طرائف برلمانية.. عمان.. القاهرة.. واشنطن.. لندن... كلنا سواء - عبدالرحيم شلبي - بوابة الشروق
الثلاثاء 8 سبتمبر 2026 8:42 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار تطبيق نظام العمل عن بُعد يوم الأحد في بعض الجهات الحكومية؟

طرائف برلمانية.. عمان.. القاهرة.. واشنطن.. لندن... كلنا سواء

نشر فى : الثلاثاء 8 سبتمبر 2026 - 7:25 م | آخر تحديث : الثلاثاء 8 سبتمبر 2026 - 7:25 م

حين كنت مستشارا بسفارتنا في عمّان بالأردن، في نوفمبر من عام 1989، كلفني سفيرنا القدير مهاب مقبل بتغطية الجلسة الافتتاحية لأول برلمان أردني منتخب بعد عشرين عاما من الحل. وفي غرفة كبار الزوار، وجدتني واقفا إلى جوار مذيعة تلفزيونية أردنية جميلة الطلعة، وهو ما جذب انتباهي إليها بادئ الأمر، كانت توجه سؤالا مطولا ومسهبا لنائب من كبرى القبائل الأردنية، سألته فيه عن شعوره بعد عشرين عاما من الغياب، وكيف يرى أثر ذلك على الديمقراطية في الأردن، وكيف تنظر إليه الدول الأجنبية بعد هذه العودة، وماذا يعني ذلك للقضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.. سؤال طويل حقا، حمل في طياته كل هموم المنطقة. فما كان من النائب إلا أن أجاب بثلاث كلمات بالعامية البدوية: "حنا مع الحسين"، أي بالفصحى: "نحن مع الحسين"، في إشارة إلى الملك حسين. إجابة موجزة، تنم عن ولاء صادق لا شك فيه، لكنها قد تنم أيضا، في الوقت ذاته، عن جهل بتفاصيل ما سئل عنه، أو ربما عن قناعة بسيطة بأن كل ما عدا ولاء الحسين تفصيل لا يستحق الخوض فيه ما دام الملك في سدة الحكم.

وقد يظن القارئ أن الإيجاز في الرد، حتى لو حمل شيئا من الغموض، هو أهون كثيرا من إطالة السؤال ذاته حين يكشف عن فراغ حقيقي لا يواريه طول الكلام، وهذا بالضبط ما جرى معي شخصيا، ولكن هذه المرة لا في عمّان، بل في قاعة برلمانية أخرى، وفي موقف كنت فيه أنا من يكابد لا من يلاحظ. ففي مطلع الألفية الثالثة، وتحديدا في عام 2002، حين كنت مساعدا لوزير الخارجية الراحل أحمد ماهر، الذي كانت له عادة أن يصطحب معه مساعديه إلى جلسات الاستماع والمحاضرات المهمة، وجدت نفسي، برفقة عدد من زملائي مساعدي الوزير، من بينهم السفيران رؤوف سعد ويحيى الرملاوي اللذان كنت أجلس بينهما، في اجتماع مشترك للجنتى الشئون العربية والأفريقية بمجلس الشعب، حيث كان الوزير يلقي كلمة بالغة الأهمية عن أمن الموارد المائية المصرية، وهي قضية كانت وقتها، كما هي اليوم، من أخطر ما يواجه مصر.

ألقى الوزير خطابه ببلاغته المعهودة وإحاطته الشاملة بتفاصيل الملف، وحين فتح باب النقاش والأسئلة، تقدم أحد أعضاء المجلس بسؤال كان من الغرابة، بحيث لم أستطع كتم ضحكة بدأت تتصاعد بلا إرادة مني، رغم إدراكي التام لجدية الموقف. حاول صديقاي، وهما يجلسان على جانبي، تهدئتي بصوت خافت: "اهدأ، الوزير غاضب، إنه ينظر إليك الآن"، لكن لا حيلة كانت لي، فما قاله ذلك النائب كان من العجب بحيث استغرقت وقتا لأستعيد اتزاني.

أستعيد اليوم تلك الذكرى، لا لأسخر من احد أعضاء مؤسسة تشريعية بعينها، فما جرى يومها كان استثناء لا قاعدة، بل لأتأمل ظاهرة أوسع، وهي أن الجهل الفاضح بأبسط أساسيات الملف الذي يفترض أن يكون المرء مسئولا عنه ليس حكرا على بلد دون آخر، ولا على درجة من درجات التنمية دون أخرى. وما يؤكد ذلك أن أحدث الأمثلة على هذه الظاهرة لم يأت من دولة نامية، بل من قلب الديمقراطيات العريقة نفسها.

فمنذ أسابيع قليلة، وبعد رحيل السيناتور الأمريكي المخضرم ليندسي جراهام، فازت شقيقته دارلين جراهام بالانتخابات التمهيدية لخلافته في مقعده عن ولاية كارولاينا الجنوبية، وهي تتمتع بتقدم كبير على منافستها الديمقراطية يرجح فوزها في الانتخابات العامة المقبلة. وفي مناظرة انتخابية حاسمة، حين وجهت إليها أسئلة مباشرة عن موقف واشنطن الاستراتيجي تجاه تايوان والصين وبحر الصين الجنوبي، وهي بالمناسبة القضايا المحورية التي بنى عليها شقيقها الراحل سمعته كصقر دفاعي بارز، لم تجد ما تقوله سوى: "لست سياسية محنكة، والأمن القومي ليس مجالي، ليس تخصصي، لكنني أدعم الجيش". اعتراف صريح بالجهل التام بجوهر المقعد ذاته الذي ورثته، وهو ما تصدر عناوين الصحف الأمريكية فور صدوره.

وليست الولايات المتحدة وحدها التي شهدت مثل هذه المفارقات، فبريطانيا أيضا قدمت نموذجا لا يقل دلالة. فحين كان دومينيك راب وزيرا لشئون خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهو المنصب الذي كان يفترض أن يجعله أكثر المسئولين إلماما بتفاصيل التجارة والجغرافيا البريطانية، صرح في مؤتمر لرجال الأعمال عام 2018 بصراحة مذهلة أنه لم يكن يدرك حتى تلك اللحظة مدى اعتماد بلاده التجاري على معبر دوفر-كاليه، قائلا حرفيا إنه "لم يكن يدرك تماما هذا الأمر". أن يفاجأ وزير خروج بريطانيا من أوروبا بأهمية الممر البحري الرئيسي لبلاده أثار سخرية واسعة، وطرح تساؤلات جدية حول مدى إعداد من يتولون أخطر الملفات.

وإذا كانت أمثلة جراهام وراب تحمل جدية مقلقة لتعلقها بملفات دفاعية وتجارية حساسة، فإن المثال الأكثر إثارة للدهشة جاء من الكونجرس الأمريكي عام 2010، حين سأل النائب هانك جونسون، خلال جلسة استماع للجنة القوات المسلحة بمجلس النواب حول نقل آلاف من مشاة البحرية الأمريكية إلى جزيرة جوام في المحيط الهادئ، سؤالا جديا تماما، معبرا عن مخاوفه من أن تصبح الجزيرة مكتظة بالسكان إلى درجة أن "تنقلب وتغرق بأكملها". اضطر الأدميرال المستمع إليه إلى توضيح، بأدب بالغ، أن الجزر متصلة بقاع المحيط ولا تطفو على سطحه.

هذه الأمثلة، من عمّان إلى القاهرة وواشنطن ولندن، تطرح تساؤلا يستحق التوقف: هل النظم الانتخابية، على اختلافها وتنوع صورها من بلد إلى آخر، تفرز بالفعل أفضل العناصر وأكثرها كفاءة وإلماما بالملفات التي ستتولاها، أم أنها تكافئ في كثير من الأحيان القدرة على الحشد والخطابة والانتماء العائلي أو الحزبي، بصرف النظر عن مدى الإحاطة بجوهر المسئولية؟ سؤال مفتوح، لا أزعم أن لدي إجابة قاطعة عنه، لكن التجارب التي سقتها، من قاعة كونجرس في واشنطن إلى قاعة برلمانية في القاهرة، تدفع إلى طرحه بجدية لا بد منها.

 

مساعد وزير الخارجية الأسبق

عبدالرحيم شلبي السفير عبدالرحيم شلبي
التعليقات