مراكز البيانات.. ومعضلة استهلاك الطاقة - محمد كامل عمرو - بوابة الشروق
السبت 19 سبتمبر 2026 8:02 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد وضع قواعد قانونية وبرتوكولية لجولات المسئولين الرسمية؟

مراكز البيانات.. ومعضلة استهلاك الطاقة

نشر فى : السبت 19 سبتمبر 2026 - 7:10 م | آخر تحديث : السبت 19 سبتمبر 2026 - 7:10 م

أعلنت الحكومة المصرية الاتفاق مع عدد من شركات القطاع الخاص المصرية والأجنبية لإنشاء مركز بيانات فى مصر على غرار المراكز التى يتم إنشاؤها حاليًا فى عدد من الدول بهدف تقديم خدمات فى مجال الذكاء الاصطناعى، إلى جانب توفير البنية التحتية للتعاملات الرقمية فى شتى المجالات، ومنها القطاع المالى وقطاع الخدمات الصحية والقطاع التعليمى وقطاعات البنية الأساسية والخدمات العامة مثل شبكات المياه والكهرباء والاتصالات والنقل. كما تسهم مراكز البيانات فى خدمة التعاملات الرقمية اليومية التى يقوم بها الأفراد والتى أصبح استخدام التطبيقات الإلكترونية فيها هو القاعدة لا الاستثناء. وتكفى نظرة إلى نسبة من يستخدمون تطبيق واتساب حاليًا فى مصر أو من يستخدمون بطاقات الائتمان وغير ذلك من الاستخدامات والتى تعتمد كلها على شبكة الإنترنت والبنية التحتية الرقمية التى تدعمها.


• • •
وإذا أضفنا إلى هذا أن وجود مثل هذه المراكز فى مصر يمثل عنصرًا فيما يتعلق بتأمين البيانات المحلية، سواء منها الرسمية أو التى تخص الأفراد، على أساس أنه يتم تخزين هذه البيانات محليًا دون الاستعانة بمراكز بيانات أو أجهزة خوادم فى الخارج لا تخضع لإشراف مصرى مباشر.


هناك أيضًا عنصر اقتصادى مهم لهذه المراكز التى تمثل مصدرًا للدخل، حيث يمكنها توفير طاقة تخزينية لما يعرف بالحوسبة السحابية cloud computing متاحة لاستخدام أى جهات، سواء محلية أو خارجية.


كل هذا يوضح أن مثل هذه المراكز توفر ميزة للدولة فيما يتعلق بالتحول الرقمى الذى أصبح يشكل ضرورة لا يمكن تجاهلها إذا ما أردنا أن نكون جزءًا من المنظومة العالمية الحديثة، خصوصًا مع التطور السريع فى مجال الذكاء الاصطناعى والذى فى طريقه لأن يكون العنصر الأساسى فى كافة مجالات الأنشطة الحياتية على المستويين العام والخاص.


وإذا كان ما ذكرناه هو الجانب الإيجابى لمشروع مركز البيانات المنتظر فى مصر، فهناك، كما هو الحال فى كل مناحى الحياة، جوانب أخرى قد تكون سلبية، وتحتاج إلى دراستها وأخذها فى الحسبان قبل البدء فى الإجراءات التنفيذية لمشروع على هذا القدر من الضخامة والأهمية وما سيكون له من تأثير.


تأتى فى مقدمة هذه الجوانب مسألة استهلاك الطاقة. فمن المعروف أن مراكز البيانات من أكثر المشاريع، إن لم تكن أكثرها على الإطلاق، استهلاكًا للطاقة، لسببين رئيسيين: الأول أن تشغيل الخوادم servers والتى تستخدم شرائح إلكترونية متخصصة (GPU) تنتج غالبيتها شركة إنفيديا NVIDIA، الأمريكية، والتى قيل إنها ستكون أحد الشركاء فى المشروع، يتطلب كميات كبيرة من الطاقة الكهربائية ذات المواصفات العالية من ناحية الثبات والاستمرارية، حيث إن هذه المراكز لا تحتمل أى انقطاع فى إمدادات الكهرباء.


السبب الآخر الذى يؤدى إلى هذا الاستهلاك الكثيف للطاقة هو عمليات التبريد اللازمة للتخلص من درجات الحرارة المرتفعة الناتجة عن الاستخدام المستمر للخوادم. ورغم أنه قد تم تحقيق تقدم كبير فى موضوع التبريد، حيث يستخدم الآن ما يعرف بالتبريد السائل الذى يعتمد على المياه فى دورة تبريد مستمرة، إلى جانب تقنيات متقدمة أخرى، مما أدى إلى تخفيض الطاقة اللازمة للتبريد بشكل كبير، إلا أن الاستهلاك الكلى من الكهرباء لهذه المراكز ما زال يمثل عبئًا كبيرًا على شبكات الكهرباء. كما أن استخدام المياه فى تبريد هذه المراكز العملاقة يمكن أن يمثل ضغطًا على إمدادات المياه العذبة فى الأماكن التى تقام فيها.


• • •
كان من نتيجة ذلك أن ظهرت مؤخرًا حركات على المستوى الشعبى فى عدد من الدول، ومنها الولايات المتحدة، تعترض على إقامة مثل هذه المشاريع، حيث أعلنت ولاية نيويورك مؤخرًا، على سبيل المثال، تجميد إنشاء أى مشاريع تتعلق بمراكز البيانات حتى يتم إجراء الدراسات الكافية لتأثيرها على شبكات الطاقة من ناحية الكفاءة والتسعير، بينما اشترطت ولايات أخرى قيام الشركة المعنية بتوفير محطات كهرباء خاصة لتلبية احتياجاتها. ولقد بلغت هذه الحركات درجة من القوة بحيث أصبح موضوع تأييد أو رفض إقامة مثل هذه المراكز عنصرًا فى تقييم المرشحين فى الانتخابات النصفية فى نوفمبر القادم.


ومن جانبنا، وحتى يمكن التعامل مع هذا الموضوع بشكل واقعى، فقد يكون من المناسب النظر إلى تجربة دولة الإمارات فى هذا الشأن. ففى الإمارات مركزان للبيانات، أحدهما فى دبى أنشأته شركة أوراكل Oracle ويقدم قواعد معلومات متقدمة للاستخدام المؤسسى وتطبيقات الحوسبة السحابية التى تستخدمها الجهات الحكومية. والمركز الثانى تابع لشركة أمازون للحوسبة السحابية Amazon Web Services (AWS) وله مقران، فى أبوظبى ودبى، ويغطى احتياجات منطقة الشرق الأوسط فيما يتعلق بالخدمات السحابية cloud services مع التركيز على التطبيقات المالية والأعمال بشكل عام.


وبالنسبة لاحتياجات هذه المراكز من الطاقة، فإنه يتم تلبيتها من خلال محطة براكة النووية والتى تضم أربعة مفاعلات وتبلغ قدرتها ٥،٦ جيجاواط، إلى جانب أن الإمارات تمتلك واحدًا من أكبر مراكز الطاقة الشمسية على مستوى العالم ويتمثل فى محطة الظفرة ومركز محمد بن راشد آل مكتوم، إلى جانب وجود الغاز الطبيعى كمصدر طاقة احتياطى تحسبًا لأى طارئ.


هذا المثال يعطينا تصورًا لحجم الطاقة المطلوب لتلبية احتياجات هذه المراكز والذى يجب أن يؤخذ فى الاعتبار فى المراحل الأولى للتصميم، خصوصًا مع الضغوط الواقعة بالفعل على الشبكة لدينا والتى نعانى منها مع قدوم كل صيف.


• • •
وفى هذا السياق، وحيث إننا نتعرض لمشاريع من شأنها الانتقال بمصر إلى مجال الفعل والتأثير فى ميادين المعلومات والتكنولوجيا بشكل عام، فقد يكون من المناسب النظر فى موضوع ذى ارتباط وثيق، وأقصد هنا شبكة الإنترنت. لقد أصبح من الواضح أن ما لدينا من خدمات الإنترنت يحتاج لعملية تطوير واسعة، سواء نوعًا أو كمّا.


فمن ناحية النوع، فإن السرعات المتاحة لدينا حاليًا وإن كانت كافية للاستخدام الشخصى، إلا أنها لن تفى بمتطلبات الاستخدامات العلمية والمالية المتقدمة، خصوصًا مع التطور السريع فى ميدان الذكاء الاصطناعى وما يتطلبه كل ذلك من سرعات فائقة، حيث وصلت السرعات المتاحة حاليًا فى عدد من الدول إلى ما يفوق جيجابايت للاستخدام الشخصى وأعلى من ذلك للاستخدامات المؤسسية. ومن الأمور المشجعة فى مصر مشروع تعميم شبكات خطوط الفايبر، والذى يجرى العمل فيه حاليًا بشكل متسارع، سيساعد فى تحقيق النقلة المطلوبة.


وبالنسبة للكم، فإن غالبية الدول الآن لا تعمل بنظام حصص الاستهلاك، بل تتبع نظام الحصة المفتوحة والتى عادة ما تكون تكلفتها أقل مما هو لدينا.


إن استخدام الإنترنت أصبح لدى غالبية المصريين ضرورة لا ترفًا، سواء تعلق ذلك بالأبعاد التعليمية أو الترفيهية أو الحياتية بصفة عامة. وإذا ما أضفنا الاستخدامات المؤسسية، سواء حكومية أو خاصة، فإن هذا التحديث للنوع والكم يصبح من ضرورات التقدم العلمى والاقتصادى والاجتماعى.

وزير خارجية مصر الأسبق

محمد كامل عمرو وزير الخارجية الأسبق
التعليقات