شهدت السنوات الأخيرة تحولا جذريا فى مكانة الذكاء الاصطناعى داخل النظام الدولى؛ حيث أصبح أحد أهم محددات القوة الاقتصادية والعسكرية والمعرفية للدول. ولم يعد التنافس يدور فقط حول تطوير تطبيقات أكثر كفاءة، بل حول السيطرة على البنية التحتية التى تجعل الذكاء الاصطناعى ممكنا؛ يشمل ذلك البيانات والقدرات الحاسوبية والشرائح الإلكترونية إلى النماذج التأسيسية وسلاسل الإمداد العالمية.
فى هذا السياق، تصاعد اهتمام الدول بتعزيز استقلالها التكنولوجى بوصفه أحد الأهداف الاستراتيجية المرتبطة بالأمن القومى والحفاظ على القدرة التنافسية وتقليل مواطن الهشاشة الناجمة عن الاعتماد على الخارج فى التقنيات الحيوية. وقد تجلى ذلك فى سياسات تهدف إلى توطين الصناعات التكنولوجية المتقدمة، وتنويع سلاسل التوريد، وتعزيز القدرات الوطنية فى مجالات الرقائق الإلكترونية والحوسبة السحابية والنماذج المتقدمة للذكاء الاصطناعى. ومن هنا، تبرز مفارقة أساسية تتمثل فى أن الدول التى تسعى إلى تقليل اعتمادها على الخارج وتعزيز استقلالها التكنولوجى؛ تظل مرتبطة بشبكات عالمية للإنتاج والتمويل والمعرفة يصعب الانفصال عنها بصورة كاملة.
• • •
تتوقع شركة جارتنر، المتخصصة فى تحليلات الأعمال والتكنولوجيا، أن يصل الإنفاق العالمى على الذكاء الاصطناعى إلى 2.59 تريليون دولار فى عام 2026، بنمو سنوى يبلغ 47% مقارنة بعام 2025؛ مُشيرة إلى أن الجزء الأكبر من هذا الإنفاق لن يذهب إلى التطبيقات النهائية، بل إلى البنية التحتية للذكاء الاصطناعى، والتى ستستحوذ على أكثر من 45% من إجمالى السوق. وتشمل هذه البنية: الحوسبة السحابية المهيأة للذكاء الاصطناعى (AI-IaaS)، والخوادم، وشبكات مراكز البيانات، والرقائق وأشباه الموصلات المتقدمة.
ورغم أهمية أدوار العديد من الفاعلين فى تمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعى وتطوير بعض حلقات سلسلة القيمة التكنولوجية مثل الاتحاد الأوروبى وكوريا الجنوبية واليابان ودول الخليج؛ فإن الولايات المتحدة والصين يظلان الطرفين الأكثر تأثيرا فى تشكيل اتجاهات السباق العالمى؛ فهما لا يستحوذان فقط على النصيب الأكبر من الاستثمارات والقدرات الحاسوبية، بل يمثلان أيضا قطبى التنافس الرئيسيين اللذين تتحدد على أساس تفاعلاتهما ملامح النظام التكنولوجى العالمى الناشئ.
• • •
يكشف تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعى، الذى يصدر سنويا عن معهد الذكاء الاصطناعى المرتكز على الإنسان (HAI) فى جامعة ستانفورد، أنه رغم استمرار الولايات المتحدة فى قيادة إنتاج النماذج الأكثر تقدما؛ فإن الفجوة بينها وبين الصين أخذت فى التقلص بصورة ملحوظة؛ إذ يشير التقرير إلى أن النماذج الأمريكية والصينية تبادلت موقع الصدارة عدة مرات منذ عام 2025، وأن الفارق بين أفضل نموذج أمريكى وأفضل نموذج صينى بحلول مارس 2026 أصبح لا يتجاوز 2.7%؛ ومع ذلك، لا تزال الولايات المتحدة تتفوق فى عدد النماذج الرائدة وبراءات الاختراع الأعلى تأثيرا، بينما تتصدر الصين من حيث حجم النشر العلمى، وعدد الاستشهادات، وإجمالى براءات الاختراع، واستخدام الروبوتات الصناعية.
1. اختناقات سلاسل الإمداد والتوريد: على الرغم من أن الولايات المتحدة تستضيف أكبر بنية تحتية للحوسبة فى العالم؛ فإن هذه الهيمنة نفسها تعتمد على حلقة خارج حدودها الوطنية. فالولايات المتحدة تضم 5427 مركز بيانات؛ أى أكثر من عشرة أضعاف أى دولة أخرى.
فى المقابل، تُشير التقديرات إلى أن الصين تُهيمن على نحو 70% من إنتاج العالم من المعادن الأرضية النادرة، وكذلك نحو 90% من عمليات معالجتها عالمياً؛ وهو ما يعنى أن كل قوة تكنولوجية كبرى تمتلك عناصر قوة؛ لكنها تعتمد فى الوقت نفسه على أطراف أخرى داخل الشبكة العالمية.
ومع تصاعد التنافس الأمريكى الصينى على البنية التحتية للتكنولوجيا المتقدمة؛ تُحاول القوى الغربية إعادة تقييم مستويات اعتمادها على الموردين الصينيين والسعى إلى بناء سلاسل توريد أكثر تنوعا ومرونة. وفى هذا السياق، اتفقت دول مجموعة السبع فى اجتماعها فى يونيو 2026 بمدينة إيفيان الفرنسية على وضع سقف لاعتمادها على أى مورد واحد للمعادن الحيوية عند 60% بحلول عام 2030؛ سعيا لتقليص الاعتماد على الصين فى هذا الشأن.
2. تسييس الرقائق الإلكترونية: تُعد شركة إنفيديا المثال الأكثر وضوحا على تمدد التنافس بين واشنطن وبكين إلى السيادة التكنولوجية. فالشركة الأمريكية التى تقود سوق شرائح الذكاء الاصطناعى عالميا، لم تعد مجرد شركة خاصة تسعى إلى تعظيم أرباحها، بل أصبحت أحد أهم الأصول الاستراتيجية للولايات المتحدة فى سباق الذكاء الاصطناعى العالمى، كما تحولت منتجاتها إلى مورد شديد الحساسية فى حسابات الأمن القومى الأمريكى والصينى على حد سواء.
تكشف قصة شرائح H20 وH200 عن هذه الحقيقة بوضوح؛ فقد فرضت الولايات المتحدة قيودا على تصدير الشرائح المتقدمة إلى الصين خشية استخدامها فى تطوير قدرات الذكاء الاصطناعى العسكرية والمدنية، ثم عادت إدارة الرئيس ترامب وسمحت بتصدير شرائح H20، ولاحقا شرائح H200 الأكثر قوة، مع فرض شروط مالية وتنظيمية معينة؛ لكن اللافت أن الصين نفسها لم تتعامل مع القرار باعتباره انتصارا اقتصاديا، بل سارعت إلى تقييد استخدام هذه الشرائح، ووجهت الشركات المحلية إلى عدم الاعتماد عليها إلا فى حالات محدودة، كما فرضت قيودا على استيرادها إلا لأغراض بحثية أو استثنائية.
وهكذا أصبح الشاهد أمام مفارقة؛ فالولايات المتحدة تخشى أن يؤدى تصدير الشرائح إلى تقليص الفجوة التكنولوجية بينها وبين الصين، بينما تخشى الصين فى المقابل أن يؤدى الاعتماد على هذه الشرائح إلى وقوع بنيتها التحتية للذكاء الاصطناعى تحت النفوذ الأمريكى.
