كم مرة تحدثت مع زميل لك واختلفت معه فقال لك: أنت لا تفهم المقصود من وراء هذه القصة؟! ثم بدأ يشرح لك خيوط المؤامرة التى تُحاك من أجل الوصول إلى أهداف غير معلنة؟ فى الواقع، يحدث هذا كثيرا وهناك من الأشخاص من يؤمنون بأن هناك دائمًا سببًا خفيًا ونية خفية وراء العديد من الأحداث، هذا ما يسمى بـ«نظرية المؤامرة».
نظرية المؤامرة ترتبط بحدث أو موقف ما يعتمد الأشخاص فى تفسيره على وجود مخطط سرى تقف خلفه جهات خفية مثل حكومات أو منظمات لتنفيذ أفعال غير قانونية أو مؤذية، وتتناقض عادة مع الفهم التاريخى أو الرسمى السائد للحقائق. ووفقًا للباحثين، تعتمد هذه النظريات على رؤية للكون تتلخص فى أن لا شىء يحدث بالصدفة، ولا شىء يكون كما يبدو عليه ظاهريًا، وأن كل الأشياء مرتبطة ببعضها البعض بطريقة خفية. أشهر أمثلة نظريات المؤامرة فكرة النظام العالمى الجديد الذى يعتقد البعض أن هناك نخبًا مالية تسيطر على البنوك المركزية وتوجه الحروب والأحداث العالمية. والادعاء بأن بعض الكوارث أو الهجمات مدبرة سرًا من قبل الحكومات لتحقيق مكاسب سياسية مثل أحداث سبتمبر ٢٠٠١، والتشكيك فى الروايات الرسمية لاغتيالات كبرى مثل اغتيال الرئيس الأمريكى جون كينيدى، بل وإنكار هبوط الإنسان على سطح القمر أو التشكيك فى حقائق جائحة كورونا، فلماذا يؤمن الناس بنظريات المؤامرة؟ عادة يحدث هذا لغياب المعلومات أو لأن المعلومات المتاحة لسبب أو آخر لا تشفى غليل الكثيرين، فتميل النفوس إلى تفسير الأحداث الكبرى من منطلق تآمرى.
• • •
ولنأخذ على سبيل المثال إنكار الهبوط على سطح القمر سنة ١٩٦٩. تزعم هذه النظرية أن وكالة ناسا الأمريكية قامت بتزوير هبوط مركبة أبولو ١١ على سطح القمر، وصورت المشاهد داخل استوديو بهوليوود، وذلك للفوز بالسباق الفضائى ضد الاتحاد السوفيتى. والتناقض هنا بين هذه النظرية والتفسير العلمى الموثق كبير. ففى حين يظن أصحاب التفكير المؤامراتى أن العلم الأمريكى كان يرفرف فوق القمر رغم عدم وجود غلاف جوى على القمر، تشير التقارير بأن العلم كان مزودا بقضيب أفقى علوى لتثبيته وأن الاهتزاز حدث نتيجة حركة رواد الفضاء أثناء غرسه، وبسبب عدم وجود هواء يقاوم الحركة، استمر الاهتزاز لفترة أطول. أما الدليل العلمى الحاسم فهو وجود أجهزة عاكسة لليزر تركها الرواد على سطح القمر وحتى اليوم، تقوم المراصد حول العالم (بما فيها جهات غير أمريكية) بإطلاق أشعة ليزر نحو تلك الأماكن وتستقبل الإشارة المرتدة لقياس المسافة بين الأرض والقمر بدقة فائقة.
إذن فالفرق الجوهرى بين المؤامرة كحدث تاريخى واقعى وبين "نظرية المؤامرة" كـنمط تفكير يعتمد على طبيعة الأدلة. يعتقد المؤمن به أن هناك قوى خفية تتسع لتفسير كل شىء بلا دليل، وأن غياب الدليل هو دليل إدانة فى حين أن المؤامرات التاريخية الحقيقية لها أهداف محددة ومحدودة النطاق، تنكشف سريعًا عبر تسريب وثائق، وتعتمد على أدلة مادية. وهناك بالفعل أمثلة تاريخية لمؤامرات حقيقية ثبتت بالوثائق مثل فضيحة ووترجيت وهى المخطط السرى الذى قاده الرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون للتجسس على الحزب المعارض وتغطية الجريمة. وكُشفت المؤامرة عبر الصحافة والتحقيقات الرسمية وأدت إلى استقالته. وكذلك مشروع برنامج سرى للغاية أدارته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية فى الخمسينيات والستينيات لإجراء تجارب غير قانونية على البشر للتحكم فى العقل باستخدام العقاقير والتعذيب النفسى وتم رفع السرية عن وثائقه لاحقًا واعتذرت الحكومة عنه. ومع أن الحقائق تظهر مباشرة أو لاحقًا، إلا أنها فى نهاية الأمر تفقد الكثيرين الثقة فيما/فيمن اعتبرتهم مثالًا للوضوح والعدل، فيصبح الجميع محطًا للشك وتبدو الأفعال وكأنها مدبرة لأغراض شريرة.
• • •
وفى الوقت الحالى، تُفسر نظريات المؤامرة أحداث الشغب الاحتجاجية فى باريس، خاصة عند ظهور العلم الفلسطينى بشكل مكثف، عن طريق التشكيك فى العفوية وتوجيه الاتهام لأطراف خفية، فيرى البعض أن القوى السياسية أو الدولة العميقة تسمح بتصاعد أعمال الشغب ورفع شعارات خارجية (مثل العلم الفلسطينى) بهدف صرف انتباه الشارع الفرنسى عن الأزمات الداخلية الحادة، مثل قوانين التقاعد، الأزمات الاقتصادية، أو التضخم. وهنا لا يعتبر ظهور الأعلام الفلسطينية تضامنًا عفويًا من الجاليات، بل هو دليل على تمويل وتوجيه من قوى خارجية تسعى لنقل الصراعات الشرق أوسطية إلى قلب أوروبا لزعزعة استقرار فرنسا وإضعاف موقفها الدولى. والهدف هنا هو وصم الفعل بـ«معاداة السامية» أو «التطرف»، ما يمنح السلطات الغطاء السياسى والأمنى لقمع الشغب وتبرير العنف أمام الرأى العام العالمى. رافق ظهور الأعلام الفلسطينية تداول شائعات ومقاطع فيديو مضللة على منصات التواصل الاجتماعى (مثل ادعاءات حرق العلم الفرنسى من قبل مسلمين أو رفع علم فلسطين فوق برج إيفل)، والتى تبين لاحقًا أنها قديمة أو ملفقة بالذكاء الاصطناعى وتهدف إلى تأجيج النقاش حول المهاجرين والأحداث فى فرنسا، فقد قامت وكالة الأنباء الفرنسية بعدة تحقيقات أثبتت فيها أن مجموعة من الفيديوهات الرائجة هى فيديوهات مضللة وبعيدة عن سياقها، وأثبتت أن اللقطات الشهيرة التى تُظهر حشودًا ضخمة تهتف لغزة فى باريس تعود فى الأصل إلى مظاهرات تضامنية قديمة فى مايو ٢٠٢٥، وتم دمجها مع أحداث الشغب الحالية لإعطاء انطباع مؤامراتى. باختصار، أظهرت التغطية الإعلامية فجوة واضحة بين الواقع الميدانى من احتجاجات نقابية وطلابية غاضبة تتداخل فيها بعض الرموز التضامنية وبين الفكر المؤامراتى على منصات التواصل التى استخدمت الذكاء الاصطناعى وفيديوهات قديمة لمحاولة إثبات أن باريس قد سقطت فى يد صراع خارجى.
• • •
ويمكن كذلك أن نطبق نظرية المؤامرة على حادثة رحلة فلاى دبى المتجهة من دبى إلى تل أبيب (والتى هبطت اضطراريًا فى تبوك بالسعودية فى ٣٠ سبتمبر الماضى) عبر قراءة الأحداث من خلال افتراض وجود مخطط خفى أو سيناريو مُدبّر يتجاوز الروايات الرسمية. وقد يكون أحد الأسباب هو تضارب الروايات بين الأطراف المعنية فى بداية الأمر. فيدّعى بعض المروجين لنظريات المؤامرة أن الهبوط الاضطرارى فى مطار تبوك السعودى وإشراك الأطراف الثلاثة (إماراتية، سعودية، إسرائيلية) ليس سوى حدث مدبر لتهيئة الرأى العام لخطوات سياسية أو أمنية معينة. ولكن التحقيقات الرسمية الصادرة عن النيابة الإماراتية أكدت أن ما حدث هو محاولة فردية لتنفيذ عمل إرهابى قام بها مساعد الطيار متأثرًا بأفكار متطرفة ومشابهة لأحداث سابقة، وليست مؤامرة دولية بين حكومات. ومع ذلك، فهناك بعض العذر لمن تساءلوا بشك عن حقيقة الأمر فقد شهدت الساعات الأولى من الحادثة تباينًا فى التوصيف الإعلامى والسياسى بين الطرفين، فالرواية الرسمية والإعلامية فى إسرائيل وصفت الحادث بأنه حدث أمنى خطير للغاية ومحاولة إسقاط واختطاف طائرة" وركزت البيانات الإسرائيلية على فكرة الهجوم الإرهابى المدبر، وتحدثت التقارير عن نية مساعد الطيار الاصطدام بالطائرة فى مطار بن جوريون أو ببرج سكنى فى تل أبيب فى هجوم يشبه أحداث 11 سبتمبر. كما روجت الروايات الإسرائيلية فى البداية لدور ركاب إسرائيليين فى السيطرة على المهاجم. أما فى الإمارات، فساد نوع من التحفظ والهدوء فى البداية؛ حيث وصفت شركة فلاى دبى الحدث بأنه مجرد "مشادة داخل قمرة القيادة، مؤكدة أن طاقم الطائرة تمكن من السيطرة على الموقف وتغيير المسار نحو السعودية. وكشفت التحليلات اللاحقة عن أن سلطات الطيران المدنى فى سلطنة عُمان كانت قد منعت مساعد الطيار سابقًا من الطيران داخل أجوائها، بسبب مخاوف تتعلق بأفكاره المتطرفة. وقد تمكن طاقم ضيافة إضافى كان مسافرًا على متن الرحلة (بمعاونة أفراد من الطاقم والركاب) من اقتحام القمرة والسيطرة على مساعد الطيار وتكبيله. وتولى طاقم بديل توجيه الطائرة والهبوط بها فى السعودية. ولكن الغريب هنا أن السباك الإسرائيلى "يانيف حايون"، أحد ركاب الطائرة، الذى يقال إنه أنقذ الطائرة حتى هبطت، لا يزال يُقدّم فى الإعلام الإسرائيلى كشخصية بطل، وسط اتهامات سياسية داخلية وخارجية لنتنياهو بأن القصة تم تضخيمها وتوظيفها لأغراض سياسية خاصة.
• • •
فى هاتين الحادثتين لطائرة فلاى دبى وأحداث الشغب فى باريس، نجد أن نظرية المؤامرة قد تأتى من الجانب العربى أو الغربى لتفسير ما حدث. فكما يمكن أن نعتبر قصة الطائرة ملفقة للتعاطف مع إسرائيل وتبرير بعض سياسات نتنياهو، يمكن أن تفسر بأنها استمرار للأعمال الإرهابية من مسلمين ضد مدنيين إسرائيليين. وكما يمكن أن ينظر للشغب الفرنسى على أنه نتيجة لوجود مهاجرين عرب مسلمين، يمكن أن نفسره على أنه خطة من أعداء العرب لزج اسم فلسطين فى عدم استقرار فرنسا. فليس هناك حدود يقف عندها الفكر المؤامراتى. والمثير للانتباه هو أنه تاريخيا كان هناك دائمًا اتهام من العديد من الغربيين للشعوب فى الدول العربية بالإفراط فى تبنى نظرية المؤامرة، مع أن فى العلوم السياسية والاجتماعية، لا يرتبط هذا التفكير بجينات أو ثقافة معينة. فيغفل الكثير من الغربيين عند توجيه هذا الاتهام أن منطقة الشرق الأوسط كانت مسرحًا لـ مؤامرات وتدخلات أجنبية حقيقية وموثقة تاريخيًا. هذا التاريخ جعل العقل الجمعى العربى يبنى خط دفاع تشكيكى تجاه أى أحداث كبرى. ومن أبرز هذه الأحداث: اتفاقية سايكس بيكو عام ١٩١٦ والتى كانت اتفاقًا سريًا حقيقيًا لتقسيم المنطقة، وعد بلفور سنة ١٩١٧، والذى صاغ واقعًا جديدًا سرًا وعلنًا. وحديثا غزو العراق سنة ٢٠٠٣بناءً على ذريعة "أسلحة الدمار الشامل" التى ثبت عدم وجودها لاحقا. ومع التسليم بأن هذه الأمثلة قد تكون كافية لزرع بذور الشك ضد الغرب، يجب أن ندرك أن التفكير المؤامراتى ليس حكرًا على العرب فقط! فالغرب يقع كثيرًا فى فخ التفكير المؤامراتى، على سبيل المثال، هناك ملايين الأمريكيين والأوروبيين يؤمنون بنظريات مثل الشبكة الأمريكية اليمينية المتطرفة كيو أنون (Qanon)، أو أن جائحة كورونا مؤامرة بيل جيتس، أو نظريات استبدال العرق الأبيض. الاختلاف الوحيد هو أن الفكر المؤامراتى فى الغرب غالبًا ما يتركز حول مخاوف داخلية من الحكومة أو النخب المحتكرة، بينما يتركز فى العالم العربى حول مخاوف من التدخلات الأجنبية الصارخة التى عانت منها المنطقة بالفعل. وفى كل الأحوال فهناك خطورة بالغة فى الوقوع فى فخ التفكير المؤامراتى، حيث يصبح كالنظارة السوداء التى يرى الإنسان العالم من خلالها كل شىء قاتمًا.
أستاذة اللغويات بالجامعة الأمريكية بالقاهرة والعميدة السابقة لكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية