فى النظرية السياسية للدساتير، التى تناقش مجموعة من الافتراضات والمقولات عن التقاطع السياسى والقانونى فى فلسفة وتاريخ الممارسات المتعلقة بصنع الدساتير، يوجد سجال معروف بين أساتذة النظرية السياسية وأساتذة القانون الدستورى حول ما إذا كان الدستور مجرد تعبير عن الوضع الراهن القائم على الأرض، أم أنه منشئ لواقع جديد. بعبارة أخرى، يدور الجدل هنا حول ما إذا كان المنوط به كتابة الدساتير عليه أن يأخذ الواقع السياسى ويعكسه فى شكل مواد دستورية، لإضفاء شرعية سياسية على علاقات القوة القائمة بالفعل بين المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية، أو بين الجماهير والسلطة، أم أن كتابة الدساتير يجب أن تسعى إلى تغيير هذه العلاقات القائمة، وبالتالى فإن كتابة الدستور، بهذا المعنى، تهدف بشكل غير مباشر إلى سحب الشرعية السياسية من الوضع السياسى الراهن وعلاقات القوة فيه، وإضفاء شرعية سياسية على وضع جديد يأمله القائمون على عملية كتابة الدستور.
وكعادة هذا النوع من الجدالات فى العلوم السياسية بشكل خاص، وفى العلوم الاجتماعية بشكل عام، لا توجد إجابة واحدة صحيحة أو نموذجية. فكتابة دستور يضفى الشرعية السياسية على علاقات القوة القائمة بالفعل على الأرض تبدو منهجًا محافظًا لا يطمح إلى التغيير، لكنها، فى الوقت نفسه، تضمن الاستقرار السياسى والدستورى فى الدولة محل البحث! أما كتابة دساتير تتمرد على الوضع الراهن لعلاقات القوة فى الدولة محل البحث، فقد تبدو اتجاهًا تقدميًا يسعى إلى التغيير ويطمح إلى تأسيس معادلات قوة جديدة على الأرض، لكنها، فى الوقت نفسه، قد تجلب عدم الاستقرار السياسى، وقد تتسبب فى نوع من أنواع الصراع بين السلطات!
أعتقد أن هذا النقاش، الذى قد يبدو فلسفيًا نظريًا للوهلة الأولى كان من وجهة نظرى واحدًا من أهم النقاشات التى لم تأخذ وقتًا كافيًا منذ ثورة يناير ٢٠١١! ولذلك، فمنذ ثورة يناير وحتى اللحظة، أى على مدار نحو خمسة عشر عامًا ونصف العام، شهدت مصر ١٤ تدخلًا دستوريًا، بمتوسط حسابى بلغ تدخلا دستوريًا واحدًا كل ١٣ شهرًا تقريبًا. مع العلم أننى أستخدم لفظ «تدخل دستورى» عن عمد، لأننى فى هذا الإحصاء، قمت بعدِّ كل مرة تم فيها تعديل الدستور، سواء بشكل جذرى أو جزئى، وسواء تم التعديل بإعلان دستورى من سلطة انتقالية أو عن طريق استفتاء عام للجماهير.
• • •
بكل تأكيد، هذا متوسط حسابى عالٍ للغاية، وقد تكون كثرة التدخلات والتعديلات الدستورية فى التجربة المصرية مبررة فى مرات التغيير الأولى، فقد كانت الفترة منذ يناير ٢٠١١ وحتى يوليو ٢٠١٣ فترة عصيبة، وبغض النظر عن تعدد الآراء والتقييمات والمسميات، فقد كانت فترة انتقالية شهدت الكثير من التغييرات على الأرض، وبالتالى قد يكون مفهومًا سبب هذه التعديلات الكثيرة فى تلك الفترة، لكن لماذا استمرت هذه التعديلات بعد ذلك، رغم أن الأوضاع السياسية فى مصر شهدت استقرارًا تقليديًا؟
إجابتى، بمنتهى الصراحة، وبما أدعيه استقلالًا أكاديميًا، أن السبب الذى قد يغضب البعض، هو فلسفة التعديلات الدستورية فى يناير ٢٠١٤. فرغم أن الكثيرين يشيرون إلى هذه التعديلات باسم «دستور ٢٠١٤»، فإن ما جرى على الأرض كان، فى الحقيقة، مجرد تعديل لدستور ٢٠١٣، الذى صدر فى ظروف سياسية مختلفة جذريًا عن الظروف التى استُفتى فيها الشعب فى يناير ٢٠١٤!