وتكشف هذه الحالة عن أن الدول لا تسعى فقط إلى امتلاك نماذج ذكاء اصطناعى متقدمة، وإنما إلى السيطرة على المكونات التى تجعل هذه النماذج ممكنة. فالصين، رغم امتلاكها شركات رائدة ونماذج متقدمة وقدرات ضخمة فى البيانات والطاقة؛ ما تزال تنظر إلى اعتمادها على الشرائح الأمريكية باعتباره مصدرا للهشاشة الاستراتيجية؛ وهو ما يفسر استثماراتها الضخمة فى تطوير بدائل محلية عبر شركات مثل هواوى وسلسلة شرائح Ascend ومنصات الحوسبة الوطنية. بينما تنظر الولايات المتحدة إلى إنفيديا باعتبارها أكثر من مجرد شركة تكنولوجية، وأن تصدير شرائحها جزء من الاستراتيجية الأمريكية لإدارة المنافسة مع الصين.
• • •
هل تستطيع الدول بالفعل تحقيق استقلال تكنولوجى كامل، أم أن الذكاء الاصطناعى السيادى سيظل محكوما بحدود الاعتماد المتبادل؟
تشير التطورات الراهنة إلى أن العالم لا يتجه نحو انهيار النظام الرقمى العالمى؛ بقدر ما يشهد إعادة تشكيل له، تتزايد فيها اعتبارات السيادة الوطنية والأمن القومى بالتوازى مع استمرار أشكال مختلفة من الترابط الاقتصادى والتكنولوجى.
ويعكس التنافس الأمريكى الصينى هذا التحول بوضوح؛ إذ أصبحت البيانات والقدرات الحاسوبية والرقائق المتقدمة والنماذج التأسيسية موارد استراتيجية تتجاوز قيمتها الاقتصادية لتصبح أدوات لتعزيز النفوذ الجيوسياسى وتقليص مواطن الهشاشة الاستراتيجية.
غير أن هذا السعى نحو الاستقلال التكنولوجى يصطدم بواقع بنيوى يتمثل فى تشابك سلاسل القيمة العالمية. فالولايات المتحدة، رغم تفوقها فى النماذج التأسيسية والبرمجيات والقدرات الحاسوبية؛ تعتمد على تايوان فى تصنيع نسبة كبيرة من الرقائق المتقدمة، بينما تعتمد تايوان على معدات وتقنيات متطورة توفرها شركات أوروبية وأمريكية ويابانية. أما الصين، فلديها استثماراتها الضخمة فى الذكاء الاصطناعى وأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعى الفيزيائى مثل الروبوتات الشبيهة بالبشر، كما تهيمن كوريا الجنوبية على رقائق الذاكرة عالية النطاق الترددى؛ مما يُظهر مدى تعقيد النظام البيئى العالمى وصعوبة تحقيق الاكتفاء الذاتى الكامل لأى دولة.
وختاما، يمكننا أن نُقدم فهما أوليا للعلاقة بين الاستقلال التكنولوجى والاعتماد المتبادل؛ فهى ليست ذات وجه واحد؛ إما الاكتفاء الذاتى المطلق أو الانفصال الكامل عن الاقتصاد الرقمى العالمى، بل يمكن اعتبارها استراتيجية تستهدف تعزيز القدرة الوطنية على التحكم فى الموارد التكنولوجية الحيوية، وتقليل الاعتماد على الأطراف الخارجية فى المجالات الحساسة، وزيادة القدرة على الصمود أمام الضغوط الجيوسياسية، والقدرة على إدارة العلاقة مع الشركات المالكة للتقنيات الأكثر تقدما، وضمان توافق أهدافها التجارية مع الأولويات الوطنية والاستراتيجية.
ومن ثم، فنحن لا نتحدث عن سيادة تكنولوجية مطلقة أو عن عولمة رقمية مفتوحة بلا قيود، وإنما نمط جديد أقرب ما يكون للسيادة النسبية داخل شبكة من الاعتماد المتبادل؛ حيث تُقاس قوة الدول ليس بقدرتها على الاستغناء عن الآخرين، بل بقدرتها على إدارة هذا الاعتماد، وتقليل نقاط ضعفها، وتعظيم قدرتها على المناورة داخل نظام رقمى عالمى أكثر تنافسا وتعددا وتعقيدا.
وفاء الريحان
مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة
النص الأصلى: