الصداقة بين الجنسين.. هل هى مستحيلة؟ - زينب طه - بوابة الشروق
الأربعاء 29 أبريل 2026 1:46 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

الصداقة بين الجنسين.. هل هى مستحيلة؟

نشر فى : الثلاثاء 28 أبريل 2026 - 8:30 م | آخر تحديث : الثلاثاء 28 أبريل 2026 - 8:30 م

سؤال محير وخلافى! هل يقدَّم المتخصصون إجابة شافية؟!

أتذكر وأنا فى قمة البراءة وتلقائية الطفولة هذه الليلة الصيفية التى قال لى صديقى المقرب، والذى كان زميلا لى على مدى ست سنوات فى المدرسة الابتدائية، أن والدته طلبت منه ألا يرانى أو يلعب معى لأنه يجب أن يكون له أصدقاء من الأولاد وليس من البنات. كم كان هذا «القرار» صعبًا علينا، لكنه نفذ فورًا. حُرمت من أعز صديق لى دون أن أفهم السبب. ولكننى ومنذ وقت طويل مضى استرجعت هذه التجربة وحاولت أن أتصور موقف والدة هذا الصديق العزيز. بالطبع قد فكرت مليا فى ارتباط ابنها بى لمدة ست سنوات وربما اعتقدت أن استمرار هذه الصداقة خلال مرحلة المراهقة قد تتطور إلى حب عذرى ثم إلى رغبة فى الارتباط دون أن يكون لابنها فرصة حقيقية لنهل تجارب الحياة من صداقات أخرى. خافت الأم من هذه الصداقة التى كانت من المؤكد سترعاها وتتغنى بها لو كانت بين ابنها وصديق من جنسه.

تتداول القصص بيننا عن أهمية الصديق الذى يفهمك ويشاركك مآسى ومباهج الحياة؛ بل ربما تقاسمنا جانبا من حياتنا لم نتقاسمه مع أقرب صلات الرحم. نسمع عن هذه القصص عادة بين أصدقاء الجنس الواحد، ونادرا ما نسمع قصة مشابهة لصداقة استمرت على نفس النهج بين رجل وامرأة. ومع ندرة هذه الصداقة، فلا بد أن نعترف أنها، إن وجدت، فقد تضيف الكثير من النضج للطرفين، فأين يمكن أن نجد فرصة أفضل من الصداقة حتى نتعلم عن الآخر؟

• • •

ناقشت العديد من الدراسات هذا السؤال فى مجتمعات تختلف فى أسسها الدينية والثقافية. ويكثر الحديث دون الوصول إلى اتفاق. فهناك من يقول بأن الصداقة الوثيقة بين الجنسين ممكنة، ولكنها لابد وأن يكون لها ضوابط واضحة تحكمها. والنقيض موجود وبقوة يعبر عن استحالة وجود صداقة بالمفهوم المتعارف عليه بين رجل وامرأة لأنه دائما وأبدا سيكون هناك خطر تطور هذه الصداقة إلى أمور أخرى.

فمن المشاكل الشائعة فى بعض الزيجات أن يكون هناك اختلاف كبير بين رؤى الزوجين. ويُرجع علماء النفس أحيانا وجود هذه الفجوة إلى أن العديد من النساء يكبرن فى شبه عزلة عن الجنس الآخر. فربما كانوا زملاء بالجامعة، أو حتى فى مرحلة ما بالمدارس الابتدائية، ولكن السواد الأعظم يظل بعيدا عن الجنس الآخر. وبسبب هذا، يكبر الولد وتكبر الفتاة وهما لا يعرفان الجوانب العديدة التى يتميز بها كل منهما. ولأن الصداقة فى معناها العام هى معرفة وثيقة بالطرف الآخر ومشاركته الفكر، فإن الكثيرات من بناتنا يكبرن دون أن تتاح لهن الفرصة الحقيقية فى معرفة الجنس الآخر وبالتالى تتقلص الخبرة فى الحياة على الدائرة النسوية المحيطة بهن. ونفس الوضع يمكن أن يقال بالنسبة للرجال.

• • •

إذا حاولنا طرح هذا الموضوع من منظور دينى، وجدنا أن الدين ينظر إلى وجود الصداقة بالمعنى المتعارف عليه على أنها شبه مستحيلة بين الجنسين وذلك لأن الخلوة دون وجود ارتباط شرعى يعتبر حراما لأنها تضع الاثنين فى موضع يسهل فيه تطور مشاعر خاصة قد تفتح الباب للشهوات ومخاطرها. والمثير للاهتمام أنه فى الثقافات الغربية التى يتاح فيها الاختلاط الدائم بين الجنسين، وتعترف إلى حد كبير بأهمية هذه الصداقة من الناحية التثقيفية ونمو الشخصية، إلا أن هناك الكثير من الأدبيات التى تناقش التحديات التى تواجه الصديقان والتى تهدد فى غالب الأحيان إلى توتر العلاقة بينهما. والغريب هنا أن هذه المجتمعات تلخص أهم هذه التحديات فى احتمالية تطور مشاعر خاصة على الأقل من ناحية أحد الطرفين. وهناك العديد من المقالات التى تتناول تحديا أكبر عندما يكون أحد طرفى هذه الصداقة، أو كليهما، متزوجا. فالسؤال هنا هو: كيف سيتعامل الزوج أو الزوجة مع هذه الصداقة المقربة؟ يقول كتاب هذه المقالات أن الزوجة (أو الزوج) ستعتبر هذه الصديقة المقربة لزوجها بمثابة تهديد لوجودها ولزواجها، وإن لم تعتبرها تهديدا فعلى الأقل هناك احتمال كبير أن تعتبرها منافسا لها. وبالتالى تصبح الصداقة بين الجنسين مهددة بالانتهاء، أو تصبح حياة الشخص العائلية فى خطر.

• • •

التوازى الذى أراه بين الموقف المتحفظ للدين والموقف الغربى العلمانى هو أن الدين يعتمد فى رفضه للتقارب بين رجل وامرأة على أساس أن هناك انجذابا جنسيا طبيعيا بينهما وبالتالى يكون محظورا حتى لا يقع الاثنان فريسة لهذه الرغبات الطبيعية. وفى نفس الاتجاه فالمجتمعات الغربية إذ تشجع الصداقة بين الجنسين، تقر بأن التحديات كبيرة لأن هناك دائما احتمال تطور المشاعر الخاصة بحيث ينتهى الأمر إلى توتر فى العلاقة التى بدأت بداية مخلصة وبريئة.

وعودة إلى قصة الطفولة، أجد أن المحزن فيها هو أن ما فعلته الأم له وجاهته وما ظنته كان بالفعل ممكنًا أن يحدث. هل كان ممكنًا أن تسير الأمور بطريقة مختلفة وتستمر العلاقة بيننا كصديقين حتى مع وجود التحديات والمخاوف من استمرارها؟ هل كتب دائمًا على هذه الصداقة أن تكون دائمًا معرضة للانتهاء بشكل أو بآخر؟ بالطبع فأى صداقة معرضة للانتهاء، ولكن الإشكالية هنا هو أن اختلاف الجنسين يصبح هو العامل الأساسى الذى يولد هذا الشقاق المحتمل.

• • •

تقدم بعض المقالات الغربية حلولًا يمكن أن تساعد مثل هذه الصداقات على الاستمرار، فتؤكد على أهمية المصارحة التامة حتى لا يظن أحد الطرفين أن تطور مشاعر خاصة مقبولًا أو متوقعًا، وأن تكون هناك حدود واضحة لئلا يشكل وجود الصديق تهديدًا بأى شكل من الأشكال، بل أن تكون النصيحة أن يصبح هذا الصديق صديقًا للأسرة بأكملها وليس للزوج أو الزوجة فقط. إلا أن الشائع أنه من النادر أن تستمر الصداقة بين رجل وامرأة بنفس القرب والقوة الذى نجده بين أصدقاء الجنس الواحد.

زينب طه أستاذة اللغويات بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، والعميدة السابقة لكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية
التعليقات