وبالتالى، فإذا ما قمنا بالربط بين الجدل الدستورى الذى عرضته فى بداية المقال وبين هذه الحقائق، فإن التعديلات الدستورية التى جرت عام ٢٠١٤ كانت طموحة، تحاول أن تنشئ واقعًا جديدًا لتغيِّر من علاقات القوة القائمة على الأرض، لكنها اصطدمت بواقع مغاير تمامًا. وبنظرة أعمق إلى ثورة ٣٠ يونيو وما أعقبها من إعلان ٣ يوليو الشهير، فإن قطاعات كبيرة من الشعب كانت، فى الواقع، تقول إن من عبّر عن ثورة يناير، سواء كان من الإسلاميين أو الليبراليين أو اليساريين وغيرهم، قد فشل، ومن ثم فقد أرادت إعادة الكرة إلى مؤسسات الدولة. وكل الأحداث التالية ليونيو/يوليو ٢٠١٣ عبّرت بصراحة عن هذا الاتجاه الشعبى، الذى يمكن وصفه، بتعبيرات العلوم السياسية، بأنه كان تغييرًا محافظًا يثور على المعادلات السياسية التى نشأت بعد ٢٠١١، ويطالب أجهزة ومؤسسات الدولة صراحة بأن تستعيد زمام الأمور، فى حين أن التعديل الدستورى فى ٢٠١٤ كان يحاول أن ينشئ واقعًا جديدًا ديمقراطيًا، معتبرًا أن تغييرات يونيو/يوليو هى محاولة لإعادة ثورة يناير إلى الطريق الصحيح، فى حين أن هذه التغييرات، فى رأيى، كانت ببساطة تعتبر أن ثورة يناير ٢٠١١ كانت خطأ، أو كانت، بأكثر العبارات دبلوماسية، حسنة النية، لكنها أخطأت الطريق!
• • •
للتدليل على ما أقول، دعنا نقرأ ديباجة «مقدمة» دستور ٢٠١٤، الذى أذكّر القارئ الكريم بأنه كان مجرد تعديل لدستور ٢٠١٣. فهذه الديباجة، التى وضعتها اللجنة الدستورية فى وقتها، حاولت الربط بين ثورتى ٢٠١١ و٢٠١٣، باعتبارهما ثورتين فى الطريق نفسه وبالأهداف نفسها، لكننا، على أرض الواقع، سرعان ما رأينا أن الديباجة الطموحة أخطأت قراءة الأمر الواقع الماثل أمامها. صحيح أن يونيو ٢٠١٣ تظل ثورة لأن قطاعات كبيرة من الشعب أيدتها، لكنها كانت فى طريق وبفلسفة مغايرة تمامًا لفلسفة ثورة يناير، ومن ثم رأينا على الأرض رموزًا فى الدولة تعتبر ثورة يناير جريمة أو خيانة، رغم أن بعضهم كان بالفعل منخرطًا فى تعديلات ٢٠١٤، وساهم فى كتابة الديباجة التى تعتبر صراحة ثورة يناير من مصادر الشرعية السياسية والدستورية!
لاحظ أننى هنا لا أقدم أحكامًا ولا توصيفات بشأن الأمر، ولا أقول إن هذا صحيح أو إن هذا خاطئ، لكننى أقدم توصيفًا للوضع القائم لا أكثر، وأحاول أن أشرح المأزق الدستورى الذى نحن أمامه. وبأكثر العبارات دبلوماسية، ومراعاةً للحساسيات السياسية التى قد تنجم على الأرض، فإننا أخطأنا فى اعتبار دستور ٢٠١٤ مجرد تكملة لدستور ٢٠١٣، ومن ثم قمنا فقط بتعديلات. أى إننا حاولنا وضع دستور طموح وتقدمى يسعى إلى إنشاء واقع جديد، فى حين كانت الجماهير وأجهزة الدولة، فى الواقع، تقدم معادلة سياسية مقبولة شعبيًا، فى وقتها على الأقل، تحاول استعادة معادلة سياسية قديمة فى جوهرها، حتى ولو بمسميات جديدة. وهكذا جاءت تعديلات دستور ٢٠١٣ فى ٢٠١٤ متناقضة مع الواقع، وقد تزايد هذا التناقض مع مرور السنوات، فلم يعد هناك معنى، مثلًا، لمواد العدالة الانتقالية فى الدستور، وقد جرى تغييرها فى تعديلات لاحقة بالفعل! كذلك حدثت تعديلات لاحقة خاصة بمنهج وفلسفة العلاقات المدنية - العسكرية فى الدولة، كما جاءت التعديلات اللاحقة لتغيّر مدد الفترات الرئاسية وعدد سنواتها!
وهكذا، فإذا لم نلتفت إلى الأمر الراهن، فسوف تستمر التعديلات الدستورية فى السنوات القادمة بلا توقف، لأن الأساس الفلسفى للدستور الحالى مخالف تمامًا للأوضاع السياسية الراهنة. فهذه الأوضاع محافظة، فى حين أنها تواجه وثيقة دستورية شديدة الطموح، لكنها، بمنتهى الصراحة، لم تعد ذات معنى!
• • •
فماذا بعد إذن؟
من وجهة نظرى المتواضعة، فإن الحل العملى الوحيد هو أحد سيناريوهين: إما أن تتغير المعادلات السياسية القائمة على الأرض، ومن ثم يكون الدستور القائم بالفعل معبرًا عنها، وإما أن يتغير الدستور نفسه، فيكون، فى النهاية، تعبيرًا عن المعادلات السياسية القائمة بالفعل على أرض الواقع، من دون أى تجميل أو تزويق للكلام!
وهنا نكون أمام مواجهة صريحة بين ما نعتقد، بما فينا كاتب هذه السطور، أنه ينبغى أن يكون، وبين ما هو قائم بالفعل! أما ما أعتقد أنا أنه «ينبغى أن يكون»، فهو كثير، وفى مقدمته إحداث إصلاحات سياسية جذرية وسلمية تؤدى، فى النهاية، إلى تحول ديمقراطى حقيقى، تكون فيه علاقة متوازنة بين السلطات، وحدود واضحة لمساحة سلطة كل مؤسسة سياسية، ومدد صلاحية فاعليها. لكننى أعترف بأن ما هو قائم بالفعل يدفع فى اتجاه محافظ، ومن ثم يستدعى تعديلات دستورية جذرية تعكس الوضع القائم بالفعل من دون مكابرة!
السؤال الآن واضح، ومن دون أى عبارات دبلوماسية، وهو: هل نسكت على هذا التناقض الصارخ بين المعادلات السياسية القائمة على الأرض وبين الدستور الحاكم للبلد، ومن ثم نقوم كل ثلاثة أو أربعة أعوام بتغيير الدستور، وما يتضمنه ذلك من تكاليف مالية وإحراجات دولية وإقليمية لتبرير هذه التعديلات، أم أنه حان الوقت كى نعود إلى أرض الواقع، ونناقش بجدية إمكانية تعديل الدستور الحالى بشكل جذرى، ليعبّر عن الوضع القائم ويعكسه، ومن ثم نجنّب الجميع الحرج السياسى والقانونى والدستورى، فضلا عن الأعباء المالية؟
أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر