حسام علوان.. حياة تشبه الأفلام - سيد محمود - بوابة الشروق
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 7:44 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اقتصار الدراسة بالمدارس على الفترة الصباحية؟ -

حسام علوان.. حياة تشبه الأفلام

نشر فى : الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 6:30 م | آخر تحديث : الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 6:30 م

اندهش بعض متابعى مواقع التواصل الاجتماعى من حملات الوداع التى رافقت انتقال الصديق حسام علوان إلى رحمة الله، وأبدى كثيرون منهم الأسف لأن الأيام لم تمنحهم فرصة اكتشافه أو التعرف عليه، وكان أسف الذين عرفوه أكبر من قدرتهم على تحمل فقده أو غيابه؛ فقد عاش حياته بالطول والعرض، وبالخفة التى يحتاجها فنان تجسد فى صورة طائر، يرى فى الاستقرار قيدًا يمنعه من اللقاء مع فسحة الأمل.

أعلن حسام نبأ مرضه قبل عامين، ومن ثم كان انتقاله متوقعًا، إلا أن الموت يحتفظ بقدرته الدائمة على إدهاشنا.

تحمل الراحل أيامه الأخيرة بشجاعة نادرة، حتى إنه توقف عن العلاج، إذ لم يكن فى استطاعته تجاوز الألم، مدركًا أن النهاية قد اقتربت.

أعطى أوقاته الأخيرة لمن يحبهم، سخيًا كعادته فى الحكايات التى يفرغها أمامهم، كما يفعل السحرة والهواة. ثم أوقف نشر حكاياته على فيسبوك، وغابت عن الشاشة الزرقاء جملته الشهيرة: «مرة وأنا باتمشى لقيت فى السوق» وحط فى بيت أعده على عينه، واختار كل قطعة فيه كما يفعل أشهر فنانى العالم.

لم يكن حسام من الأثرياء ولا من أغنياء الحرب، لكنه كان شغوفًا بما يحب، يسير خلف ما يهوى، كما يفعل الصوفيون، سعيًا وراء نداء مجهول.

عرفته طوال أكثر من 35 عامًا، ولم يتوقف خلالها أبدًا عن إبهار من حوله بنهمه الدائم للحياة وسعيه للمغامرة، التى تجسد ميله إلى السيناريوهات المفتوحة، معتقدًا أن الأمور تحتمل أكثر من نهاية، وأنه بطل لفيلم إيطالى كتبته الحياة، ولقصة كتبها كاتب سرقه خوان مياس وأحاط نفسه بفانتازيا لا حدود لها.

جاء حسام إلى القاهرة أوائل التسعينيات وهو ابن قرية صغيرة قرب المحلة، حائرًا بين رغبته فى كتابة القصة القصيرة وحاجته لأن يرى تلك القصص مجسدة على الشاشة. كان يجلس معنا بالساعات على مقهى زهرة البستان، يجرب فينا قصصه، ويحكى عن ولعه بكُتاب لم نكن نعرفهم، وأفلام رآها وكتب مراجعات حولها فى مجلة «الكتابة الأخرى»، التى جعلها هشام قشطة مصنعًا لأفكار وطموحات الجيل.

نلتقى كثيرًا فى مقر مكتب جريدة الحياة اللندنية بجاردن سيتى، لدى كاتب نبيل مثل إبراهيم أصلان، أحب قصص حسام وحكاياته، وظل راعيًا له.

تعامل أصلان معه كوافد حديث أتى إليه من البيئة نفسها التى جاء منها. كانا يتحدثان فى كل لقاء عن قرى طنطا والمحلة، كرفيقين قديمين التقيا فى قطار. وبطريقة تشبهه وحده، كان أصلان يقول لى قبل أن أسأل: «الواد دا أصله بلدياتى، وأنت عارف، شىء لله يا سيد».

فى تلك الأثناء، كان حسام لا يقصد إلا مكتب يوسف شاهين فى شارع شامبليون، وقد استمعت إليه عشرات المرات وهو يحكى عن أفلام كتبها خصيصًا ليخرجها يسرى نصر الله.

فى أوقات كثيرة، كنا نتشكك فى الحكايات التى نسمعها دون ملل، ونراه وهو يغير تفاصيلها لتأخذ شكلها الجديد، فيرد بابتسامة لم تفارقه، مدركًا ما تعنيه.

بعد أن نال جائزة الدولة للإبداع، سافر إلى الأكاديمية المصرية فى روما، وبقى هناك خلف خيط من النور لم نكن نراه.

بعدها، سمعنا عشرات الحكايات المتناقضة عن هجرته، وعن عمله بالسينما الإيطالية، وعن ذهابه إلى هولندا، ثم دراسته فى سان فرانسيسكو، وبقى غيابه الطويل لغزًا إلى أن عاد من جديد باهتمامات ومشاغل أخرى أضافها إلى رصيده السابق. فخلال العقد الأخير، سكن فى المقطم وأصبح مهووسًا بالاقتناء؛ يشترى عشرات الكتب القديمة ويبحث فيها ويقارن بينها، ويصل إلى دلالات لا ينتهى إليها أحد، حتى إنه أخرج كتابًا كاملًا معتمدًا على دليل عُمَد القاهرة، ونشر كتابًا تضمن حكايات عن المدن التى زارها، والخطابات التى اشتراها وفعل بها ما كان يفعله زوزبا قبل أن يصل إلى القرية الأخيرة.

فى مرات كثيرة، كنا نذهب معًا إلى معارض الفن والسجاد اليدوى النادر، ويأخذنى إلى ممرات لا أعرفها؛ لأنه على موعد مع أسطى استروجى أو عامل لرفة السجاد أو ترميم الحقائب. يحكى معهم كخبير حقيقى، ولا يتوقفون عن استشارته.

فى كل مرة يفتح أمامى أبوابًا لعوالم أجهلها ولا أعرف متى أنتمى إليها. وكانت أسعد لحظاته تلك التى نلتقى فيها على المقهى، ويأتى إليها مصطحبًا لوحة اشتراها ليرممها، ثم يعاود بيعها من جديد لمن يثقون فى ذوقه الرفيع.

اتسعت دوائره واهتماماته، لكنها لم تأخذه أبدًا بعيدًا عن السينما التى ظلت عشقه الأول، فلم يتوقف عن التدريس أو التخطيط لمشروعات والعمل مع شركاء آخرين على إنتاج أفلام ذات جودة عالية، مثل «حار صيفًا»، و«زهرة الصبار»، و«على معزة وإبراهيم»، و«ستموت فى العشرين». وكلها لم تكن من تأليفه، لكنها قدمت له التعويض الذى كان يرغب فيه؛ واستجابت لشرط الحرية، وكان شرطه الوحيد ومعياره الذى لم يتنازل عنه، حتى فى أصعب اللحظات التى هيأ نفسه فيها لرحلة لن تحتاج إلى «حقيبة سفر».