الحكومة العراقية الجديدة.. من الصعوبات إلى التحديات - رخا أحمد حسن - بوابة الشروق
الثلاثاء 12 مايو 2026 9:26 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

الحكومة العراقية الجديدة.. من الصعوبات إلى التحديات

نشر فى : الثلاثاء 12 مايو 2026 - 6:55 م | آخر تحديث : الثلاثاء 12 مايو 2026 - 6:55 م

لقد مر نحو ستة أشهر منذ إجراء الانتخابات البرلمانية العراقية فى نوفمبر 2025، وما زالت الجهود والمساعى جارية لتشكيل الحكومة الجديدة، وسط صعوبات وتعقيدات سياسية داخلية وصراعات بين الكتل السياسية الشيعية المنوط بها الدور الأساسى فى تشكيل الحكومة ورئاستها، وضغوط ومطالب خارجية إقليمية أهمها إيران، ودولية فى مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية. وكل من هذه الأطراف يبذل أقصى جهده لتحقيق مطالبه وشروطه. وهذا يضع المكلف بتشكيل الحكومة فى موقف بالغ الدقة يتطلب منه فى اختيار الوزراء تحقيق توازنات ومواءمات بين نظام المحاصصة ومطالب الكتل السياسية المختلفة ومطالب القوى الخارجية المؤثرة.

وأمام الإصرار الأمريكى على رفض عودة رئيس الوزراء الأسبق نورى المالكى، وتهديد الرئيس ترامب بوقف كل المساعدات والتعاون مع العراق إذا عاد للسلطة، كان على «الإطار التنسيقى» الشيعى الذى يضم مجموعة من الائتلافات السياسية من بينها ائتلاف دولة القانون بزعامة المالكى، وائتلاف الإعمار والتنمية بزعامة محمد شياع السودانى رئيس حكومة تصريف الأعمال المنتهية ولايتها، أن يختار مرشحًا آخر لتشكيل الحكومة غير المالكى، وغير السودانى، الأمر الذى تطلب إعلان كلا الزعيمين التخلى عن تمسكهما بترشيح أحدهما وقبول ترشيح شخصية أخرى.

وقع اختيار الإطار التنسيقى على رجل الأعمال على فالح الزيدى من خارج جميع الكتل السياسية لتشكيل الحكومة الجديدة بحضور رئيس الجمهورية، ورئيس البرلمان، ورئيس مجلس القضاء الأعلى، يوم 27 أبريل 2026، بعد سلسلة من المناقشات والصدامات الكلامية بين زعماء وقادة الكتل السياسية وتحميل كل منهما الطرف الآخر المسئولية عن حالة الانسداد السياسى القائمة، وما حدث من توترات شديدة بين ائتلاف دولة القانون وائتلاف الإعمار والتنمية، باعتبارهما الأكثر وزنا داخل قوى الإطار التنسيقى الشيعى، خاصة وأن واشنطن سبق أن أعلنت عن مكافأة قدرها عشرة ملايين دولار أمريكى لمن يدلى بمعلومات عن المدعو حيدر مزهر الغراوى، قائد «كتائب أنصار الله الأوفياء»، والشخصية البارزة فى تحالف الإعمار والتنمية الذى يقوده محمد شياع السودانى. وكان عامل الوقت ضاغطًا للإسراع باختيار المكلف بتشكيل الحكومة حيث تم تخطى المدة الدستورية بيومين قبل اختيار الزيدى.

