أكتب هذه السطور لا بصفتي متخصصًا في الذكاء الاصطناعي أو علوم الحاسوب، وإنما بصفتي مستخدمًا يوميًا لهذه المنظومات. وبعد مئات الساعات من الحوار معها، اكتشفت أن الفارق بين مستخدم وآخر لا يعود دائمًا إلى قدرات المنظومة، وإنما إلى طريقة التعامل معها. ومن هنا جاءت فكرة هذا المقال.
كثيرون يقيسون كفاءة الذكاء الاصطناعي بما يقدمه من إجابات، بينما يغفلون أن جودة الإجابة تتوقف على ثلاثة عوامل متداخلة.
أولها اللغة التي يختارها المستخدم للتواصل مع المنظومة. فلكل لغة خصائصها وطرائقها في التعبير، ولكل منها مزاياها، ولا توجد لغة تتفوق تفوقًا مطلقًا في جميع المجالات.
وثانيها مدى ما تدربت عليه المنظومة من بيانات بهذه اللغة، من حيث الكم والجودة. ولهذا نجد نماذج تتفوق في الإنجليزية، وأخرى تحقق نتائج أفضل في الصينية، تبعًا لبيئة التدريب، وليس لأن لغة بعينها أفضل من غيرها.
أما العامل الثالث، وهو الأكثر أهمية بالنسبة إلى المستخدم العادي، فهو منهجية التعامل. فهذه المنظومات لا تقرأ ما يدور في أذهاننا، وإنما تستجيب لما نصوغه لها من تعليمات. ولذلك قد يستخدم شخصان المنظومة نفسها، في الوقت نفسه، فيحصل أحدهما على نتائج متميزة، بينما يخرج الآخر بانطباع أنها محدودة الفائدة. والفرق بينهما ليس في الآلة، بل في منهجية استخدامها.
ومن واقع التجربة، أرى أن هذه المنهجية تقوم على خمس قواعد بسيطة.
أولًا: حدد بدقة ما تريد الوصول إليه.
ثانيًا: قدم الخلفية أو السياق اللازم.
ثالثًا: قسم المهمة المعقدة إلى مراحل.
رابعًا: حدد شكل الإجابة المطلوبة.
خامسًا: اعتبر الإجابة الأولى بداية للحوار، لا نهايته، ثم واصل تحسين السؤال حتى تحصل على أفضل ما تستطيع المنظومة أن تقدمه.
ولا تتطلب هذه القواعد معرفة بالبرمجة، بقدر ما تتطلب وضوحًا في التفكير، وانضباطًا في التعبير.
ولا يعني ذلك أن هذه المنظومات بلغت درجة الكمال أو أصبحت بمنأى عن الخطأ. فقد كشفت بعض الوقائع المعروفة عن وجود ثغرات ونقاط ضعف في بعض أكثر النماذج تقدمًا، سواء في تصميمها أو في طريقة استخدامها. وهذا يؤكد أن جودة النتائج وأمن الاستخدام لا يعتمدان على قدرات المنظومة وحدها، بل أيضًا على جودة تصميمها، وكفاءة من يستخدمها، والضوابط التي تحكم تشغيلها.
ولعل هذا ما يفسر اتجاه الدول إلى وضع أطر قانونية تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي. فقد أقر الاتحاد الأوروبي تشريعًا يُعد من أوائل الأطر الشاملة في هذا المجال، يقوم على مبدأ تقييم المخاطر، والشفافية، والإشراف البشري، والمساءلة. وهي مبادئ تنطلق من حقيقة بسيطة مفادها أن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، يظل أداة ينبغي أن تبقى خاضعة لحكم الإنسان ومسئوليته، لا بديلًا عنه.
ومن هنا تبرز أهمية اللغة العربية. ولا أقصد المفاضلة بينها وبين غيرها، وإنما أرى أن العربية الفصحى، بوصفها القاسم المشترك بين العرب، تمنح المستخدم العربي أفضل فرصة للتعبير الدقيق عن أفكاره، وهو ما يساعد المنظومة على فهم المقصود بصورة أفضل. أما الاعتماد على اللهجات المحلية أو العبارات الملتبسة، فيؤدي غالبًا إلى نتائج أقل جودة.
غير أن هناك سؤالًا يطرح نفسه: هل سيظل التفوق الحالي لبعض اللغات أمرًا دائمًا؟
في تقديري، لا.
لقد علمنا تاريخ التكنولوجيا أن ما يبدو اليوم حكرًا على قلة من الدول، يصبح بعد سنوات متاحًا للعالم كله. فقد انتقلت البرمجيات، والإنترنت، والهواتف الذكية، من نطاق محدود إلى الاستخدام العالمي. كما أن الهند لم تكن من أوائل الدول في صناعة الحاسبات، لكنها أصبحت إحدى أهم القوى العالمية في البرمجيات والخدمات الرقمية، بفضل الاستثمار في الإنسان والتعليم.
ولعل الترجمة الآلية تقدم أوضح مثال على ذلك. فقد كانت نتائجها قبل سنوات قليلة محدودة وكثيرة الأخطاء، ثم شهدت تحسنًا ملحوظًا مع توافر بيانات أكبر، وتطور الخوارزميات، وزيادة القدرة الحاسوبية. وهذا يؤكد أن مستوى أداء أي منظومة لغوية ليس صفة ثابتة لأي لغة، وإنما هو ثمرة الاستثمار في البيانات، وجودة التدريب، والتطوير العلمي المستمر.
فإذا كان ذلك قد تحقق في الترجمة الآلية، فما الذي يمنع أن تحقق المنظومات اللغوية تقدمًا مماثلًا في العربية الفصحى إذا توافرت لها بيانات عالية الجودة، وتدريب منهجي، واستثمار علمي جاد؟
وربما تكون المنافسة الحقيقية في المستقبل ليست بين العربية والإنجليزية، وإنما بين التطور التلقائي الذي تفرضه كثرة الاستخدام، والاستثمار المنهجي في تطوير اللغة وبناء بياناتها. وإذا تحقق ذلك، فلا يوجد ما يمنع أن تضيق الفجوة الحالية، أو أن تظهر مناهج جديدة تغير كثيرًا مما نعده اليوم حقائق ثابتة.
ولهذا أرى أن انشغالنا بمن يحتل المركز الأول اليوم أقل أهمية من إعداد أنفسنا للمنافسة غدًا.
فالذكاء الاصطناعي، مهما تطورت قدراته، يظل أداة. أما الذي يحدد قيمة هذه الأداة، فهو الإنسان: قدرته على التفكير المنظم، وإتقان لغته، وحسن صياغة سؤاله، واستعداده للتعلم المستمر.
لذلك، إذا كان لي أن ألخص تجربتي الشخصية في جملة واحدة، فهي أن العبرة في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد في امتلاك أفضل منظومة، وإنما في أن يعرف الإنسان كيف يحصل منها على أفضل ما تستطيع أن تقدمه.
مساعد وزير الخارجية الأسبق