الآثار الاقتصادية للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران - رخا أحمد حسن - بوابة الشروق
الأربعاء 15 أبريل 2026 6:44 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لأداء منتخب مصر بعد وديتي السعودية وإسبانيا؟


الآثار الاقتصادية للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران

نشر فى : الثلاثاء 14 أبريل 2026 - 7:30 م | آخر تحديث : الثلاثاء 14 أبريل 2026 - 7:30 م

أدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى سلسلة طويلة ومعقدة من التداعيات على دول الشرق الأوسط والعالم بأسره، ومن أشدها تأثيرًا على الجميع بلا استثناء التداعيات الاقتصادية المركبة، ذلك لأن هذه الحرب لم تكن قاصرة على طرفيها المباشرين، وإنما أدى وجود القواعد العسكرية والمصالح الأمريكية بكثافة فى دول الخليج العربية إلى أن تدخل هذه الدول رغمًا عن إرادتها طرفًا غير مباشر فى الحرب. كما أن وجود أذرع إيران فى لبنان والعراق جعلهما طرفًا غير مباشر فى الحرب. وامتدت دائرة التداعيات الاقتصادية إلى كل هذه الدول وكل العالم، وما يعنيه ذلك من انخفاض فى إمدادات البترول والغاز والأسمدة، واضطراب فى سلاسل الإمدادات وحركة الملاحة البحرية التجارية الدولية.

فمنذ اشتعال الحرب فى 28 فبراير 2026، أصبح العالم يتعامل إلى جانب المخاطر الجيوسياسية، مع واقع اقتصادى جديد مفروض عليه، إذ أدى إلى تعطل فعلى فى إمدادات البترول بنحو 11 مليون برميل يوميًا، وفى الغاز والأسمدة. وحدثت طفرة فى ارتفاع أسعار البترول والغاز، نتيجة انخفاض الإمدادات، والتهديدات العسكرية والتصريحات العدائية الحادة للأطراف المتحاربة، وشيوع مناخ عام من عدم اليقين انعكس على توقعات غير مستقرة بشأن الاقتصاد العالمى ومعدلات التضخم ومعدلات النمو خلال العامين الحالى والقادم وتأثير ذلك على المستثمرين بدرجة ملحوظة، وبدأت رءوس الأموال تتحول إلى ملاذات آمنة، وهو ما أثر سلبيًا على نشاط إصدار السندات فى الأسواق الناشئة وحرمان العديد من الحكومات من أحد أهم مصادر التمويل الخارجى فى أوقات حرجة، فى ذات الوقت الذى تعانى فيه هذه الدول من ضغوط تراكم الديون، وتزايد الاحتياجات التمويلية. كما أدى ارتفاع أسعار البترول والغاز والأسمدة إلى فرض تحديات جديدة ومعقدة أمام البنوك المركزية فى الدول النامية، فبدلًا من الاتجاه لتخفيض أسعار الفائدة استجابة لمطالب المستثمرين، والانخفاض النسبى للتضخم لدعم النمو الاقتصادى، اضطرت إلى إعادة تقييم الموقف وسياساتها النقدية فى ظل الضغوط التضخمية المتزايدة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما يؤثر سلبيًا على الاستقرار الاقتصادى، ويضعف القدرة الشرائية للمستهلكين فى الدول النامية المستوردة للبترول والغاز والأسمدة.

• • •

تأثرت اقتصادات الدول المتقدمة، والأوروبية، ومجموعة السبع الصناعية، تأثيرًا ملحوظًا نتيجة هذه الحرب، فقد يضطر البنك المركزى الأوروبى، وبنك إنجلترا المركزى، وبنوك الدول الأخرى، إلى زيادة أسعار الفائدة فى إطار سياسة كبح التضخم. وإن ألمانيا تعتمد اعتمادًا كبيرًا على قطاع الصناعة سواء فى الاستهلاك الداخلى أو فى صادراتها، مما يجعلها من الدول التى تعانى من ارتفاع أسعار البترول والغاز أو نقص فى إمداداتها. أما اليابان، فإنها تستورد نحو 90% من احتياجاتها من البترول والغاز معظمها من منطقة الخليج عبر مضيق هرمز، كما أدت الضغوط التضخمية إلى تراجع فى سعر صرف الين اليابانى. وقد رفضت الأغلبية العظمى للدول أعضاء حلف الناتو  الاستجابة لطلب الرئيس الأمريكى ترامب المشاركة فى الحرب على إيران وحماية حرية الملاحة فى مضيق هرمز، واعتبرت أنها حرب خطأ فى المكان الخطأ وأن نتائجها كارثية على كل دول المنطقة والعالم، ولم تعر اهتمامًا كبيرًا لوصف ترامب لها «بالجبن» ولا بتهديده بالتفكير فى الانسحاب من حلف الناتو عقب انتهاء الحرب على إيران.

