مؤلمةٌ هى الأحداث التى أدت إلى مقتل طفلة لا تتجاوز من العمر 16 عامًا فى الشوبك بالجيزة على يد شقيقها بعدما تملكته نزعة «الانتقام والتخلص من العار والدفاع عن الشرف» جرّاء انتشار صورتها وبياناتها الشخصية عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعى والإفصاح عن مكان اختفائها على يد شخص عمره 33 عامًا استدرجها إلى الإسكندرية.
الطالبة لقيت وجه ربها وهى ضحية فى ثلاث وقائع متتابعة. فهى مجنى عليها ممّن «استدرجها» إلى محافظة أخرى لهدف إجرامى وعرّضها للخطر لمنفعة ذات طابع جنسى، وهذا هو التوصيف القانونى السليم وفق قانون العقوبات والمبادئ القضائية المستقرة من النقض الجنائى.
وهى مجنى عليها من «جميع» الحسابات والصفحات، المؤسسية والصحفية والخاصة بالمحامين وآحاد الناس، التى هتكت سترها وفضحت بياناتها وتداولت دون مبرر صورتها وتفاصيل أخرى عن واقعة «الاستدراج» ودون أن تُعنى بتوضيح الصورة كاملة للرأى العام، والمتمثلة فى أنها مازالت طفلة - أكرر مرة أخرى بحكم الدستور القانون - مما أدى إلى وصمها ووصم عائلتها التى كانت تبحث عنها.
وأخيرًا هى مجنى عليها فى جريمة لا رجوع فيها ولا عوض، فغادرت الدنيا بعد إقامة قصيرة انتهت بملابسات مرعبة لا يتحملها بشر.
والمفارقة أن الواقعة الثانية، وهى هتك ستر الضحية وفضح بياناتها الشخصية بما فى ذلك صورتها وتداولها فى سياقات سلبية حتى من قبل العثور عليها وإعادتها لذويها، هى الواقعة المحورية التى نقلت القضية من نطاقها الطبيعى المحدود إلى مساحة الرأى العام التى يكون لها فى المعتاد آثارٌ يتعذر تداركها، وفى الوقت ذاته هى الواقعة الأخف من حيث طبيعة الجُرم والمساءلة.
لكن الحقيقة التى يجب أن يتوقف عندها الجميع ويستشعروها بهدوء وندم أن هتك الستر هو الذى مهّد لارتكاب الجريمة وعجّل بها، وأن فضح البيانات الشخصية بما فيها الصورة وتفاصيل الواقعة كان بمثابة إزالة آخر جدار تحتمى به المجنى عليها من الأخطار التى حاقت بها.
لا تنقصنا التشريعات أو المواثيق أو الأكواد. بل تنقصنا الثقافة والوعى العام لخطورة الاستهتار بالبيانات الشخصية والسرية خاصة المتعلقة بالضحايا والمجنى عليهم والشهود والأطفال فى جميع القضايا ذات الطبيعة الشخصية والأسرية والجنسية.
لقد فطنت الدولة إلى خطورة هذه الظاهرة فصدر القانون رقم 177 لسنة 2020 بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية السابق (والذى مازال ساريًا حتى أول أكتوبر المقبل) واستحدث المادة 113 مكرر التى حظرت بصورة صريحة على مأمورى الضبط أو جهات التحقيق الكشف عن بيانات المجنى عليهم فى جرائم هتك العرض والتحرش الجنسى بالإناث والأطفال إلّا لذوى الشأن.
ومؤدى هذا الحظر أنه لا يجوز للشرطة أو النيابة العامة أو أى جهة تحقيق أخرى الكشف عن بيانات المجنى عليهم فى تلك الجرائم، فى إطار مباشرة التحقيق فيها، إلّا لأصحاب المصلحة والصلة المباشرة فيها، كالمتهمين والمجنى عليهم وأسرهم فى الحالات التى تقتضى ذلك، وليس إعلانها أو الإفصاح عنها بأى صورة.
ومن جانبه أصدر المجلس الأعلى للإعلام قراره رقم 22 لسنة 2022 باستحداث «كود ضوابط وأخلاقيات نشر الجريمة والتحقيقات» مفردًا فصلًا من هذا الكود لاحترام الوضع القانونى الخاص للأطفال كمتهمين أو شهود أو مجنى عليهم، مشددًا على ضرورة إخفاء شخصية الطفل وعدم ذكر اسمه أو ذويه، أو إبراز معلومات تؤدى للكشف عن شخصيته، وأن يكون التعامل مع الطفل فى أضيق الحدود التى تقتضيها الضرورة المهنية أو المجتمعية، وعلى سبيل الاستثناء الذى يحفظ كرامته وكرامة ذويه، ولا يؤدى إلى نشر أى بيانات تضر الطفل مستقبلًا.
ومع التوسع الكبير - والضرورى - فى الصفحات المؤسسية على مواقع التواصل الاجتماعى، وكذلك الحسابات غير الصحفية التى تخصصت فى نشر أخبار محلية وجهوية بمختلف المحافظات، لا يمكن تصور أن الضوابط السابقة تسرى فقط على المواقع الصحفية الإلكترونية وصفحاتها على مواقع التواصل، بل يجب أن تكون الضوابط إلزامية وسارية على جميع الصفحات والحسابات الرسمية وغير الرسمية، وفقًا لقانون تنظيم الإعلام رقم 180 لسنة 2018.
ويغدو من الحتمى والضرورى لمصلحة المجتمع وأمنه أن تلتزم الصفحات الرسمية والحسابات الصحفية بتلك القواعد الإنسانية والتشريعية والأخلاقية فى حالات الجرائم والتحقيقات لاسيما الخاصة بالأطفال والنساء، ليس فقط لضبط المشهد الإعلامى، وإنما لهدف أبعد هو تكريس ثقافة احترام الخصوصية وحماية البيانات الشخصية ومنع استخدامها وقودًا لانتهاكات وجرائم تهدد أمن المجتمع.