حق الترفيه.. وواجب مواجهة الجريمة العنيفة - محمد بصل - بوابة الشروق
الخميس 20 أغسطس 2026 8:43 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

حق الترفيه.. وواجب مواجهة الجريمة العنيفة

نشر فى : الخميس 20 أغسطس 2026 - 7:45 م | آخر تحديث : الخميس 20 أغسطس 2026 - 7:45 م

تصاعدت مؤخرًا بصورة مقلقة الجرائم العنيفة المنتهية بالقتل الفردى أو الجماعى، لاسيما المرتبطة بأبعاد أسرية وعائلية، مما يحتّم على المراكز البحثية الوطنية المتخصصة والجهات الأكاديمية تكثيف دراستها للوقوف على أنماطها وجذورها.

 

وهناك قائمة طويلة من الأسباب المحتملة شائعة التردد على ألسنة أساتذة علم الاجتماع والمهتمين بالشأن العام، تتضمن: الضغوط الاقتصادية، وتراجع المستوى المالى مع زيادة الأعباء، والتآكل المستمر للطبقة الوسطى، والتفكك الأسرى، وتراجع دور الآباء والأمهات والمدارس فى التربية، وضعف المستوى التعليمى، وبطء التقاضى، وضعف الثقة فى عدالة بعض القوانين، وكثافة التعرض لمواقع التواصل الاجتماعى و«الدارك ويب» والتطبيع من خلالها مع أنماط جديدة من الجرائم العنيفة إلى حد اصطفاف جحافل من المؤيدين للأطراف المعتدية ودفاعهم المستميت عن الجناة.

 

بحثت عن إجابات أكثر دقة. طالعتُ عشرات الدراسات الأكاديمية المحلية والعربية والأجنبية، عن الظواهر الإجرامية الجديدة فى عصر التواصل الاجتماعى والذكاء الاصطناعى والصمت المطبق على الإبادة الجماعية تحت نير الفاشية الدولية.

 

فالجريمة العنيفة تنتشر اليوم أكثر من أى وقت مضى مدفوعةً بالمؤثرات العابرة للحدود، والتى تشكّل لكل فرد عالمه الخاص.

 

وخلال البحث خطر ببالى سؤالٌ عن العلاقة بين الجريمة العنيفة والترفيه كأحد الروافد الأساسية للاستقرار النفسى للمواطن والرفاهية المجتمعية، وما إذا كان للبحر والنهر والحدائق والملاعب العامة أثرٌ إيجابى فى التصدى للظواهر الإجرامية؟!


ومما دفعنى للبحث فى هذا الربط المحتمل تعليقٌ كريم تلقيته من أستاذنا الدكتور فتحى فكرى، عضو لجنة الخبراء العشرة لإعداد دستور 2014 وأستاذ القانون العام بكلية الحقوق بجامعة القاهرة، على مقال كتبته فى هذه الزاوية نهاية يوليو الماضى عن الطبيعة الدستورية والتشريعية للشواطئ وتمتعها بـ«العمومية الذاتية والحرمة المقررة للمال العام» حيث نبّهنى إلى «الحق فى الترفيه» الذى تبناه الدستور الفرنسى الصادر عام 1946 ثم أصبح جزءًا من ديباجة الدستور الحالى الصادر عام 1958 ضمن ما يُعرف بـ«الكتلة الدستورية» أى مجموعة المبادئ والحقوق العابرة للدساتير المتعاقبة ويتمسك بها الشعب الفرنسى تكريسًا للحماية الاجتماعية.

 

كان هذا النص الدستورى يجمع بين حماية الصحة، والأمن المادى، والراحة، وأوقات الفراغ، والترفيه، ويكفل كل ذلك لجميع الفرنسيين وبصفة خاصة الأطفال والأمهات والعمال المسنون.

 

نعم.. لم يأت الدستور المصرى على ذكر «الحق فى الترفيه» لكن أحكامه جاءت صريحة فى إلزامها للدولة بحماية البحار والبحيرات والنيل والمحميات، وضمان حق «كل مواطن» فى التمتع بها، وحماية وتنمية المساحة الخضراء فى الحضر، وعلى جانب آخر يُلزم الدولة بالتنمية الوجدانية والمعرفية للأطفال، وتنمية القدرات الثقافية والعلمية والنفسية والإبداعية للشباب، والترفيه عن ذوى الإعاقة والمسنين.

 

يُعيدنا هذا التأصيل الدستورى إلى السؤال الأصلى: هل من الوارد أن تزيد معدلات الجرائم بسبب تراجع القدرة على ممارسة «الحق فى الترفيه»؟

 

الدراسات العلمية توضح أن الرابط المحتمَل بين الترفيه والجريمة ليس وهمًا، ويتضافر مع أسباب أخرى عديدة.

 

على سبيل المثال؛ نشرت المجلة الدولية لأبحاث البيئة والصحة العامة عام 2019 دراسة أجرتها مجموعة بحثية من أربع جامعات أمريكية أكدت تراجع السلوكيات الإجرامية العنيفة كالقتل والاعتداء والاغتصاب والسرقة بالإكراه فى المناطق ذاتها بعد إحداث تغييرات بيئية وترفيهية كالتشجير وتخضير الأراضى الخالية وإنشاء الحدائق العامة، حيث أسهمت فى تعزيز صحة المواطنين ورفاهيتهم النفسية والعاطفية وتحسين وظائفهم الإدراكية.

 

وفى عام 2025 نشرت جامعة مانشستر دراسة تبنتها الحكومة البريطانية، استنبطت تحسن مؤشرات انخفاض جرائم المراهقين والشباب وارتفاع قدرتهم على التعبير عن أنفسهم بعقلانية ومراعاة مشاعر الآخرين نتيجة انخراطهم فى برامج ترفيهية وثقافية وفنية، داعيةً إلى المساواة فى توفير تلك البرامج للجميع وضمان استدامتها.

 

لا تزعم الدراسات أن غياب الترفيه هو أساس زيادة الجرائم، لكنها توضح أن المساحات الخضراء العامة والأماكن الاجتماعية الآمنة والمجانية والأنشطة الجماعية غير المكلّفة ماديًا كالتنزه والرحلات الداخلية، لها أثرها الإيجابى المثبت إحصائيًا فى خفض التوتر والضغط النفسى، وتعزيز شعور المواطنين بالانتماء والسيطرة، وتقريب الصلات، وتقليل العزلة والأحقاد، ومن ثم تراجع السلوكيات العدوانية.

 

نحن لا نتحدث عن كماليات، بل هى عناصر أساسية للنسيج الحضارى والبنية التحتية للمجتمع الصحّى.

 

حقوق اجتماعية لا تقبل التجزئة، وواجب على الدولة (ضمن) مواجهة شاملة الظواهر الإجرامية.

 

ولا يمكن أن يتمتع المواطن بتلك الحقوق بدون حديقة عامة وممشى عام وملعب عام ومنتزه عام للأطفال وشاطئ عام للنهر والبحر، وطريق آمن.

محمد بصل مدير تحرير الشروق - كاتب صحفي، وباحث قانوني
التعليقات