مونديال هذا الرجل - محمد بصل - بوابة الشروق
الخميس 9 يوليه 2026 8:32 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من يحسم مباراة ربع النهائي بين فرنسا والمغرب؟

مونديال هذا الرجل

نشر فى : الخميس 9 يوليه 2026 - 7:25 م | آخر تحديث : الخميس 9 يوليه 2026 - 7:25 م

تخيل معي هذه النسخة من كأس العالم بدون حسام حسن. ولن أتحدث هنا عن المنتخب الذي صنعه بالإخلاص والتركيز وبث الحماسة واستغلاله للمهارات والإمكانات باقتدار غير مسبوق.


بطولةٌ بدأت في أجواء فاشية مشبوهة، محكومة بقرارات تعسفية ضد حكم صومالي وإداريين ومشجعين ملونين، أصرّت عليها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يتعامل منذ عام وأكثر وكأنه صاحب مفتاح دولاب الكأس ومدير الملاعب والمشجع الأول والمحلل الأول ثم تطور الأمر لينصب نفسه خبيرًا تحكيميًا وموجهًا للاتحاد الدولي (فيفا) فيتدخل لإشراك مهاجم منتخب بلاده فولارين بالوجون في مباراة ثُمن النهائي أمام بلجيكا على الرغم من تعرضه للطرد في المباراة السابقة.


واقعة اتصال ترامب بالأمين العام للفيفا جياني إنفانتينو أعادت إلى الأذهان "الحواديت الأسطورية" عن سيطرة الدوتشي بينيتو موسوليني على مونديال إيطاليا 1934 والجنرال خورخي فيديلا على مونديال الأرجنتين 1978، وتدخلات حكومة البيرو للتأثير على مواطنها الحكم أرتورو مالدونادو ليحذف من تقرير مباراة نصف نهائي مونديال 1962 البطاقة الحمراء التي أشهرها في وجه نجم السامبا جارينشيا، لتتواطأ الفيفا مع البرازيل وتسمح له بالمشاركة في النهائي ليقود بلاده للقبها الثاني.


بلغ انبطاح إنفانتينو أمام ترامب حد تبريره العجز عن إشراك الحكم الصومالي وتأمين الدخول الكريم لبعض المنتخبات التي تعرضت لإجراءات تفتيش مسيئة، ثم تعامله مع مسألة إلغاء طرد بالوجون وكأن مصيبةً لم تحدث، بل والصمت المطبق إزاء تصريحات ترامب المنتقدة لفلسفة العقوبة التبعية للطرد وهي الحرمان من المباراة التالية على الأقل.


وسط كل هذا العفن، وبينما آثر الصمتَ 99.9% من أطراف اللعبة والمسئوليين الحكومين والرياضيين، والاكتفاء بالشجب من بعيد لبعض تلك الممارسات دون اتخاذ أي موقف جماعي يؤثر على سير البطولة، خرج ذلك المدير الفني المتحمس لمنتخب غير مرشح لأي شيء ونادر الظهور في المونديال، يرتدي طاقمًا رياضيًا أسود يفتقر إلى "المنظرة"، ليرفع علم فلسطين في قلب ستاد دالاس بولاية تكساس.


كان يمكن أن يمر هذا التصرف العفوي مرور الكرام، باعتباره مجاملة جماهيرية لرفع أعلام فلسطين –ودول عربية أخرى- بين الجماهير المصرية العظيمة في المباريات الخمس التي خضناها في المونديال، لكن حسام حسن أبى إلّا وأن يحوّل التصرف العفوي إلى موقف سياسي متبلور، أولًأ بتصريحاته المرتجلة بعد مباراة أستراليا عندما أهدى الفوز إلى الشعب الفلسطيني، ثم بخطابه السياسي والإنساني الرفيع في المؤتمر الصحفي السابق على مباراة الأرجنتين في أطلانطا بولاية جورجيا.


هذه المحطة تستحق التوقف طويلًا. فالولايات المتحدة التي عُرفت تاريخيًا بالحرية المطلقة للرأي والتعبير لم تعد كذلك في ولاية ترامب الثانية، ومنذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة اتُخذت إجراءات وتدابير بحق كثيرين على خلفية مواقفهم السياسية أبرزهم الناشط محمود خليل الذي تقف قضيته على باب المحكمة العليا. وبالتالي، وفي ظل تواطؤ الفيفا وتذرع إنفانتينو بالحق السيادي للدولة المضيفة، فقليلون.. قليلون جدًا.. من يُقدمون على مثل ما فعله وقاله الشجاع حسام حسن خوفًا من الإشكاليات الأمنية التي قد تصل إلى الترحيل، حتى وإن ضمنوا مساندة بلدهم الأم.


ثم كانت المحطة الثالثة. أيّ متابع موضوعي لكرة القدم يُدرك مستوى المحاباة التحكيمية للأرجنتين ونجمها الأسطوري ليونيل ميسي في مونديال روسيا 2018 (رغم الوداع المبكر من دور الـ16 أمام فرنسا) ثم في مونديال قطر 2022 خاصة أمام أستراليا وهولندا في ثُمن وربع النهائي، وهو ما تواصل في البطولة الحالية أمام الجزائر والرأس الأخضر بالتغاضي عن أخطاء مؤثرة وإعاقات صريحة وإنذارات وطرود لميسي وزملائه و"تكتيف" المباراة لصالحهم.


كان العالم "يتمتم" بالشكوى، حتى جاء حسام حسن. لم يُطلق العنان لغضبه المعهود مع توأمه إبراهيم، بل عبّر بمنتهى النضج والصراحة، من خلال الإشارة بمناهضة العنصرية والاحتجاج على غياب العدالة، ثم التصريح الجريء عن رغبة الاتحاد في الوصول بميسي إلى النهائي.


بات العالم كله يتحدث عن مصر ضحية "سرقة الموسم". وتحولت إشارة حسام بتشبيك ذراعيه إلى لقطة أيقونية عبر مواقع التواصل، وفتحت تصريحاته المجال أمام مدربين حاليين وسابقين لتوجيه نقد صريح للتحكيم في مباريات ميسي (غير القابل للمساس) وهو ما يبدو زلزالًا ممتدًا يلقي بآثاره على شبكات مصالح الفيفا وأسلوب إدارة البطولات.


أتصور لو أن العمر قد امتد بأستاذنا الكبير محمود السعدني –وهو الكوّير العتيد- لكتب في زاويته الأسبوعية (هذا الرجل) بـ"الأهرام الرياضي" في تسعينيات القرن الماضي محتفيًا بحسام حسن: أسطورة هذا الرجل.. منتخب هذا الرجل.. شجاعة هذا الرجل.. مونديال هذا الرجل.

محمد بصل مدير تحرير الشروق - كاتب صحفي، وباحث قانوني
التعليقات