لم يكن التحول الكبير فى الذكاء الاصطناعى أنه جعل الآلة تكتب، بل أنه جعل الإنسان يعيد تعريف قيمته أمام ما يُكتب. فحين تستطيع التقنية أن تلخص وثيقة طويلة، وتقترح فكرة، وتعيد صياغة موقف، فإن السؤال لم يعد ماذا تستطيع الآلة أن تفعل؟ بل ماذا يبقى من دور الإنسان حين يصبح الإنتاج أسهل من الفهم؟
لقد عاش العمل زمنًا طويلًا يكافئ القدرة على الإنجاز الظاهر، من ينتج أسرع، من يجمع المعلومات أكثر، من يرد أولًا، من ينجز المهمة فى وقت أقصر، لكن الذكاء الاصطناعى التوليدى غير هذه المعادلة بصمت، فما كان يعد مهارة نادرة بدأ يتحول إلى قدرة متاحة، وما كان يستغرق ساعات صار ينجز فى دقائق، وفى كل مرة تتقدم فيها الآلة خطوة فى الإنتاج، يتراجع وزن المهارة آليًا، وترتفع قيمة المهارة الإنسانية التى لا تظهر فى المنتج بل فى الحكم عليه.
والمفارقة أن الخطر الأكبر قد لا يكون فى أن يحل الذكاء الاصطناعى محل الإنسان، بل فى أن يدفع الإنسان إلى الانسحاب من دوره قبل أن يطلب منه ذلك. فحين تصبح الإجابة جاهزة، يسهل أن نتوقف عن السؤال، وحين تبدو اللغة واثقة، قد يتم التنازل عن التحقق، وحين تقترح الآلة قرارًا، قد ننسى أن المسئولية لا تنتقل معها، عندها لا تستبدل التقنية الوظائف فقط، بل تمسّ ما هو أعمق: يقظة الإنسان أمام ما يقرأ، وما يقرر، وما يترك للآلة أن تقرره عنه.
هنا تبدأ المرحلة الجديدة، لم تعد القيمة فى أن يطلب الإنسان من الآلة إجابة جيدة، بل فى أن يعرف ما إذا كانت هذه الإجابة تستحق أن تستخدم، فهناك فرق واسع بين إجابة جميلة وإجابة صحيحة، وبين عبارة مقنعة وقرار رشيد، وبين نص مكتمل وفهم مكتمل. الذكاء الاصطناعى قد يمنحنا وفرة فى المخرجات، لكنه لا يمنحنا تلقائيًا حكمة الاختيار، وهذه الحكمة هى ما سيصنع الفارق بين إنسان يستخدم التقنية، وإنسان تضيف التقنية إلى عقله.
لذلك تصبح أهم مهارة فى زمن الذكاء الاصطناعى هى القدرة على التمييز، التمييز بين السرعة والقيمة، بين المعرفة واللغة، بين الاقتراح والقرار، بين ما تستطيع الآلة إنتاجه وما ينبغى للإنسان مراجعته، فالآلة لا تعرف الحرج الثقافى، ولا حساسية التوقيت، ولا أثر الكلمة، إنها ترى الاحتمال، أما الإنسان فيرى النتيجة.
فى النهاية، قد تتشابه المخرجات حين تستخدم الأدوات نفسها، لكن الفارق سيظهر فيما وراء المخرج فى السؤال، والمراجعة، والسياق، والضمير، والقرار، فالآلة قد تكتب، لكنها لا تتحمل معنى ما تكتب، وقد تقترح، لكنها لا تعرف ثمن الاقتراح، وقد تختصر الطريق، لكنها لا تعرف دائمًا إلى أين ينبغى أن يقود. لذلك فإن المهارة الإنسانية الجديدة ليست فى منافسة الآلة، بل فى قيادة ما تنتجه، أن يبقى الإنسان صاحب السؤال، وحارس المعنى، والمسئول عن النتائج.
عبدالله مغرم
جريدة الرياض السعودية