وبدأت الدول الأوروبية فى التفكير الجدى فى تنشيط وزيادة إنتاجها من الطاقة المتجددة لتخفيف اعتمادها على البترول والغاز الموجودين فى مناطق غير مضمونة أمنيًا. وظهر اتجاه ألمانى نحو العودة لدعم إنتاج الطاقة الكهربائية بالمفاعلات النووية، بعد أن قطعت شوطًا طويلًا فى الاستغناء عنها تحت ضغوط من حزب الخضر وحماة البيئة خشية من أى تلوث نووى. وعادت بعض الدول إلى استخدام الفحم.

خلص صندوق النقد الدولى إلى أن ارتفاع أسعار البترول والغاز والأسمدة سيؤدى بالضرورة إلى ارتفاع فى معدلات التضخم، وتباطؤ فى معدلات النمو العالمى؛ حيث تسببت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران فى أسوأ اضطراب فى إمدادات الطاقة العالمية على الإطلاق نتيجة إغلاق مضيق هرمز أمام العديد من ناقلات البترول والغاز، وهو شريان حيوى يمر فيه نحو 20% من إنتاج البترول والغاز فى العالم. وأن الصندوق سيخفض توقعاته للنمو الاقتصادى، ويرفع توقعاته بزيادة التضخم، حتى فى الفترة التالية مباشرة لانتهاء الحرب، وأن نسبة النمو فى عام 2026 ستكون نحو 3.3%، وستكون فى عام 2027 نحو 3.2%. وأن الدول الفقيرة هى الأضعف فى مواجهة المخاطر لأنها تفتقر إلى احتياطيات كافية وهى الأكثر تضررًا. والعديد من الدول لا تملك موارد مالية لمساعدة شعوبها على مواجهة ارتفاع الأسعار الناتج عن الحرب. وتلقى الصندوق طلبات من عدة دول للحصول على مساعدات تمويلية؛ حيث إن الدول المستوردة للطاقة تمثل نحو 85% من الدول أعضاء صندوق النقد الدولى. وتواجه الدول منخفضة الدخل مخاطر متزايدة لانعدام الأمن الغذائى فى ظل ارتفاع أسعار الغذاء نتيجة لارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار الأسمدة، وقد تحتاج إلى دعم إضافى خارجى، وذلك فى وقت تتجه فيه بعض الاقتصادات المتقدمة إلى تقليص مساعداتها الدولية، وآثار ارتفاع التضخم وبطء النمو الاقتصادى، وقد يؤدى ذلك إلى مطالبات بزيادة الأجور والمرتبات، وهو ما يجعل احتواء الصدمة الاقتصادية والمالية أكثر صعوبة.

• • •

وقد أصابت دول الخليج أضرارًا اقتصادية كبيرة لن تقتصر آثارها على هذه الدول فى فترة الحرب فقط وإنما ستمتد لفترة بعدها قد تطول أو تقصر وفق ظروف كل دولة. ففى إيران، التى كانت تعانى قبل الحرب من أزمات اقتصادية نتيجة العقوبات الاقتصادية والعزلة المفروضة عليها، أدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها إلى انخفاض كبير فيما كانت تصدره من بترول وغاز وأسمدة، وأحدثت دمارًا كبيرًا فى العديد من الصناعات الأساسية سواء المدنية أو العسكرية، ودمار فى البنية الأساسية والمرافق العامة فى معظم الأقاليم الإيرانية، وانخفاض ملحوظ فى سعر صرف العملة الإيرانية، وانخفاض، إن لم يكن توقفًا مؤقتًا، فى تبادلها التجارى مع دول الخليج العربية وخاصة الإمارات العربية التى تعد أكبر شريك تجارى خليجى لإيران حيث بلغت قيمة التبادل التجارى بينهما فى 2025 نحو 15 مليار دولار أمريكى. لذا ستحتاج إيران إلى أموال طائلة لإعادة إعمار وتأهيل ما دمرته الحرب، وسياسة النفس الطويل لتحسين علاقاتها مع دول الخليج العربية والتى لحقت بها أضرار وشروخ عميقة بسبب الحرب.

أما دول الخليج العربية، فلم تعد أحد أكثر المناطق أمنًا فى العالم بسبب الحرب، وهذا سيكون له تأثير سلبى على الاستثمارات والسياحة على المدى القصير والذى قد يمتد لفترة أطول إذا لم يتم التوصل إلى تسوية سياسية أمريكية إيرانية بضمانات مؤكدة تحول دون نشوب الحرب بين الحين والآخر. كما أن انخفاض صادرات هذه الدول من البترول والغاز والأسمدة طوال فترة الحرب التى امتدت نحو 40 يومًا، وما أصاب بقية مرافقها ومواقع إنتاج وتخزين بترول وغاز، وموانئ ومطارات من أضرار، تحتاج إلى أموال ووقت لإعادة إعمارها وتأهيلها، وقد يعوضها نسبيًا الارتفاع الكبير فى أسعار البترول والغاز، وإن كانت إمدادات الأغذية والمواد الاستهلاكية لهذه الدول والتى ارتفعت أسعارها، امتصت الجزء الأكبر من مكاسب زيادة أسعار الطاقة.

• • •

تضررت مصر من الآثار الاقتصادية لهذه الحرب سواء بالارتفاع الكبير فى أسعار البترول ومشتقاته والغاز، وانعكاسها على جميع الأسعار فى السوق المصرية، وزيادة العجز فى الميزان التجارى، وانخفاض فى سعر صرف الجنيه المصرى مقابل العملات الأجنبية وانخفاض قوته الشرائية، مع انخفاض نسبى فى دخل مصر من العملات الأجنيبة لانخفاض فى السياحة ودخل قناة السويس. واتخذت الحكومة المصرية إجراءات تقشفية فى استهلاك الطاقة وفى الإنفاق العام لمواجهة هذه الآثار الاقتصادية والمالية الطارئة إلى أن تنتهى الحرب وتأثيرها.

• • •

وإذا كانت الولايات المتحدة استفادت من زيادة أسعار الطاقة والمواد الغذائية مع زيادة نسبية فى صادراتها لتعويض جزء بسيط من إمدادات هذه المواد، فإن ارتفاع الأسعار فى داخل السوق الأمريكية زاد من أعباء المعيشة على الأمريكيين  الذين يعارض أغلبيتهم الحرب على إيران وتكاليفها الباهظة دون أهداف عملية قابلة للتنفيذ، كما أحدثت انقسامًا كبيرًا داخل حلف الناتو، وأضرت بالعالم كله.

• • •

أما الذين حققوا مكاسب كبيرة من وراء هذه الحرب، فهم منتجو البترول والغاز وشركات الطاقة الكبرى البعيدين عن منطقة الخليج، والصناعات العسكرية خاصة الأمريكية وغيرها وحصولها على عقود كبيرة لمنتجاتها، ومبيعات الذهب كملاذ آمن.

وقد استقبل العالم الاتفاق الأمريكى الإيرانى الذى تم بجهود الوسطاء بوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين اعتبارا من ٨ أبريل ٢٠٢٦، رغم هشاشته، والدخول فى مفاوضات لإنهاء الحرب، اُستقبل بترحيب كبير وارتياح ورغبة ملحة فى توصل الأطراف المتحاربة إلى اتفاق يحفظ لمنطقة الخليج أمنها واستقرارها لما لها من أهمية كبيرة فى أمن واستقرار المنطقة والعالم اقتصاديًا وأمنيًا وسياسيًا.

مساعد وزير الخارجية الأسبق

رخا أحمد حسن عضو المجلس المصري للشئون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة.
التعليقات