أمام على الزيدى لتشكيل الحكومة ثلاثين يومًا من تاريخ تكليفه. وإذا لم ينجح فى تشكيلها وتقديمها للبرلمان للحصول على الثقة فى المدة المحددة، فسيكون أمام الإطار التنسيقى 60 يومًا لاختيار مرشح آخر. ولكن يلاحظ حصول على الزيدى على دعم ومباركة القوى السياسية العراقية المتمثلة فى البرلمان، وحكومة تصريف الأعمال، والقوى الكردية. كما لقى ترحيبًا من فرنسا وألمانيا وبريطانيا وتركيا وعدة دول إقليمية أخرى. وكونه رجل أعمال لا ينتمى لأى من الكتل السياسية لإرضاء الولايات المتحدة، لذا لقى ترحيبًا من السفارة الأمريكية فى بغداد، التى أعربت عن تأييد جهوده لتشكيل حكومة قادرة على تحقيق تطلعات جميع العراقيين، ودعمها أهدافًا تشمل صون السيادة، وتعزيز الأمن، ومكافحة الإرهاب، وبناء اقتصاد مستقر. وقد هنأ ترامب على الزيدى وطالبه بتشكيل حكومة «خالية من الإرهاب»، ودعاه لزيارة واشنطن عقب الانتهاء من تشكيل الحكومة، وأجرى ترامب اتصالًا هاتفيًا مع الزيدى، ووصفه عقب الاتصال بأنه شخص جيد، وأن ترشيحه «نصر عظيم» باعتبار أنه تم استبعاد المالكى، ووعد بمساعدة واشنطن له. ومن أهم المطالب الأمريكية تفكيك الفصائل المسلحة، خاصة المرتبطة بإيران، ومواجهة النفوذ الإيرانى، والفساد والإرهاب والتحايل على العقوبات على إيران. وقد استأنفت واشنطن إرسال الدولارات الأمريكية من حصيلة بيع البترول العراقى والتى تودع فى البنوك الأمريكية، إلى العراق كبادرة تشجيعية بعد أن كانت احتجزت نحو 500 مليون دولار أمريكى فى إطار ممارستها ضغوطًا على الحكومة العراقية لدفعها لتفكيك الفصائل المسلحة والتى تضامنت مع إيران فى مواجهة الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها وراحت تشن هجمات مسلحة على القواعد العسكرية والمصالح الأمريكية فى العراق، وهو ما أدى إلى توتر شديد فى علاقات العراق مع دول الخليج العربية. ويتسلم العراق شهريًا نحو مليار دولار أمريكى مقسمة على مرحلتين كل منهما نحو 500 مليون دولار. ولا شك أن انتظام تسليمها من شأنه تحسين سعر صرف الدينار العراقى.

• • •

أما بالنسبة لموقف إيران من تكليف على الزيدى، فيلاحظ أن إسماعيل قاآنى، قائد فيلق القدس فى الحرس الثورى الإيرانى، قد زار بغداد قبيل إعلان تكليف الزيدى بيومين فقط وأجرى خلال الزيارة عدة اتصالات مع قيادات الكتل السياسية الشيعية على مدى يومين، بما يشير إلى أنه كان على علم مسبق باختيار الزيدى. ورحب وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى باختيار على الزيدى، ووصفه بأنه «اخيه»!!. وهذا مؤشر على أن القوى السياسية والفصائل الموالية لإيران راضية بصفة عامة عن اختيار الزيدى باعتباره شخصية اقتصادية محايدة سياسيًا ومن ثم سيكون اختياره لأعضاء حكومته وفقًا للأسس التقليدية المتعارف عليها فى العراق. وخلال اتصال هاتفى بين الرئيس الإيرانى وعلى الزيدى، أكد مسعود بزشكيان استعداد طهران لتطوير العلاقات مع العراق، واصفًا البلدين بأنهما «أكثر من جار» ومشددًا على دعم طهران لبغداد فى كل المجالات والاستعداد لتسوية الخلافات مع دول المنطقة. وعبر الزيدى عن رغبته فى الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستويات متقدمة اقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا، واستعداد بغداد لاستضافة محادثات بين إيران والولايات المتحدة، معتبرًا أن ذلك «واجبًا إنسانيًا وسياسيًا». كما نشر فى إيران أن الزيدى شدد على أن قوة إيران اليوم تمثل سندًا لجميع المسلمين، ونوه بالدعم الذى تلقاه العراق من إيران فى مواجهة داعش وأنها «ساعدت فى الحرب ضد الإرهاب» وأن العراق فى حاجة إلى دعم إيران.

• • •

ثمة نظام متبع فى تشكيل الحكومات فى العراقية منذ 2004 يقوم على المحاصصة بين الكتل السياسية، وتكون المناصب الوزارية وفق حساب نقط يعتمد على حجم التمثيل البرلمانى لكل منصب، فرئاسة الجمهورية أو رئاسة البرلمان تحتاج لمن يشغلها أن يكون منتميًا لكتلة سياسية توفر له 15 نقطة أى ما يعادل 30 عضوًا برلمانيًا على الأقل، وللحصول على وزارة سيادية مثل وزارة البترول أو وزارة الخارجية يحتاج إلى 5 نقاط، أى ما يعادل نحو 10 أعضاء فى البرلمان، أما الوزارات غير السيادية مثل وزارة الثقافة أو وزارة الزراعة، فتحتاج إلى 4 نقاط أى نحو 8 أعضاء فى البرلمان. وعادة يحصل الإطار التنسيقى الشيعى على 12 وزارة، و6 وزارات للكتل السنية، و4 وزارات للأحزاب الكردية عادة ما يكون بينها وزارة الخارجية، ووزارة للأقليات. ويسعى الزيدى للعمل على عدم حصول أى من الكتل أو القوى السياسية على مناصب حكومية غير مستحقة، ومدى قدرته على رفض شخصيات غير مؤهلة لشغل تلك المناصب، والعمل على إنجاز مهمته فى تشكيل الحكومة فى المدة الزمنية المحددة، واللجوء لأن يطلب من الأحزاب تقديم أكثر من مرشح لنفس المنصب ليفاضل بينهم ويختار أفضلهم. وقد زار إقليم كردستان والتقى مع رئيس الإقليم نيجيرفان بارزانى، والزعيم السياسى مسعود بارزانى، وبحث معهم حسم حصة الإقليم فى الحكومة المركزية القادمة، ومطالب الإقليم الأخرى ومنها إقرار قانون البترول والغاز، ومنع الاعتداءات والهجمات التى تشنها الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران ضد الإقليم، ومشاكل التأخر المزمنة لمرتبات موظفى الإقليم، والخلافات المالية مع بغداد.

• • •

يعد على الزيدى من أصغر رؤساء الحكومات العراقية منذ 2004 فهو من مواليد 1986، أى عمره نحو 40 عامًا. ويمتلك مجموعة شركات (نحو 15 شركة) متنوعة الأنشطة بين تجارة المواد الغذائية، والإنتاج الزراعى والحيوانى، والطباعة، والمقاولات، والحماية الأمنية، والإلكترونيات، والبترول. كما يمتلك بنك الجنوب الإسلامى للاستثمار الذى واجه مشكلة فى عام 2024 عندما وضعته الخارجية الأمريكية على لائحة العقوبات بشبهة غسل الأموال، مما أدى إلى ترك على الزيدى رئاسة مجلس إدارة البنك لشقيقه، ومنع البنك المركزى العراقى وصول الدولار الأمريكى إلى هذا البنك. وأنشأ الزيدى جامعة الشعب، ويمتلك سلسلة أخرى فى مجال التعليم والإعلام، ومعهد عشتار، وقناة دجلة التلفزيونية الفضائية.

وجاء فى تحقيق لشركة محاماة أمريكية مستقلة أجرته مؤخرًا، أنه لا توجد أدلة تربط الزيدى بأنشطة مالية مرتبطة بالحرس الثورى الإيرانى، وأن العقوبات التى فرضت على البنك الذى يملكه فى فبراير 2024 جاءت على خلفية إشعار يتعلق بالسمعة لا بسبب تورط مثبت فى عمليات غسيل أموال. ومن الانتقادات الشعبية العراقية لاختيار الزيدى أنه غير معروف سياسيًا، ولم يسبق له ممارسة العمل السياسى، ولم يشارك فى انتخابات، ولم يكن اختياره على أساس برنامج سياسى معين يمكن محاسبته عليه، ولا ينتمى لأى أغلبية برلمانية. بينما يرى آخرون أن كل ذلك يمنحه حرية أكبر فى السعى لتحقيق التوازنات الداخلية والخارجية.

ستواجه الحكومة الجديدة، بعد تشكيلها، تعقيدات المشهد السياسى والاقتصادى والاجتماعى العراقى، والصراعات بين الكتل والقوى السياسية، وسطوة الفصائل المسلحة، ومكافحة الفساد، وكيفية تحقيق التوازن فى علاقات العراق مع كل من إيران والولايات المتحدة الأمريكية، ودول الخليج العربية، وفوق ذلك كله أن ينجح الزيدى فى تشكيل حكومة تحصل على ثقة البرلمان. 

مساعد وزير الخارجية الأسبق

 

رخا أحمد حسن عضو المجلس المصري للشئون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة.
التعليقات