لم يعودوا ذئابًا منفردة.. أى مجرد نصابين يرتحلون من محافظة لأخرى بهويات مزيفة، يستهدفون البسطاء فقط، ويبيعون لهم «التروماى» على غرار روايات الاحتيال القائمة على المفارقات الكوميدية بين ذكاء الجانى وغفلة الضحايا، وتجاوزت الظاهرة حدود التندر وما يُمكن تلافيه بالحذر وحده.
منتحلو الصفات الحكومية والقضائية والشرطية والسيادية والصحفية، باتوا يمثلون خطرًا داهمًا على الأمن المجتمعى وعلاقة المواطنين بالدولة فضلًا عن مدخرات الأفراد وأملاكهم واستقرار الأوضاع القانونية للحقوق، وبالأخص ملكيات العقارات كالوحدات والأراضى، من خلال اصطناع الوثائق الرسمية وإقناع الضحايا بها، وإثارة النزاعات بينهم من حيث لا يحتسبون.
إن واقعة انتحال عاطل لصفة قاض وتصويره مقاطع فيديو من داخل محكمة شمال القاهرة بمشاركة مجموعة من الموظفين، واستخدامها للنصب والاحتيال على المواطنين، ما هى إلّا قمة جبل جليد، ظهرت للعامة بسبب سوء تخطيط المتهم الأول وتصوره أن أداءه الساذج على «السوشيال ميديا» سيبقى أثره محدودًا بين مجموعة من الضحايا المستهدفين، ولم يكن يخطر بباله أن يفقد السيطرة سريعًا، فـ«السوشيال ميديا» سلاح ذو حدين فى مثل هذه المخططات الإجرامية، وكما تسهّل الإقناع فهى تقرّب الفضيحة.
جذبت هذه الواقعة اهتمامًا مضاعفًا بسبب جرأة التنفيذ وخروج موظفى المحكمة عن مقتضى الأمانة الوظيفية وإتيانهم أفعالًا مشينة، كاستخدام ملفات القضاء والوشاح وغرفة المداولة وقاعة الجلسة لتصوير هراء لا ينطلى إلّا على محدودى الثقافة.
لكن عددًا كبيرًا من العصابات المشابهة مازالت تمارس نشاطها فى الخفاء ولا يُفضح منها إلّا القليل، على الرغم من الجهود المكثفة لوزارة الداخلية فى توعية المواطنين بضرورة التأكد من هوية الأشخاص الذين يتعاملون معهم خاصة بالبيع والشراء، والنداءات المتكررة من الهيئة العامة للرقابة المالية بمراجعة تراخيص الأشخاص والجهات فى حالات عرض التمويل والإقراض سواء عبر الإنترنت أو فى الأسواق والمحال التجارية.
ويأخذ هذا النشاط العصابى عدة صور مدفوعًا بالتطور التقنى وتوسع «السوشيال ميديا» من المراكز والمعاهد غير المرخصة التى تعلن عن منح كارنيهات تحمل لقب «مستشار» و«صحفى» و«مستشار تحكيم» وللأسف مازال رد الفعل محدودًا تجاه تلك القنابل الموقوتة.
إلى جانب انتشار المروجين لأنفسهم عبر مواقع التواصل بصفحات تحمل ألقابًا ما أنزل الله بها من سلطان، بدعوى انتمائهم السابق لجهات سيادية أو قضائية، واستخدامها للإيقاع بالضحايا، عن طريق الإيهام بالقدرة على أداء الخدمات و«تخليص المشاكل» أو السمسرة فى الضحايا، بتسهيل إيقاعهم فى براثن محتالين آخرين للاستيلاء على أموالهم أو أملاكهم.
وبنظرة سريعة على أخبار الحوادث بالمواقع الإلكترونية خلال العام الحالى يمكننا ملاحظة التوسع فى أنماط انتحال الصفات لأهداف الاحتيال، لتشمل الاستيلاء على أراض محل نزاع، ووحدات عقارية قديمة أو مهجورة أو محل نزاع بين الورثة، واصطناع وثائق تبدو رسمية للإيهام بشهر وتوثيق التصرفات، وجمع أموال بالمخالفة للقانون، وإقراض المواطنين بصورة غير مشروعة، والاحتيال بتسييل التمويلات المشروعة.
كما تبرز فى تفاصيل وقائع نصب عادية أخرى استمراء المجرمين لانتحال الصفات، خاصة بادعاء النفوذ والتأثير على المسئولين الحكوميين والمحليين، وطبعًا فى معظم تلك الوقائع يختفى المجرم «فص ملح وداب» ولا يجرؤ الضحية على الإبلاغ خشية المساءلة القانونية أو التورط فى قضية أكبر.
وعلى ذلك؛ فالمستجدات الأساسية أمامنا بهذه الظاهرة الإجرامية هى: العمل التشاركى بين المحتالين فى تكوين عصابات، وزيادة فرص النجاح بسبب «السوشيال ميديا»، وارتفاع معدلات الاقتناع بهم مع كل هذا التقدم فى مستوى التعليم وتراكم الخبرات المجتمعية، ونحن فى عام 2026 أى بعد فيلم «العتبة الخضرا» لإسماعيل ياسين وأحمد مظهر بسبعين عامًا!!
> فكيف نتصرف ومن أين تبدأ المواجهة؟
مطلوب دراسة رسمية اجتماعية جنائية لتحليل تطور أنماط الاحتيال وانتحال الصفات تحت مظلتين بحثيتين إذا شئنا الدقة.
الأولى: أين تنتشر الوقائع؟ وما سمات المجرمين والضحايا؟ وما حجم العوائد وطبيعة الفوائد المتبادلة؟ وما دوافع التبجّح الظاهر فى «احتراف» الانتحال؟
الثانية: ما حجم وطبيعة الشقوق والثغرات فى المنظومات الحكومية والمحلية التى يستغلها النصابون للنفاذ إلى الضحايا؟ قصور فى الخدمات؟ تعقد الإجراءات؟ نقص العنصر البشرى فى المصالح؟ استشراء مخالفات قانونية فى مواقع معينة؟
وبالتوازى؛ تتطلب جهود التوعية مزيدًا من التكثيف والمركزية عبر «السوشيال ميديا» تحديدًا وحملات ميدانية فى القرى والنجوع يُستعان فيها بطلبة الجامعات كجزء من النشاط الطلابى.
ولا ننسى التشريع. يجب إعادة النظر فى المادتين 155 و156 من قانون العقوبات لمواكبة خطورة الظاهرة واختلاف صور الجريمة، وهو ما يستوجب تشديد العقوبة على أمل حماية مقدّرات «الغلابة» أو الاقتصاص لهم.