ها إن نظام الحكم الأمريكى، بطريقته الدعائية وتمثيلياته المسرحية، يعلن على لسان قائده أنه نجح فى توصيل الموضوع الغزّى إلى مرحلة الحسم والنجاح، بقبول المقاومة الفلسطينية فى غزة تسليم سلاحها. وإذا كنا نعرف تاريخ وطبيعة رذائل هذا النظام، فعلينا ألا ننسى أنه نظام كاذب ومخادع وناكث للوعود وخاضع لرغبات الصهيونية العالمية.
ومثلما جرجرت اتفاقيات أوسلو الشهيرة أقدامها عبر عشرات السنين دون التقدم ولو خطوة واحدة فى موضوع الحقوق الفلسطينية، بحدودها الدنيا، فإن ما أعلنه الرئيس ترامب، وهو يبتسم ويفاخر ويرفع أنفه، لن نستغرب أن يكون مصيره هو الآخر المصير نفسه، ذلك أن الخسّة اليمينية الصهيونية المتطرفة لن تعدم إقحام ألف شرط وشرط قبل تنفيذ هذه الاتفاقية الجديدة. ذلك أن الأهداف الصهيونية التوراتية المتخيلة المضحكة يُعاد تكرارها يوميًا من قبل هذا المجنون أو ذاك النرجسى، وصرنا نحفظها عن ظهر قلب.
من هنا الأهمية القصوى لتذكير فصائل المقاومة بأن الموضوع الغزّى لن يصل إلى نهاية سعيدة، أو حتى معقولة، قبل أن تفرغ غزة من سكانها، ويُقتل المزيد من شعبها يوميًا، وتوضع خطوط صفراء وحمراء وسوداء تضبط تحركات أفرادها.
وإذا كان الأمر سيكون كذلك أمام الجبروت الإجرامى الأمريكى - الصهيونى، وأمام شلل هيئة الأمم والجامعة العربية والرابطة الإسلامية وكل القوى الحقوقية العالمية، فإن رد الفعل العربى والفلسطينى يحتاج إلى أن يبدأ أولًا، وفى الحال، بمراجعة الموضوع الفلسطينى برمته، وذلك للنظر التقييمى فيما يلى، وتفعيل الأفعال بالنسبة لذلك التقييم:
فأولًا، نحتاج إلى أن نعاود التفكير فى موضوع حلّ الدولتين، ورفع صوت الحق والمنطق القائل بأن فلسطين وشعبها هما ضحية لمؤامرة استعمارية وصهيونية بدأت قبل وعد بلفور الإنجليزى، وتطورت إلى الكلام حاليًا عن ضرورة ضمّ أجزاء من لبنان وسوريا والأردن والعراق ومصر والسعودية إلى فلسطين المسروقة. وبالتالى، فالجواب على ذلك، وبعد مرور ثمانين سنة على احتلال فلسطين، أنه آن الأوان لطرح موضوع العودة إلى دولة فلسطين العربية الديمقراطية، ورفض مؤامرة سرقة فلسطين من أهلها جملةً وتفصيلًا.
وثانيًا، وضع استراتيجية سياسية نضالية تفصيلية لتلك الخطوة الأولى تعتمد فى الأساس على الشعب الفلسطينى، بكل مؤسساته وأفراده، فى جبهة نضالية واحدة وقيادة تحريرية واحدة، ومن ثم على قوى المجتمعات العربية المدنية المساندة لذلك الجهد بالمال والنضال، من أجل جعل أنظمة الحكم العربية تساند ذلك الجهد على كل المستويات.
وثالثًا، لا يمكن للخطوة الثانية أن تتحقق إلا إذا بدأت بتصحيح الغلطة الفلسطينية النضالية، التى سمحت للنضال التحررى الفلسطينى بأن يكون تحت منظمات فلسطينية متعددة، وبالتالى تحت قيادات متنافرة متصارعة متعددة. ولذلك أصبح لزامًا على الشعب الفلسطينى أن يتكاتف بألف شكل وشكل ليرفض الانقسام التحررى الفلسطينى الحالى إلى منظمات متعددة وتحت قيادات متعددة، وأن يُصار إلى عزل أى فصيل فلسطينى لا ينضم إلى جهد قيام قيادة فلسطينية تحررية ديمقراطية واحدة.
ورابعًا، إن الجهد الفلسطينى لن ينجح إذا اعتمد على نفسه فقط. مطلوب منه أن يسعى ويتكاتف مع قوى التحرر المقاوم العربى، وقوى العالم الشبابية الجديدة التى بدأت تدرك مؤخرًا أن الكيان الصهيونى، والصهيونية كعقيدة، هما مرض سرطانى سيقضى على هذا العالم إن لم يُكبح ويُوقَف عند حده. وهذا موضوع يجب أن يبدأ التفكير فيه بصورة جدية.
وخامسًا، وفى كل النقاشات والأفعال السابقة، الدخول فى حملة توعية على مستوى العالم، مع قواه التحررية، للخروج من كذبة اللاسامية التى طرحتها الصهيونية لتغطية جرائمها، والدعوة الصادقة إلى دعوة أصحاب الديانة اليهودية للانضمام إلى حملة إرجاع الحقوق الفلسطينية، وإبطال التخيلات الدينية الكاذبة من قبل الحركة الصهيونية، وجعل أتباع الدين اليهودى يمارسون دينًا، وليس حركة استعمارية سياسية تحت مسمى الصهيونية. فالدين اليهودى له كل الاحترام والمساواة مع بقية الديانات، أما الصهيونية فيجب أن تدخل فى عداد ومصير التاريخ الاستعمارى المزيّف.
مفكر عربى من البحرين