دلالات منح الثقة البرلمانية لحكومة عراقية غير مكتملة - رخا أحمد حسن - بوابة الشروق
الثلاثاء 26 مايو 2026 7:36 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

دلالات منح الثقة البرلمانية لحكومة عراقية غير مكتملة

نشر فى : الثلاثاء 26 مايو 2026 - 6:15 م | آخر تحديث : الثلاثاء 26 مايو 2026 - 6:15 م

تم فى سباق مع الوقت والأحداث المتتالية بكثافة وإيقاع سريع، منح البرلمان العراقى الثقة لحكومة جديدة غير مكتملة برئاسة رجل الأعمال على فالح الزيدى، يوم 14 مايو 2026، بالموافقة على 14 وزيرا فقط من إجمالى عدد الحقائب الوزارية، وهو 23 وزيرا، أى إنه تبقى 9 وزارات شاغرة، من بينها وزارتان سياديتان هما الدفاع والداخلية. ورغم التأييد الداخلى والإقليمى لرئيس الوزراء الجديد، فإن الخلافات، لدرجة الصراع السياسى المكتوم، على أشدها بين الكتل السياسية داخل الإطار التنسيقى الشيعى، ومع الكتل السنية، والائتلافات المرتبطة بالفصائل المسلحة الموالية لإيران والمرفوضة أمريكيا، مع ضغط عامل الوقت المقرر بثلاثين يوما لتقديم الحكومة للبرلمان، وعدم الدخول فى دوامة تكليف قيادة أخرى بتشكيل الحكومة إذا لم تُمنح الثقة لحكومة على الزيدى غير المكتملة.

 

* • •

 

قد استندت رئاسة البرلمان العراقى فى منح الثقة البرلمانية لحكومة على الزيدى غير المكتملة إلى قرار سابق للمحكمة الاتحادية العليا صدر عام 2010، يجيز لرئيس الوزراء المكلف تقديم تشكيلته الوزارية على دفعات دون اشتراط تسمية جميع الوزراء دفعة واحدة، وهو ما أتاح تمرير حكومة الزيدى الجديدة رغم شغور عدد من الحقائب الوزارية، واستمرار التنافس بشأن وزارتى الدفاع والداخلية، ومناصب أربعة نواب لرئيس الوزراء، فى ظل استمرار الخلافات داخل القوى المشاركة فى الحكومة بشأن تقاسم النفوذ وآليات التعامل مع الفصائل المسلحة، وبشأن وزارتين جديدتين يجرى التداول بشأن استحداثهما. ومورست ضغوط قوية لإنجاز تشكيل الحكومة قبل إجازة عيد الأضحى على أن تستكمل الحكومة بعدها، وتفاديا لأى فراغ سياسى أو تصعيد أمنى محتمل فى مواجهة أية ظروف طارئة.

ولوحظ أن بعض قادة الإطار التنسيقى أصبحوا أقل حماسة فى دعمهم لرئيس الوزراء الجديد على الزيدى، مقارنة بالمراحل الأولى من تكليفه. ويرجع ذلك إلى تعهداته المتعلقة بحصر السلاح فى يد الدولة، والمخاوف من طبيعة علاقته المستقبلية مع الفصائل المسلحة المنضوية ضمن قوى الإطار التنسيقى، خاصة أن الزيدى يحظى بدعم دولى وأمريكى واضح، مما يؤشر إلى أنه وحكومته يتبنيان نهجا أكثر تشددا تجاه السلاح خارج سلطة الدولة، وأن إصرار بعض الفصائل على عدم التخلى عن سلاحها من أبرز أسباب عدم استكمال تشكيل الحكومة، مع استمرار الخلافات بين الكتل السياسية على توزيع الحقائب الوزارية. ومن أهم الفصائل المستبعدة كتلة صادقون التابعة لميليشيات «عصائب أهل الحق» بزعامة قيس الخزعلى، ولها مقاعد يعتد بها فى البرلمان، وجماعة جند الإمام المسلحة بزعامة أحمد الأسدى، وتحالف خدمات المرتبط بكتائب «الإمام على» بزعامة شبل الزيدى، وكتلة منتصرون التابعة لكتائب «سيد الشهداء» بزعامة أبو آلاء الولائى، وحركة أنصار الله الأوفياء بزعامة حيدر الغراوى.

