المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية والسلام المفقود - رخا أحمد حسن - بوابة الشروق
الأربعاء 29 أبريل 2026 1:46 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية والسلام المفقود

نشر فى : الثلاثاء 28 أبريل 2026 - 8:35 م | آخر تحديث : الثلاثاء 28 أبريل 2026 - 8:35 م

إن المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل على مستوى السفراء وبرعاية وزير الخارجية الأمريكى ماركو روبيو، والتى أجريت فى واشنطن فى 14 أبريل 2026، لأول مرة منذ 1993، ثم فى 23 أبريل 2026 برعاية الرئيس ترامب نفسه، لقيت اهتمامًا سياسيًا وإعلاميًا كبيرًا ومبالغًا فيه بتصويره وكأنه إنجاز كبير واختراق سياسى للأزمات المعقدة بين لبنان وإسرائيل من ناحية وبينهما وحزب الله اللبنانى من ناحية أخرى. والحقيقة أن هذه المفاوضات لم تحظ بإجماع سياسى لبنانى، ولم يتوقع أطرافها أنفسهم إمكانية التوصل إلى حلول عملية وشاملة للقضايا المطروحة تفتح المجال لاتفاق سلام وإنهاء الصراع بين إسرائيل ولبنان.

وواضح أن من بين أهداف بدء واستمرار هذه المفاوضات المباشرة محاولة مبدئية لإبعاد شرط إيران بربط وحدة الجبهات فى التفاوض مع واشنطن بأن يكون إنهاء الحرب على كل من إيران ولبنان، كما يهدف إلى عدم الأخذ بمطلب حزب الله بأن تكون أى مفاوضات بين لبنان وإسرائيل غير مباشرة إلى أن تنسحب إسرائيل من كل الأراضى اللبنانية، وحرص الحكومة اللبنانية على إظهار استقلالية وسيادة قرارها بغض النظر عن موقف حزب الله ومؤيديه. كما تحرص واشنطن على إرضاء إسرائيل بإعطائها الحق فى أى مفاوضات أو أى اتفاق بأن يخضع لتفسيراتها وفق ما تراه من تهديد أو مجرد احتمال تهديد لأمنها لا يلزمها باحترام وقف إطلاق النار ولا يمنعها من اجتياح والبقاء فى جنوب لبنان.

• • •

قبلت إيران بما أعلنه الرئيس الأمريكى ترامب من أنه طلب من رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو الكف عن ضرب لبنان عسكريًا، وذلك حتى يمكن الاستمرار فى المفاوضات الأمريكية الإيرانية لوقف الحرب على إيران. وتدرك إيران أن لها ــ حتى الآن ــ تأثيرا على الشأن اللبنانى عن طريق حزب الله ومؤيديه خاصة من الشيعة وغيرها، وأنه رغم اعتبار الحكومة اللبنانية أن سفير إيران فى لبنان شخصًا غير مرغوب فيه ولم تقبل رسميًا أن يقدم أوراق اعتماده، وأنه يتعين عليه مغادرة لبنان، إلا أن حزب الله رفض ذلك ولم يغادر السفير واكتفت الخارجية اللبنانية باعتباره مجرد مواطن إيرانى مقيم بالأمر الواقع دون أن يكون له أية وظيفة دبلوماسية رسمية. ولم تنفذ إيران القرار اللبنانى بحظر نشاط الحرس الثورى الإيرانى فى لبنان الذى ما يزال يحتفظ بعلاقاته مع حزب الله ويمده بالسلاح والمشورة العسكرية فى مواجهته مع إسرائيل، حيث إن إيران ترى أنه، طالما استمرت حالة العداء بينها وبين إسرائيل وسعى الأخيرة الدائم للعدوان والأعمال التخريبية ضد إيران، فمن المهم لها أن يبقى حزب الله شوكة على حدود إسرائيل تؤرق أمنها، خاصة فى المنطقة الشمالية منها، وطالما لم تعترف إسرائيل بحق الشعب الفلسطينى فى إقامة دولته المستقلة والانسحاب الكامل من جنوب لبنان وضمان عدم تكرار الاعتداءات عليه.

أما حزب الله، فلا يثق فى إسرائيل، ولا فى الضمانات الأمريكية ولديه تجربتين واضحتين، قرار مجلس الأمن 1701 الصادر عام 2006 ومن أهم بنوده الانسحاب الكامل لقوات الاحتلال الإسرائيلية من جنوب لبنان مقابل انسحاب قوات حزب الله إلى شمال نهر الليطانى على بعد نحو 30 كيلومترًا من الحدود مع إسرائيل، وتسليم سلاح حزب الله للجيش اللبنانى عملًا بحصرية السلاح فى يد الدولة وتأمين الجيش لجميع الأراضى والحدود اللبنانية. ولم تلتزم إسرائيل بالقرار وبالتالى لم يتم نزع سلاح حزب الله. والتجربة الثانية فى اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل والحكومة اللبنانية فى 27 نوفمبر 2024، بضمان الولايات المتحدة، ويقضى بسحب قوات حزب الله إلى شمال نهر الليطانى ووضع خطة لنزع سلاحه. ومرة أخرى لم تلتزم إسرائيل لا بوقف إطلاق النار بل استمرت فى تدمير البنية الأساسية والمنازل ودفع أكثر من مليون مواطن لبنانى إلى النزوح نحو الشمال تاركين أعمالهم ومساكنهم، الأمر الذى أحدث حالة من الارتباك الشديد بعدم إمكانية توفير أماكن إقامة ومعيشة لكل هؤلاء، وزيادة الأزمات الاقتصادية والمالية التى يعانى منها لبنان منذ سنوات، وإثارة حالة من الاحتقان المكتوم بين النازحين من أتباع ومؤيدى حزب الله وغيرهم من الطوائف الأخرى التى تحمل الحزب مسئولية إدخال لبنان فى صراعات وأزمات مستمرة.

إن المعادلة الصعبة تتمثل فى أن حزب الله يربط مسألة تسليم سلاحه وتحوله إلى حزب سياسى بالانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من كل الأراضى اللبنانية، مع ضمانات قوية وموثوقة بعدم تكرار الاعتداءات الإسرائيلية. وتربط إسرائيل انسحابها من لبنان بنزع سلاح حزب الله أولًا وتحجيم علاقاته مع إيران. وأمام هذه المعادلة تدور أى مفاوضات وأى اتفاقات أو تفاهمات فى حلقات مفرغة، لأن حقيقة الأمر أن إسرائيل لا تريد الانسحاب كلية من جنوب لبنان وتريد إما إقامة مراكز عسكرية للسيطرة والمراقبة داخل الأراضى اللبنانية، أو ضم أجزاء من جنوب لبنان سواء فى إطار تنفيذ إقامة إسرائيل الكبرى، أو كما أعلن أحد وزراء حكومة نتنياهو الحالية، أنه من الأفضل أن تكون الحدود بين إسرائيل ولبنان عند نهر الليطانى. وأما حزب الله، فيريد الاحتفاظ بسلاحه بصفة دائمة تدعيمًا لمكانته وتأثيره داخل لبنان، وليكون درعًا لحماية حاضنته الشعبية فى الجنوب اللبنانى فى مواجهة الاعتداءات والأطماع الإسرائيلية اللامحدودة.

• • •

يواجه حزب الله العديد من الصعوبات الداخلية والإقليمية والدولية سواء بسبب ارتباطه القوى بإيران الذى تعتبره الأغلبية العظمى من دول الشرق الأوسط تمددًا للنفوذ الإيرانى وتدخلًا صريحًا فى شئون لبنان الداخلية وخلق ازدواجية للقوة العسكرية الفاعلة فى لبنان، وإيجاد عدم توازن بين الطوائف اللبنانية الأخرى من سنة ومسيحيين. كما أن إسرائيل والولايات المتحدة والدول الغربية ترى أن فى استمرار تسلح حزب الله خطرًا على إسرائيل وعلى استقرار لبنان، الأمر الذى أدى إلى أن تصنفه إسرائيل ومعظم الدول الأوروبية على أنه تنظيم إرهابى. ويمثل كل هذا تحديًا كبيرًا للحزب وللبنان.

أما الحكومة اللبنانية فهى فى موقع بالغ الصعوبة والتعقيد من عدة جوانب، فقد أصدرت قرارات وتعليمات رئاسية ووزارية بانتشار قوات الجيش اللبنانى على جميع الأراضى اللبنانية وضرورة إلزام إسرائيل بوقف تام لإطلاق النار وسحب قواتها من جميع الأراضى اللبنانية حتى تتمكن قوات الجيش اللبنانى من الانتشار والسيطرة وتأمين أراضى وحدود لبنان، ولكن دون أى استجابة من جانب إسرائيل بل واستمرارها فى التدمير الشامل للمساكن والبنية الأساسية لمنع سكان جنوب لبنان من العودة إلى منازلهم وأعمالهم، الأمر الذى اضطر السلطات اللبنانية إلى تحذير هؤلاء النازحين من العودة حتى تستقر الأوضاع حرصًا على أمنهم وحياتهم. والملفت أن الجانب الأمريكى الضامن لوقف إطلاق النار يلتزم الصمت تجاه الانتهاكات والاعتداءات الإسرائيلية ويركز على توجيه اللوم لحزب الله. كما أصدرت السلطات اللبنانية تعليمات بالبدء فى نزع سلاح حزب الله، وسبق أن حددت نهاية عام 2025 لتنفيذ ذلك. ولكن الحقيقة المؤكدة أن الحكومة اللبنانية لا يمكنها بأى حال الدخول فى مواجهة مع حزب الله لأن ذلك يشعل حربًا أهلية جديدة لا طاقة للبنان بها.

كما أن القوى الإقليمية والدولية تربط بين تقديمها مساعدات مالية واقتصادية واستثمارية والمساهمة فى عملية إعادة إعمار ما دمرته الحروب فى لبنان بنزع سلاح حزب الله وتحويله إلى حزب سياسى. كما أن الاستجابة الإقليمية والدولية لمطالب لبنان بدعم قواته المسلحة بالأسلحة الحديثة والتدريب وممارسة الضغوط على إسرائيل للكف عن عدوانها وسحب قواتها من لبنان، متعثرة ولا تحدث تقدمًا لا فى مجال التسليح ولا فى مجال الضغط على إسرائيل. ومن ثم تجد حكومة لبنان نفسها محاصرة من كل النواحى بمطالب داخلية وإقليمية لا تتوقف، مع عدم قدرتها على الدخول فى مواجهة مع حزب الله أو إيران، مع ضغوط اقتصادية ومالية قصوى.

لذا فإن المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة أو غير المباشرة بوساطة أمريكية أو غيرها، هى فى الحقيقة من قبيل إدارة الأزمة وليس العمل الجاد على معالجة جذورها للتوصل إلى تسوية سياسية حقيقية بإنهاء العدوان والاحتلال الإسرائيلى ليكون أساسًا منصفًا لنزع سلاح حزب الله وإخراج لبنان من أزماته المركبة.

مساعد وزير الخارجية الأسبق

 

رخا أحمد حسن عضو المجلس المصري للشئون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة.
التعليقات