار الجامعة العربية ولجنة العشرين من جهة وحصيلة نقاش حر متعمق لعشرات الأكاديميين ورؤساء المنظمات والاتحادات المهنية الذى سبق وأن اجتمعوا عام 1978 فى بغداد.

وبمعنى آخر كان ذلك المشروع حصيلة جهد رسمى من خلال الجامعة العربية وحصيلة جهد شعبى من جهات وأفراد من المجتمعات المدنية العربية. وتعكس وثائق تلك الاستراتيجية حصيلة الغنى والتنوع الإيديولوجى الاقتصادى التى كانت تزخر به الساحة العربية فى ذلك الحين.

من هنا الأهمية القصوى، لأن لا تبدأ الانعطافة الاقتصادية الجديدة التى نتحدّث عنها من الصفر، وإنما من مثل تلك الكتابات والاستراتيجيات، مع تعديلها بالطبع على ضوء التغيرات والتجارب العلمية الفكرية الاقتصادية فى العالم وفى الوطن العربى أيضًا عبر العقود الخمسة الماضية، وهى تغيرات وأزمات هائلة ومراجعات فكرية حالية مليئة بالعبر والدروس.

ولعلّ كبار الاخصائيين الاقتصاديين العرب يبدأون فى الحال بتقديم ما يرونه ضروريًا من فكر ومناهج واستراتيجيات لبناء هذا المشروع الاقتصادى العربى المشترك ليكون مشروعًا إبداعيًا ذاتيًا نديًا عربيًا يسهم فى بناء المشروع النهضوى العربى المطروح هو الآخر للنقاش والبناء الإبداعى.

علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات