سويلم.. والنيل وفرش السجاد - عماد الدين حسين - بوابة الشروق
الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 7:16 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد وضع قواعد قانونية وبرتوكولية لجولات المسئولين الرسمية؟

سويلم.. والنيل وفرش السجاد

نشر فى : الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 - 6:15 م | آخر تحديث : الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 - 6:15 م

يستحق الدكتور هانى سويلم، وزير الرى والموارد المائية كل التحية والتقدير، لأنه تحدث بلغة واضحة وقوية لمخاطبة المسئولين الإثيوبيين، الذين ثبت بالدليل القاطع طوال ١٥ عامًا أنهم لا يفهمون إلا لغة القوة، ولا يعرفون معنى حسن النوايا أو حقوق الجيرة.

يوم الأحد الماضى التقى سويلم، وهو خبير وعالم جليل، ممثلى وسائل الإعلام الأجنبية، وتحدث عن التصريحات الإثيوبية الأخيرة والخطيرة، التى تتعامل مع النيل الأزرق وكأنه بحيرة إثيوبية مغلقة، وليس نهرًا دوليًا يخص كل الدول التى يمر بها أو يصب فيها.

جربنا مع الإثيوبيين كل قواعد الذوق والأدب والجيرة والصداقة و«العيش والملح»، لكنهم تصرفوا على الطريقة الإسرائيلية، وفسروا السلوك المصرى باعتباره علامة ضعف ما أغراهم بالتمادى.

سويلم قال إن السياسيين الإثيوبيين بحاجة إلى التثقف، وعليهم التمييز بين فرش سجاد فى منازلهم، وهم أحرار فى ذلك، وبين بناء سد على نهر دولى! واعتبر فكرة «الحق السيادى» فى بناء ما يشاءون من سدود، وكأنهم: «يدعون إلى ديانة جديدة!».

لكن ما الذى دفع الدكتور هانى سويلم إلى استخدام هذه اللغة الخشنة؟

السبب ببساطة أن إثيوبيا - وبعد أن استكملت بناء وملء وتشغيل سد الخراب المسمى بالنهضة بصورة منفردة، ورفضت كل العروض والدعوات المصرية للوصول إلى اتفاق قانونى وملزم- أعلنت بناء ثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق، بحيث تتحول عمليًا إلى سلسلة من «المحابس» يتم استخدامها لاستغلال وابتزاز وتعطيش مصر، ليس فقط من إثيوبيا لكن من دول أخرى إقليمية ودولية صارت معروفة للجميع.

فهم سر قوة تصريحات سويلم يوم الأحد الماضى لها أسباب كثيرة، منها أن التصريحات الاستفزازية الإثيوبية صارت تتكرر فى الفترات الأخيرة، وأخطرها مزاعم جيتاشيو ريدا مستشار رئيس الوزراء الإثيوبى آبى أحمد للشئون الإفريقية يوم، السبت الماضى، بأن المصريين جيدون جدًا فى خلق واقع مصطنع، والقاهرة تتعامل مع النيل، وكأنه ملك مصرى حصرى، وإصرارها على امتلاك حصة حصرية من النيل خيال عفا عليه الزمن».

ريدا كان أحد قادة قومية التيجراى التى تمردت على حكومة آبى أحمد، وخاضت معها قبل ٥ سنوات حربًا دامية، لكنه انتقل الآن إلى التحالف مع آبى أحمد ضد اهله.

اما وزير المياة والطاقة الإثيوبى حباتو إيتفا فقد تحدث أكثر من مرة مؤخرًا عن حق إثيوبيا السيادى فى تطوير النيل الأزرق وبناء سدود إضافية متى رأت أديس أبابا ذلك ضروريًا.

إضافة إلى تصريحات أخرى تقول إن من حق إثيوبيا التحكم فى تدفقات المياة المتجهة إلى السودان ومصر.

كل ما سبق يقول بوضوح إننا بصدد محاولة إثيوبية صريحة للسيطرة الأحادية على نهر دولى عابر للحدود.

سويلم كان مباشرًا حينما خاطب الإثيوبيين، وقال لهم: عليكم أن تسألوا حكومتكم هل أوصلت إليكم كهرباء السد، أما أنها توجهها لصناعة البيتكوين؟!

الإثيوبيون يتهمون مصر بمحاولة الهيمنة على كل النيل، لكنهم لا يدركون أن إجمالى الأمطار التى تسقط على دول حوض النيل تزيد على ٢٠٠٠ مليار متر مكعب منها أكثر من 935 مليار لإثيوبيا بمفردها، فى حين لا تحصل مصر إلا على ٥٥٫٥ مليار متر والسودان على ١٨ مليار متر.

كل التقدير للشعب الإثيوبى لكن العديد منهم لا يدركون أن مياه النيل تمثل لمصر ٩٨٪ من المياه المتجددة، والاحتياج الفعلى لنا يصل إلى ١٢٣ مليار متر مكعب، ونتيجة لذلك فإن نصيب الفرد المصرى انخفض إلى نحو ٤٧٢ مترًا مكعبًا سنويًا، وهو أقل من خط الندرة المطلقة، البالغ ٥٠٠ متر مكعب للفرد سنويًا.

بعد كل ذلك فإن إثيوبيا ومن يدعمها تحاول السطو على جزء من هذه الحصة أو مساومة مصر على بيع المياه لها أو ابتزازها بتزويد إسرائيل بالمياه أو غض الطرف عن تهجير الفلسطينيين من غزة.

إثيوبيا تسعى منذ عام ٢٠١١ إلى خلق وقائع وقواعد جديدة لا علاقة لها بالقواعد والقوانين الدولية.

لكن أهم ما قاله سويلم، أمس الأول، وكرره ويكرره الدكتور بدر عبدالعاطى، وزير الخارجية، أن مصر لن تسمح بتكرار الظروف التى صاحبت أزمة السد، وتحتفظ لنفسها بكل الحقوق والإجراءات التى يتيحها لها القانون الدولى للدفاع عن أمنها المائى.

سويلم وغالبية المسئولين المصريين صاروا يقولون كلامًا قويًا عن مياه النيل فى الشهور الأخيرة، وهو تطور مهم، لكن للأسف ليس كافيًا.

وبالتالى فمن المهم جدًا أن تصل الرسالة واضحة وجادة ورادعة لحكومة إثيوبيا، بأنها إذا شرعت فى بناء سدود جديدة، فسوف تدفع ثمنًا غاليًا.

هذه هى اللغة الوحيدة التى يفهمها المسئولون الإثيوبيون.

 

عماد الدين حسين  كاتب صحفي