تواصل مدينة أصيلة المغربية استقبال عشاقها فى المهرجان السنوى الذى تقيمه مؤسسة ومنتدى أصيلة منذ 47 عامًا، كما تواصل مواجهة التحديات التى تجعلها استثنائية فى كل شىء.
يعود عشاقها ورواد مهرجانها إلى شوارعها كأنما هى عودة إلى عائلة أو إلى قصة حب نسجت خيوطها على مهل، وتراهم يمشون فى شوارعها بثقة العارف، دون وجل أو اضطراب؛ فقد منحتهم وداعة الطمأنينة، وأعطتهم السر الذى مكنهم من تخطى حواجز اللغة وصياغة لغة مشتركة هى لغة أصيلة.
يشكل الصمت أبجدية لهذه المدينة، ويبدو البياض أفقًا للنظر فى أسباب ازدهارها، فمن بين كل المدن العربية المعاقبة بالإهمال تبدو أصيلة فتية بقدرتها على التجدد والدفاع عن إرثها الجمالى الذى صنعته كطفلة تتعلم الكلام على مهل تحت رعاية الأب الذى غير مصيرها وصنع مستقبلها.
يعرف الجميع أن الدكتور محمد بن عيسى كان هو هذا الأب الذى مد يده لمدينته التى ولد فيها، لكنه رعاها كابنة مدللة، وجعلها درة تاج مدن الشمال المغربى، وحين حانت لحظة المغادرة ترك لها ثروة بهية، ومجدًا لا يزول، وتركة لا تفنى.
وكأى أب يغيب، يتوقع الجميع أن تعانى العائلة من أثمان الانتقال إلى راعٍ جديد، لذلك مد محبو أصيلة أياديهم لمعاونة هذا الراعى الجديد، السيد حاتم البطيوى، الذى تسلم راية أستاذه ووالده الروحى، وتحمل مسئولية مواصلة السباق.
فى عهدها الجديد لا تزال المدينة تفرض إيقاعها، وفية لأحلامها، قادرة على أن تصهر اللغات المتعددة التى تملأ فضاءاتها فى بوتقة واحدة؛ فالكل هنا يمارس إيمانه بالجمال، ويهيئ روحه لمواجهة القبح وتفادى خسارة الاكتشاف، ففى كل درب وعد باستئناف العلاقة مع اللحظات الغامضة التى تخطف القلب وتمنح الأمل فى استعادة الجمال المفقود، فلا مجال هنا للغفلة.
وبينما تواجه كل المدن العربية المثقلة بالتاريخ مصير المدن المعاقبة بالقبح، فإن أصيلة لا تزال قادرة على حماية جمالها الذى اكتشفته على مهل، كما يليق بفتاة تخطو بجمالها من مرحلة إلى أخرى دون أن تفقد الثقة فى حضورها البهى.
إذا استعملنا لغة محمود درويش الذى وهبته المدينة حديقة تحمل اسمه، فإنه باستطاعتنا القول بأن أصيلة، التى يغادر مهرجانها أعوامه الأربعين، لا تزال «بكامل مشمشها»، بسيطة مثل كلمة حب، وواضحة كصفحة بيضاء أو جناحى نورس صغير.
يعلم حاتم البطيوى قبل الآخرين أن أمامه لائحة من التحديات، فليس سهلًا أن يحل إنسان محل شخصية فريدة مثل محمد بن عيسى، الذى امتلك مهارة استثنائية فى بناء العلاقات مع الجميع؛ يمد يده لمصافحة ملك أو أمير، وهى ذاتها اليد التى تمتد لشحاذ عابر، وفى الحالتين لا تغيب الابتسامة واللماحية التى كانت جسرًا يعبره إلى الجميع، فالرجل كان مدربًا على (نباهة الإحساس).
وفى العام الثانى لتوليه المسئولية، يبدو البطيوى، الذى قضى عمره محررًا سياسيًا فى أكبر صحيفة عربية فى لندن، واعيًا بالتحديات، يعرف بالضبط ما تريده المغرب من أصيلة التى تحولت طوال ما يقرب من نصف قرن إلى مطبخ لصناعة الأفكار الخلاقة، وصارت منتدى له سمعة عالمية لا يقل فى أهميته عن منتدى دافوس، لكنه يبدو أقرب إلى بيت خبرة، يجمع القادة والدبلوماسيين الذين أداروا ملفات ومهام صعبة، يقدمون خبراتهم ويستعرضون تجاربهم أمام جمهور عام، يمتلك تساؤلات بديهية باحثًا عن وصفة لمواجهة بؤس اللحظة الراهنة، وبالذات فى أفريقيا التى تئن من قسوة الفقر وتعانى فى انتظار الأمل.
وهذا العام كانت قضايا الطاقة فى بلدان القارة السمراء على رأس أولويات المنتدى، الذى بحث تحديات المياه ومشكلات التبادل الحر، دون أن تغيب القضايا الثقافية والفنية عن أجندة المنتدى الذى بدأ ثقافيًا وفنيًا، واكتسب هويته من هذه الصفة قبل أن يتحول إلى مصنع للدبلوماسية الثقافية، فما يجرى فى أصيلة يكسب مهرجانها هوية لا تقبل المنافسة.