لكثرة ما قرأت وكتبت حول شعر محمود درويش وسيرته، صرت أشعر بورطة من أن يطلب منى الحديث عن درويش فى ندوة أمام جمهور كبير يعرف عنه كل شىء، لكن الندوة التى دعتنى مكتبة ديوان للحديث فيها، بوصفى مؤلف كتاب (المتن المجهول.. محمود درويش فى مصر)، كانت مناسبة مهمة وجديرة بالانتباه لأكثر من سبب؛ الأول: أنها تستجيب لمبادرة أطلقها معهد العالم العربى ومركز جورج بومبيدو فى باريس لإحياء ذكر درويش فى حوالى 35 مدينة حول المتوسط.
أما السبب الثانى فهو مرتبط بأسماء المشاركين فيها، فللمرة الأولى يحكى الأسيران المحرران باسم خندقجى وناصر أبوسرور عما يمثله درويش فى الذاكرة الجمعية لأهل فلسطين، وكيف ساهم السجن فى خلق صورة أيقونية له ساعدت على تجاوز التحفظات التى راجت حول روابطه مع السلطة الفلسطينية.
كما تحدث عنه للمرة الأولى فى منتدى عام الإعلامى نبيل درويش، المدير السابق لمكتب إذاعة مونت كارلو الدولية فى القاهرة، وهو أحد أقرب أصدقاء الشاعر الراحل، وكان أحد المصادر التى لجأت لها فى كتابى لتدقيق بعض الوقائع. وبالمثل تحدثت السفيرة ليلى أحمد بهاء الدين للمرة الأولى عن السر وراء الرعاية التى قدمها الراحل أحمد بهاء الدين للشاعر الكبير، حتى إنه كان أول من طالب مصر باستضافة الشاعر قبل أن يتحقق ذلك بالفعل، استجابة لهذا الطلب.
وربما كانت المغنية الفلسطينية مريم شعث، مؤسسة فرقة (ما بين) الموسيقية، من بين مفاجآت الندوة المهمة والتى أدارت جلستيها المهمتين بكفاءة لافتة الكاتبة داليا شمس والإعلامية هند أكرم.
أتصور أن أجمل ما فى الندوة تمثل فى طابعها الحميم الذى كشف كثيرًا من المساحات الإنسانية التى تجهلها الغالبية، كتلك التى قاربتها الدكتورة ليلى بهاء الدين؛ فهى لم تتحدث عن الشاعر إلا بعيون الطفلة التى كان وقتها يتردد على بيت العائلة فى شارع هارون بالدقى، ويذهب معهم إلى كابينة فى سيدى بشر بالإسكندرية، وكيف كان يستقبلها فى باريس خلال عملها الدبلوماسى كابنة لصديقه الذى كان بمثابة أب تولى رعاية خطواته الأولى، ولذلك كان درويش فى مقدمة من شاركوا فى تأسيس جمعية أصدقاء أحمد بهاء الدين، وكتب مقالًا جميلًا ضمه الكتاب التذكارى الصادر حول صاحب كتاب (أيام لها تاريخ).
لم يحول المشاركون فى الندوة محمود درويش إلى صنم أو أيقونة مقدسة خارج النقد أو المساءلة، بل تطرقوا بشجاعة إلى صلته العميقة بياسر عرفات وتناقضات علاقته مع منظمة التحرير الفلسطينية، وكيف اختلف موقفه بعد أن رفض اتفاقية أوسلو واسترد جانبًا من صورته كشاعر بعيدًا عن السلطة، فقد كان واعيًا بعنف الممارسات الإسرائيلية التى لم تتوقف إلى الآن، وحكى باسم خندقجى بشجاعة عن الكيفية التى نظر بها لدرويش وشعره من موقع الضد قبل أن تسهم السجون الإسرائيلية فى تغيير ذلك الموقف، بعد أن وجد فى شعره الكثير الذى يمثله شخصيًا ويمثل صوته الخاص من داخل السجن، لدرجة أن باسم توقف عن كتابة الشعر، لأنه وجد صعوبة فى تجاوز النص الدرويشى. كذلك حكى ناصر أبوسرور عن الانتقادات التى كان يوجهها إلى محمود درويش ومواقفه السياسية فى العلاقة مع عرفات، وهى علاقة كان أبوسرور ينتقدها من موقف راديكالى، لكن السجن سمح له فيما بعد، بتكوين رؤية أكثر موضوعية، بل إنه صار يراسل حبيبته من داخل السجن بنصوص من شعر درويش، ما جعله مدينًا لهذا الشاعر على نحو ما، وصار أكثر تقبلًا لصوته كمعبر عن الذاكرة الفلسطينية. أما صاحبة فرقة (ما بين) فقدمت شهادة ثرية كشفت عن وعيها الحاد بمأزق الهوية؛ فهى مولودة لأب فلسطينى ولأم مصرية، ولم تكن العربية لغة حديثها، لكن محمود درويش ساعدها على تذوق لغتها وإدراك ما فيها من جمال، كما شجعها شعره فى تلمس هويتها الفلسطينية أكثر، لذلك حين عايشت مأساة الإبادة التى ترتكب فى غزة أصبحت ترى كل شىء مما أسمته (عدسة فلسطين)، وهى التى أصبحت تمثل من وجهة نظرها المعيار الذى يحسم كل شىء.
ومن جهته، قدم الإعلامى نبيل درويش معلومات على قدر كبير من الأهمية تخص تطور مراحل الصداقة مع الشاعر الراحل منذ أن التقاه فى مؤتمر الشبيبة فى صوفيا عام 1968، ونفى مجددًا ما شاع حينذاك عن اصطفاف درويش تحت العلم الإسرائيلى بحكم عضويته فى الحزب الشيوعى الإسرائيلى (راكاح)، وأكد أن درويش حاول التواصل مع الوفود العربية المشاركة، ووجد صدى من الوفد السورى، على عكس الترحيب الذى وجده من المصريين.
روى نبيل درويش واقعة مهمة تخص لقاء جمع فى عام 1994 بين محمود درويش والرئيس السورى الراحل حافظ الأسد، بعد أن أحيا درويش أمسية فى دمشق بعد انقطاع، لكن الأسد أراد خلال اللقاء أن يعمق من أسباب الخلاف بين شاعر فلسطين والزعيم ياسر عرفات، بسبب رفض الشاعر لاتفاقية أوسلو، وتوقع الأسد أن يشاركه درويش الهجوم على أبو عمار، لكن بعد لقاء استمر لأكثر من 3 ساعات، غادر محمود درويش القصر، ثم توجه بالطائرة فورًا إلى تونس، والتقى هناك ياسر عرفات وتصالح معه خلافًا لتوقعات الأسد الذى حاول إغراء الشاعر بالبقاء فى دمشق تحت رعاية السيد الرئيس.