لم تكن زيارة ولى العهد السعودى محمد بن سلمان إلى القاهرة الأسبوع الماضى زيارة عادية فى توقيتها، فقد جاءت فى لحظة تتعرض فيها المنطقة لضغوط أمنية متزامنة فى الخليج العربى والبحر الأحمر واليمن، وتظهر فيها مرة أخرى حدود قدرة كل دولة عربية على التعامل منفردة مع هذه التحديات. ولهذا فإن الأهم فى الزيارة، فى رأيى، ليس فقط ما دار بين القاهرة والرياض، وإنما ما تجيب به عن سؤال قديم عاد بقوة إلى المنطقة: هل ما زال هناك معنى عملى للأمن القومى العربى، وكيف يمكن للدول العربية أن تتعامل معه بجدية بعيدًا عن الشعارات التى تكررت لعقود؟
خلال الأيام السابقة للزيارة حقق الحوثيون تقدمًا عسكريًا خطيرًا فى اليمن، فقد سيطروا على مواقع على الساحل المطل على البحر الأحمر، بما فى ذلك ميناء المخا وجزيرة ميون القريبة من باب المندب، ثم توسعوا إلى جزر أخرى فى البحر الأحمر. وفى الوقت نفسه تعرضت المملكة لسلسلة من الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة، وتعرض خط أنابيب الشرق ــ الغرب الذى ينقل النفط السعودى إلى ساحل البحر الأحمر لهجوم أدى إلى تعطيله. وقد زادت أهمية هذا الخط أصلًا بسبب الأزمة فى مضيق هرمز، حيث تراجعت حركة السفن بصورة حادة منذ بداية الحرب مع إيران.
من هنا يصبح مفهومًا أن تركز مباحثات الرئيس السيسى وولى العهد السعودى محمد بن سلمان على أمن البحر الأحمر وباب المندب، وأن يؤكد الرئيس المصرى دعم أمن السعودية واستقرارها. كما يصبح مفهومًا أن تشير تقارير صحفية أمريكية إلى أن الرياض طلبت مساعدة من مصر، إلى جانب دول أخرى، فى مواجهة النقص المتزايد فى قدرات الدفاع الجوى المستخدمة لاعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة الحوثية.
• • •
هذه التطورات لا تعنى أن مصر على وشك دخول حرب جديدة فى اليمن. حتى الآن لا يوجد ما يشير إلى ذلك، ولا أعلنت القاهرة التزامًا عسكريًا من هذا النوع. لكن ما يحدث يلفت الانتباه إلى حقيقة أكثر أهمية وهو أن ما يجرى فى السعودية واليمن لم يعد بعيدًا عن الأمن القومى المصرى، تمامًا كما لم يعد ما يحدث عند باب المندب شأنًا يمنيًا أو خليجيًا فقط.
مصر تعرف هذه الحقيقة جيدًا من تجربة السنوات الأخيرة. فمنذ أن بدأ الحوثيون استهداف السفن فى البحر الأحمر تراجعت حركة الملاحة عبر قناة السويس بصورة حادة، وخسرت مصر مليارات الدولارات من إيرادات القناة. وقبل زيارة محمد بن سلمان بيوم واحد فقط كانت شركتا «ميرسك» و«هاباج لويد» تعلنان إعادة المزيد من خدماتهما عبر قناة السويس بعد تحسن نسبى فى الأوضاع الأمنية، وأى تصعيد جديد حول باب المندب يستطيع بسهولة أن يقلب هذا الاتجاه الإيجابى مرة أخرى.
السعودية تواجه المشكلة نفسها من زاوية أخرى. فمضيق هرمز هو الطريق الرئيسى لصادرات النفط الخليجية، ولهذا كثفت المملكة من استخدام خط «الشرق ــ الغرب» لكى تستطيع نقل جزء كبير من نفطها إلى ميناء ينبع وتصديره عبر البحر الأحمر إذا تعرض مضيق هرمز للخطر. لكن الحرب الحالية أظهرت مشكلة لم تكن مطروحة بهذه الحدة من قبل: إذا أصبح هرمز معرضًا للتهديد من إيران، وأصبح باب المندب فى الوقت نفسه معرضًا للتهديد من الحوثيين، فإن الطريق الأساسى والطريق البديل يمكن أن يتعرضا للضغط فى نفس اللحظة.
• • •
وهنا أصل إلى النقطة الأكثر أهمية، وهى أن الأمن القومى العربى لا يزال واحدًا من أهم السياسيات التى يفتقدها العالم العربى. فنحن منذ عقود نتعامل مع هذا المفهوم وكأنه يحتاج أولًا إلى اتفاق عربى شامل على كل شىء تقريبًا: من هو العدو، ومن هو الحليف، وما هى أولويات المنطقة، وهل نحتاج إلى جيش عربى مشترك أو استراتيجية أمنية موحدة. وبالطبع لم ولن يحدث هذا الاتفاق، لأن الدول العربية تختلف فى مصالحها وتحالفاتها وحساباتها، ولذلك يظل الحديث عن الأمن القومى العربى فى أغلب الأحيان مجرد فضفضة ونوع من النوستالجيا السياسية التى تحن إلى الأيام الأولى لجامعة الدول العربية ومعاهدة الدفاع العربى المشترك ١٩٥٠ والتى لم تفعّل ولو لمرة واحدة!
الحقيقة أننا لا نحتاج إلى هذا التطابق التام فى الرؤى والأهداف، بل يكفى أن تكون هناك تهديدات لا تستطيع دولة واحدة أن تتعامل معها وحدها، وأن تؤثر نتائجها على أكثر من دولة فى الوقت نفسه. المشكلة أن المنطقة العربية لم تبن خلال العقود الماضية مؤسسات أمنية تستطيع التعامل بشكل جماعى أو متعدد الأطراف مع هذا النوع من التهديدات. فرغم أن لدينا جيوشًا ضخمة وإنفاقًا عسكريًا عربيًا شديد السخاء على السلاح وميزانيات الدفاع، لكن التعاون فى مجالات مثل الدفاع الجوى والإنذار المبكر والمعلومات الاستخباراتية والأمن البحرى ما زال أقل بكثير مما يفترضه حجم التهديدات الموجودة حول المنطقة.
كما أن الحالة السعودية الحالية تكشف جانبًا آخر من المشكلة. فقد اعتمد أمن الخليج منذ عقود على الولايات المتحدة بدرجة كبيرة. وهذه العلاقة لم تنته، ولا يوجد ما يشير إلى أنها ستنتهى قريبًا. لكن الأزمة الحالية تذكر دول الخليج بأن التحالف مع واشنطن لا يعنى بالضرورة أن الولايات المتحدة ستدخل كل حرب بالنيابة عنها. فبحسب وكالة «أسوشيتد برس»، تقدم الولايات المتحدة للسعودية دعمًا استخباراتيًا، لكنها لم تدخل حتى الآن عسكريًا فى المواجهة الحالية مع الحوثيين، بينما اضطرت الرياض إلى البحث عن دعم إضافى من باكستان، وفرنسا، وبريطانيا ومصر.
وهذه ليست المرة الأولى التى تواجه فيها السعودية هذا السؤال. فعندما تعرضت منشآت أرامكو فى الشرق السعودى لهجوم كبير عام ٢٠١٩ لم ترد الولايات المتحدة عسكريًا على إيران. وكانت هذه لحظة مهمة فى إعادة تقييم الرياض لسياستها الإقليمية، وساهمت لاحقًا فى الاتجاه إلى الحوار مع إيران وفى توسيع العلاقات مع الصين وقوى أخرى.
لكن الحوار مع إيران لا يلغى المشكلة الأمنية. والسعودية التى حاولت تخفيض مستوى التوتر مع طهران خلال السنوات الماضية تجد نفسها الآن أمام واقع تتمتع فيه جماعة مرتبطة بإيران بقدرة كبيرة على ضرب أراضيها وتهديد أحد أهم طرق تصدير النفط لديها! وفى ١٧ سبتمبر الجار ذكرت رويترز أن السعودية طلبت من الصين استخدام نفوذها لدى إيران للضغط على الحوثيين، وهو ما يوضح حجم التعقيد الذى وصلت إليه المسألة.
من هذه الزاوية، لا أعتقد أن أهمية زيارة محمد بن سلمان إلى القاهرة تتعلق بما إذا كانت مصر سترسل قوات أو معدات إلى السعودية. هذا سؤال مهم، لكن الإجابة عنه ستتوقف على تطورات الأيام المقبلة وعلى ما تتفق عليه الحكومتان. الأكثر أهمية هو أن الظروف الحالية تعيد تعريف علاقة مصر بأمن الخليج والبحر الأحمر.
فمصر لا تستطيع تأمين قناة السويس إذا ظل باب المندب خارج أى ترتيبات أمنية فعالة. والسعودية لا تستطيع التعامل مع أمن ساحلها الغربى بمعزل عن مصر والدول الأخرى المطلة على البحر الأحمر. وفى السودان توجد أزمة أخرى يمكن أن تمتد آثارها إلى البحر الأحمر نفسه وهكذا فهذه لم تعد ملفات منفصلة كما اعتدنا التعامل معها فى الماضى.
بعد ربع قرن تقريبًا من الحروب والأزمات فى المنطقة، ربما تكون المشكلة الأساسية واضحة: الدول العربية أنفقت كثيرًا على أمن كل دولة منفردة، لكنها فعلت أقل بكثير لبناء القدرة على التعامل مع التهديدات التى لا تتوقف عند حدود دولة واحدة.
أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر