آلة تدمير في يد طفل - محمد بصل - بوابة الشروق
الخميس 25 يونيو 2026 9:09 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟


آلة تدمير في يد طفل

نشر فى : الخميس 25 يونيو 2026 - 7:20 م | آخر تحديث : الخميس 25 يونيو 2026 - 7:20 م

راحت السكرة ولم تأت الفكرة بعد. منذ أيام كانت مواقع التواصل الاجتماعي منشغلة أكثر من أي شيء بواقعة مصرع فتاة في حادث مروري أليم كان بطلاه طفلة وطفل يقودان سيارة في منطقة حدائق الأهرام، ثم جرت في نهر "الترند" مياه بألوان أخرى، حتى نكاد ننسى كيف ننطلق من هذه الواقعة التي هزت الرأي العام لمنع تكرارها، وكي لا تتحول إلى مجرد حادث يضاف إلى مئات سببتها قيادة الأطفال تحت السن القانونية للسيارات سواء بعلم أولياء أمورهم أو بعد مغافلتهم.

 

أرواح الناس في الشوارع ليست لعبة حتى نترك في آيادي الأطفال آلات قتل وتدمير.

 

وتأمين حياة المارة وقائدي السيارات الآخرين والأطفال أنفسهم، مسئولية مشتركة بين الدولة بسلطاتها المختلفة مع المجتمع بالوعي والاهتمام العام بأنه لا يجوز تحت أي ظرف وبأي مبرر السماح للأطفال بقيادة السيارات.

 

يتصور البعض أن جلسة الطفل أمام "الدركسيون" دليلًا على أنه "كبر وبقى راجل" وبعدما كان الأمر مقتصرًا على الأطفال الذكور في بعض المناطق، أصبح عموميًا يشمل الذكور والإناث من طلبة إعدادي وثانوي، فضلًا عن الأطفال الذين يقودون الميكروباصات ووسائل النقل الجماعي الأخرى في شوارع العاصمة والعديد من المحافظات.

 

تقع المسئولية الأولى هنا على ولي الأمر الذي يبلغ به الشعور بالاطمئنان وغياب المحاسبة حدًا يسمح بشراء سيارة لابنه الطفل يتجول بها كيفما شاء مع أصدقائه إلى المدرسة وسناتر الدروس والنادي والبنزينات والمولات. المشهد أصبح شائعًا بل واستمرأه كثيرون، رضوخًا للأمر الواقع أو اقتناعًا برؤى قاصرة تتردد لفرض قيادة الأطفال للسيارات على الشارع "بالعافية" مثل الادعاء بأن "أطفال اليوم ليسوا كأطفال الأمس" وأن "الطفل في عصر السوشيال ميديا والتقنيات الحديثة أكثر قدرة على قيادة السيارات وغيرها من المركبات" وأن "من السهل والآمن قيادة السيارات الحديثة المزودة بوسائل أمان أكثر تطورًا".

 

للأسف الشديد تنتشر هذه الرؤى الجاهلة بين الناس، وتغض البصر عن مخاطر أساسية أثبتتها الدراسات المتخصصة في علم النفس والطب النفسي وفسيولوجيا الأعضاء، مثل ضعف التركيز وغياب القدرة على التحكم في لحظات المفاجأة، وزيادة ردود الفعل العشوائية اللاإرادية في حالات الطوارئ، والعُرضة لتشتت الانتباه، وتغلب المشاعر الزائفة بالقدرة والاستقلالية والتحكم مما ينقلب إلى مغامرات وتجارب غير محسوبة وطائشة، مدعومة بتشجيع الأصدقاء أو الأقارب، أو سعيًأ لإثبات استطاعته تحمل المسئولية.

 

لكن السبب الأول لتنامي هذه الأخطار هو التواطؤ المجتمعي العام على استمرار الظاهرة. وربما هذا ما تسبب في خفوت النقاش العام حول ضرورة التشدد القانوني والتنظيمي تجاه حالات قيادة الأطفال للسيارات بعد حادث حدائق الأهرام، بينما طفت على السطح "خناقات" عبثية حول المستوى المادي للطفلين المتهمين ووظائف والديهما، وتناسينا أن الحادث يكاد يعبر بالفعل عن ظاهرة إجرامية، لأن تمكين الطفل من قيادة آلة قتل يضر بها نفسه والآخرين ليست مجرد قرار اعتباطي سيئ من ولي الأمر، وإنما يعكس استهتاره بحياة وحقوق الآخرين.

 

آن الأوان لإنهاء هذا التواطؤ بآليات رادعة وتنفيذ صارم على الأرض.

 

والخطوة الأولى إدخال تعديل تشريعي على قانون المرور ينص بشكل واضح على تجريم تمكين الطفل من القيادة أو السماح له بذلك، وتوقيع عقوبة سالبة للحرية وغرامة ضخمة أو إحدى العقوبتين، مع عقوبة أخرى أهم وأقسى ردعًا وهي منع المُدان بهذه الجريمة من الحصول على رخصة قيادة بصورة نهائية.

 

علمًا بأن الطفل وفقًا للمادة 80 من الدستور هو كل من لم يبلغ 18 سنة وهي السن ذاتها المقررة قانونًا للتقدم للحصول على رخصة القيادة.

 

وفي هذا التعديل التشريعي المقترح يجب التمييز بين جريمة السماح بقيادة المركبة لأي شخص غير مرخص له بالقيادة (النص الحالي للمادة 81 مكرر3 من قانون المرور) وبين السماح للطفل تحديدًا بالقيادة، فالمنطق والواقع يحتّمان اعتبار قيادة الطفل جريمة أكثر جسامة تقتضي عقوبة مستقلة ومشددة، مع إفراد حكم أكثر تشددًا إذا ترتب على قيادة الطفل للمركبة حدوث إصابة أو وفاة أو ضرر في الممتلكات.

 

يتكامل هذا التعديل المقترح مع النصوص القائمة للمواد (35 مكرر1، 36، 42، 74 مكرر4، 81 مكرر2، 81 مكرر3) من قانون المرور المتضمنة عقوبات القيادة بدون ترخيص والتسبب في حوادث، فضلًا عن المادتين (94، 98) من قانون الطفل المحددتين للمسئولية وحالات التعرض للخطر، لبناء سياج تشريعي يوفر حماية أكبر لأرواح المواطنين ومستقبل الأطفال.

 

هذه دعوة مفتوحة للنقاش حول المقترح وتبنيه في البرلمان، لعلنا نمنع تكرار كارثة حدائق الأهرام.

محمد بصل مدير تحرير الشروق - كاتب صحفي، وباحث قانوني
التعليقات