زمن الكشك المثالى - سيد محمود - بوابة الشروق
الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 7:17 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد وضع قواعد قانونية وبرتوكولية لجولات المسئولين الرسمية؟

زمن الكشك المثالى

نشر فى : الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 - 6:15 م | آخر تحديث : الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 - 6:15 م

أنا من الجيل الذى عايش نفوذ ما كان يُسمى بـ«البلدية»، وهم أفراد كانوا يتبعون الإدارة المحلية، ومهمتهم الوحيدة تعقب المخالفات فى الطريق العام، لتبقى أرصفة وسط المدينة خالية من الإشغالات.

كما عشت الزمن الذى رأيت فيه جيوش الباعة الجائلين، وهم يحتلون أرصفة شوارع وسط البلد، ويستأجرون شققها الواسعة لتصبح مأوى لهم، ولبضاعتهم.

وما زلت أذكر بالخير حماسى الكبير للمهندس إبراهيم محلب، رئيس الوزراء السابق، حين قاد بنفسه حملات تحرير وسط البلد من نفوذ هؤلاء الباعة، لكى تعود المدينة بهية، ناصعة، لكن تلك الحملات انتهت إلى اللا شىء، ورجعت ريمة لعادتها القديمة.

قاوم الباعة الانتقال إلى سوق الترجمان وفشلت محاولات تحرير القاهرة من غزاتها الذين وفدوا من خارجها أو هامشها الاجتماعى، واستوطنوها و«ضبطوا أمورهم».

على مدى سنوات تقبل الجميع هذا التعبير واستسلم الناس له، رغم أنهم لم يعودوا قادرين على العبور الآمن فى بعض المناطق، ومنها مثلًا «وكالة البلح» التى كانت فى الماضى وجهة للبسطاء، لكن مع تأزم الأوضاع الاقتصادية صارت وجهة لفئات كثيرة طحنتها الأزمة. 

ويبدو لى أن الترويج لمبدأ «الوكالة هى الحل» جعل الحكومة بكل هيئاتها تغض الطرف عن إشغالات الطريق الذى يمرر بالكاد سيارة واحدة، وأصبح من يعبره أحمق أو مجنون.

ورغم تلك المشاهد المؤلمة؛ فإن الحديث عن صورة جديدة تعمل محافظة القاهرة على ابتكارها حمل معه وعودًا بالأمل، بتخلص المدينة من أعبائها الثقيلة، لكن شيئًا من ذلك لم يحدث، على الرغم من توافر حسن النوايا ووجود نشاط واضح فى إعادة طلاء الواجهات، لكنها صيغة قديمة وبائسة تمامًا تشبه «إخفاء الغبار تحت طرف السجادة».

المراقب لأحوال وسط البلد لن يفوته أبدًا الشعور بتواصل عمليات تشويه المدينة وإهانتها، وللأسف هى مهمة تتولاها حاليًا بعض الجهات التنفيذية التى تضرب عرض الحائط بقوانين العمران، وكافة ما يقال عن حاجة القاهرة لاسترداد هويتها البصرية، كما يتواصل فقدان بعض معالم المدينة تحت ضغوط الاستهلاك استجابة لشهوة رأس المال، وفى هذه الحالة يصبح تاريخ القاهرة عبئًا وليس ميزة تنافسية. 

وأحدث عمليات التشويه التى تابعتها هذا الأسبوع تتمثل فى الفكرة التى نفذها محافظ القاهرة بإقامة نموذج موحد للأكشاك التى يرغب فى تعميمها، وهى فكرة نبيلة موجودة فى بلدان كثيرة بغرض التنظيم وعدم الإخلال بالهوية البصرية لكنها تكشف عندنا عن شهوة أخرى فى جمع الأموال من أصحاب الأكشاك، وهم فى الأصل فئات تحصل على تلك المساحات استنادًا إلى مبررات غير معلنة، لكنها تقوم على مبدأ «تظبيط الأمور» الذى نعرفه جميعًا. وبالتالى المكسب مضمون والدفع مضمون.

وبغض النظر عن تحفظ البعض على تعميم النموذج الواحد فإن السؤال الذى يشغلنى ويشغل غيرى هل تملك المحافظة قدرة على إنتاج نماذج لأكشاك تغطى كافة أحياء القاهرة التى تعد المحافظة الأكبر فى مصر؟! وكم هى المدة التى تحتاجها أكشاك القاهرة لترتدى زيها الموحد؟! وهل لدينا فريق من الموظفين لمراقبة تنفيذ القرار الجديد؟!

أحسب أن المحافظ بدلًا من أن يلجأ لهذه الحيلة، كان عليه أولًا أن يؤدى مسئولياته فى استرداد الجمال المفتقد الذى كانت القاهرة تنعم به فى السابق وذلك بإزالة الأكشاك المخالفة التى تبيع اللحوم والمواد التموينية وتحتل مساحات من الفضاء العام فى أكثر مناطق القاهرة حيوية دون مراعاة الحد الأدنى من الشروط الجمالية، لكنه اختار للأسف مبدأ الجباية بدلًا من الرعاية، واحتفل بإقامة كشك باب اللوق الذى أخفى واجهة مقهى له تاريخ ثقافى معروف، وهو مقهى سوق الحميدية، وكان اسمه علامة على زمن الوحدة، كما كان هو نفسه موضعًا لجلسة أدباء كبار، منهم الراحلون الكبار: فؤاد دوارة وفاروق عبدالقادر، وجمال الغيطانى وبهاء طاهر.

كان الأولى الاهتمام بواجهة المقهى مع وضع لافتات وصور فوتوغرافية تشير إلى قيمته فى ذاكرة القاهرة، ليصبح وجهة سياحية بدلًا من إغلاقه وسد منافذه بالكشك الذى جرى الترويج له دون إدراك للطابع الحضرى للمدينة وأيقوناتها.

إن مسئولية المحافظ هى أن يحافظ على الجمال بدلًا من تبديده وأن ينمى هذه الذاكرة، ويعمق وجودها كوسيلة جذب وترويج. وأمنيتى أن يجد سيادته وقتًا للاطلاع على كتاب «تأملات فى تاريخ مصر» للكاتب العظيم يحيى حقى، الذى كان من جلساء المقهى الذى أغلق؛ على الأقل، ليعرف سيادته معنى «باب اللوق»، ويكتشف أن «اللوق» هو «الطين الرائب» اللين، والمقصود بكلمة «تلوق» هى أن الجسد كله أصبح رخوًا، فاختل نظامه.

ويبدو أن الجملة الأخيرة التى كتبها حقى، وهو مؤرخ الوجدان عن جدارة، كانت نبوءة بالمصير الذى آل إليه الميدان فى زمن الكشك النموذجى وإذا كان المحافظ مصرًا على نصب الكشك فإن هناك متسعًا له على نفس الرصيف وبالتحديد.