التجربة المغربية وحديث الأشجار - سيد محمود - بوابة الشروق
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 7:18 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اعتراض نادي الزمالك على التحكيم في القمة الـ133 ؟

التجربة المغربية وحديث الأشجار

نشر فى : الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 6:10 م | آخر تحديث : الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 6:10 م

توجهت إلى المغرب فى زيارة عمل قصيرة بعد أيام قليلة من توجيهات السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى بتنفيذ مشروع «تخضير القاهرة» وزيادة المساحات الخضراء والتشجير فى شوارع ومناطق العاصمة والمحافظات.

قبلها تابعت باهتمام كبير جهود رئيس الحكومة الدكتور مصطفى مدبولى لتنفيذ توجيهات الرئيس، ثم قرأت مناشدة وجهها الكاتب الكبير محمد سلماوى من خلال صفحته على مواقع التواصل الاجتماعى أصابتنى بالغم، فالكاتب الكبير يدعو لحماية كورنيش المعادى بعد أن ظهرت لافتات عند مدخل الكورنيش تشير إلى تعرضه لعملية اغتصاب محتمل لإقامة فرع جديد لأحد معارض السيارات هناك.

فى كل الأحوال، دفعنى ما نشره الأستاذ سلماوى للتوسع فى قراءة ما قامت به المغرب للحفاظ على الهوية البصرية لمدنها الرئيسية التى لا تزال محافظة على تراثها المعمارى وتعمل على ترميمه وتطويره دون أن تخسر حقها فى التحديث أو التطوير، ولذلك أدعو جادًا لدراسة تلك التجربة والاستفادة منها.

تتنافس المدن الرئيسية هناك لزيادة الرقعة الخضراء والتوسع فى سياسات التشجير، ووفقًا لمعلومات نشرتها صفحة (مغرب المشاريع)، فإن مساحة المساحات الخضراء المخصصة لكل فرد على النحو التالى: الرباط 36.2 م²/فرد ← أكادير 10 م²/فرد ← مراكش 7.10 م²/فرد ← مكناس أقل من 1 م²/فرد.

وتبرز هذه الأرقام تفاوتًا كبيرًا بين المدن المغربية من حيث نصيب الفرد من المساحات الخضراء

وحسب المجلس الاقتصادى والاجتماعى والبيئى، فإن المرجع المغربى يحدد للمساحات الخضراء الحضرية ثلاثة مستويات: 10 م²/فرد كحد أدنى، و15 م² كحد متوسط، و25 م² كحد أمثل.

وفى المقابل، فإن المساحة الخضراء المخصصة لكل مواطن مصرى فى أحسن الأحوال لا تزيد على 1.2 متر مربع، ويعكس هذا المعدل وفقًا لخبراء الحاجة إلى زيادة معدلات التشجير والتوسع فى إنشاء المساحات الخضراء داخل المدن.

بفضل تكرار زياراتى للمغرب خلال السنوات الأخيرة، أدركت حجم الانشغال هناك بما يسمى بـ(الفضاء العام)، أملًا فى الحفاظ على المساحة المخصصة للناس وزيادتها؛ حيث تملك المغرب سواحل بامتداد رقعتها الجغرافية على البحر المتوسط والمحيط الأطلسى.

وعلى الرغم من نمو الفرص السياحية المتاحة هناك، فإن الاستثمارات، سواء كانت من المغرب أو من خارجه، لا تزال واعية بحدود المساحة العامة، ويندر أن يُعتدى عليها، فلا تزال الدولة حريصة على حق المواطن فى الاستمتاع بالشواطئ والحدائق العامة بالمجان فى أغلب المناطق.

وأمام هذه السياسات التى تراعى أيضًا الحق فى الجمال، يبدو المواطن المغربى حريصًا كل الحرص على حماية المنشآت العامة ونظافتها، بحيث أصبح من النادر جدًا العثور على ورقة ملقاة فى عرض الطريق أو صندوق قمامة ملقى بإهمال، فقد أدرك المواطن بحساسية مذهلة قيمة الحقوق التى يحظى بها، ومن ثم حافظ على ما تحقق وشعر بقيمة وطعم الاستقرار.

لم يتوقف سيرى طوال أيام فى الممشى السياحى الملاصق لكورنيش الرباط، وأفرطت كثيرًا فى تأمل الطريقة التى يجرى من خلالها تنظيم الأنشطة التجارية والخدمية المتاحة فيه، وكيف تحولت إلى واجهة حضرية حديثة لم تغيّر من ملامح المكان، بل زادته جمالًا وجعلت نهر أبى رقراق الشهير شاهدًا على طفرة نهضوية تشهدها المدينة دون أن تفقد بهاءها القديم.

كل  من يتأمل التصاميم المعمارية للمطارات والمبانى التى تشرع المغرب فى تنفيذها استعدادًا لاستقبال مونديال 2030 بعد أن فازت بتنظيمه، فإنه يلاحظ، قبل أى شىء، صلة تلك التصاميم بالتراث المعمارى للبلاد، فلا مجال لانتهاك تلك الهوية أو التعدى عليها.

وربما لهذا السبب، تمثل المغرب واحدة من أكثر الوجهات السياحية جذبًا فى العالم، سواء للسائحين العرب أو الأجانب، فهى بلد يحظى بتنوع ثقافى وإثنوغرافى مذهل، ويكتسب عافيته من القدرة الهائلة على الحفاظ على هذا التنوع والدفاع عن التعددية الثقافية. وأهم من كل ذلك أن المواطن المغربى يعى جيدًا أهمية السياحة كمصدر أساسى من مصادر الدخل القومى، فلا يتورط فى ارتكاب مخالفة من فرد يمكن أن تؤذى بلدًا بأكمله، فالدولة موجودة وحاضرة، واعية بأدوارها فى الحفاظ على التاريخ وصيانته من أجل المستقبل.