 

* • •

 

إن الموقف الأمريكى واضح وحاسم تجاه عدم ضم أى منتمين أو مرتبطين بالفصائل المسلحة الموالية لإيران للحكومة الجديدة، وقد أكدوا موقفهم هذا على جميع مستويات المسئولين الأمريكيين إزاء ما قامت به هذه الفصائل المسلحة من عمليات عسكرية ضد القواعد العسكرية والقنصلية الأمريكية فى العراق، وذلك تضامنا مع إيران فى مواجهتها للحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها، واتهام هذه الفصائل المسلحة بتوجيه ضرباتها بالطائرات المسيرة لبعض دول الخليج العربية، ومن بينها السعودية والإمارات العربية. لكن هذه الفصائل تقول إن الاعتداءات على دول الخليج العربية تأتى من أطراف أخرى، منها إسرائيل، خاصة بعد ما نُشر عن وجود قواعد عسكرية إسرائيلية فى صحراء العراق دون إذن أو علم السلطات العراقية، وأن قاعدتين إسرائيليتين شاركتا منذ 5 مارس 2026 فى المساهمة فى الهجمات العسكرية ضد إيران، سواء بالرصد أو الاستطلاع أو غيرها من العمليات العسكرية المساعدة. وقد أقرت السلطات الأمنية العراقية بوجود هذه القواعد، وإن أكدت أنها وُجدت لفترة زمنية قصيرة للغاية. ولا شك فى أن وجودها ونشاطها كانا بعلم وتعاون أمريكى.

ويُعد تحقيق هدف حصر السلاح بيد الدولة العراقية على أرض الواقع من أكبر التحديات التى واجهت حكومات عراقية سابقة، ويواجه الحكومة الحالية منذ بداية تشكيلها، حيث يحتاج إلى ما هو أكثر من الإرادة السياسية، من توافق داخلى بين الكتل والائتلافات السياسية التابعة لها هذه الفصائل المسلحة، كما يتطلب دعما إقليميا، خاصة من جانب إيران التى ترى أن نزع سلاح هذه الفصائل العراقية، فى ظل مواجهتها الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها، وقبل التوصل إلى اتفاق شامل لإنهاء الحرب والموضوعات الخلافية الأخرى، سواء ما يتصل بالملف النووى أو برنامج الصواريخ البالستية أو أذرع إيران فى الدول العربية، سيكون بمثابة حد من الوجود الإيرانى القوى فى العراق، والتخلى عن أحد الأذرع المسلحة الموالية لإيران فى إطار الصراع الحالي. كما أن نزع سلاح هذه الفصائل سيتطلب إعادة بناء الهياكل العسكرية والأمنية العراقية التى سيتم دمج عناصر الفصائل داخلها. ويأتى الموقف الأمريكى من نزع سلاح الفصائل العراقية المسلحة الموالية لإيران فى إطار الخطة الإسرائيلية الأمريكية لإزاحة النفوذ الإيرانى من دول المنطقة، سواء فى العراق أو لبنان أو اليمن، بعد النجاح فى ذلك إلى حد كبير فى سوريا. وأدى التدخل الأمريكى المباشر فى تشكيل الحكومة العراقية إلى إثارة حفيظة عدة تكتلات سياسية والرأى العام العراقى، وهو ما يزيد من التحديات التى تواجهها الحكومة الجديدة سواء لاستكمال تشكيلها أو القيام بمهامها.

 

* • •

 

قد بدأت بعض التصدعات فى الإطار التنسيقى الذى يضم أهم التكتلات السياسية الشيعية، فقد أعلنت كتلة «العقد الوطنى» وحركة «سومريون» الانسحاب من ائتلاف الإعمار والتنمية الذى يتزعمه محمد شياع السودانى، متهمين القيادة السياسية داخل الائتلاف بممارسة الإقصاء والتهميش والإخلال بما تم من اتفاقات، وتغليب المصالح الفردية على المصلحة الوطنية، وتوجه المنشقون لتشكيل ائتلاف جديد يعيد رسم التحالفات داخل البرلمان. كما وجه محمد شياع السودانى انتقادات لحلفائه فى الإطار التنسيقى قبل جلسة البرلمان لمنح الثقة للحكومة الجديدة، مبينا أن حكومته المنتهية ولايتها تحملت الكثير من الاتهامات المضللة ومحاولات تزييف الحقائق، بما لم تشهده أى حكومة سابقة من مثل هذه الحملات الممنهجة التى تقودها «زعامات الفشل» على حد قوله.

وقال رئيس كتلة الحقوق النيابية المقربة من كتائب حزب الله الموالية لإيران، بعد جلسة البرلمان لمنح الثقة للحكومة الجديدة: «إن هذه الحكومة شهدت للأسف تأسيس أعراف خطيرة تهدد مستقبل العملية السياسية، فى مقدمتها التدخل الأمريكى الواضح فى تشكيل المشهد السياسى، وأن مسألة حصر السلاح بيد الدولة لا بد أن تتم من خلال سحب الذرائع (الأسباب) وليس ممارسة الضغوط». ويدل مجمل التطورات على مرحلة سياسية غير مستقرة تتسم بإعادة تشكيل التحالفات داخل البرلمان، وتزايد التباينات داخل القوى الشيعية الكبرى، بما فى ذلك الإطار التنسيقى الذى كان يشكل حتى وقت قريب مظلة جامعة للقوى الشيعية. ويبقى مستقبل الحكومة واكتمال تشكيلها مرهونا بقدرة القوى السياسية على إعادة ضبط تفاهماتها فى ظل مشهد إقليمى معقد وضغوط اقتصادية وأمنية متصاعدة.

ويدرك رئيس الوزراء الجديد، على فالح الزيدى، ضخامة التحديات التى تواجه حكومته داخليا وخارجيا، لذا أكد أمام البرلمان وفى بيان تليفزيونى أن حكومته ستعمل على حماية المال العام، ومحاربة الفساد بكل قوة، وتعزيز العلاقات مع الدول العربية والإقليمية وفى المجال الدولى، والعمل على ترسيخ الأمن وحماية سيادة العراق وسلامة أراضيه، مع رفض كل أشكال التدخلات الخارجية، محذرا من أن الفساد ليس مجرد خلل بل عائق أمام التنمية، وأن المرحلة القادمة مرحلة مشاركة حقيقية. وقد أكد وزير الخارجية فؤاد حسين، الذى أُعيد توليه حقيبة الخارجية، أن وزارته ستبدأ فورا العمل على ترميم وتعزيز العلاقات مع دول الخليج العربية بما يخدم مصالح العراق ويعزز استقرار المنطقة، خاصة أن السعودية والإمارات العربية اشتكتا من أن مسيرات قادمة من العراق حاولت الاعتداء عليهما وتم التصدى لها، وطالبتا الحكومة العراقية بوقف مثل هذه الاعتداءات عليهما من الأراضى العراقية. وأكدت الحكومة العراقية استعدادها الكامل للتحقق من أى معلومات تتعلق بالاعتداءات التى استهدفت السعودية والإمارات، وتجديد استنكارها، والتشديد على الحرص على اتخاذ الإجراءات اللازمة لإحباط أى محاولة اعتداء على أمن الدول العربية، ومنعها أيا كان مصدرها. ويعتقد بعض السياسيين العراقيين أن هجمات الفصائل العراقية المسلحة الأخيرة تمثل تهديدا لسلطة رئيس الوزراء على الزيدى الذى يحظى بدعم محلى وعربى وأمريكى واضح، وغير مرحب به من قبل هذه الفصائل.

 

* • •

 

حقيقة الأمر أنه، إذا كان تكليف رجل الأعمال على فالح الزيدى لتشكيل الحكومة الجديدة بهدف التركيز على التنمية وإعادة الإعمار والارتقاء بمستوى الخدمات والمرافق العامة والبنية الأساسية من أجل تحقيق مطالب الشعب العراقى التى طال انتظارها، فإن حكومته ستجد تعاونا ومشاركة من أغلبية التكتلات السياسية لإنجاح مهمتها. أما إذا كان اختياره لاجتياز المأزق السياسى وتحقيق توازنات مؤقتة، فإن الصراعات الداخلية والخارجية ستعرقل جهوده بانتقاله من مواجهة أزمة إلى أخرى.

 

مساعد وزير الخارجية الأسبق

 

الاقتباس:

 

يبقى مستقبل الحكومة واكتمال تشكيلها مرهونا بقدرة القوى السياسية على إعادة ضبط تفاهماتها فى ظل مشهد إقليمى معقد وضغوط اقتصادية وأمنية متصاعدة.

 

 

 

 

رخا أحمد حسن عضو المجلس المصري للشئون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة.
التعليقات