من الأمير عبد القادر الجزائرى متوجهًا إلى المشرق العربى فى دعوته المؤسسة إلى العروبة وثقافتها، إلى بناة النهضة الثانية فى الفكر والإبداع العربيين كردّ على هزيمة يونيو التى كانت كارثة الكوارث على الوعى العربى العام، ثمة خيط متواصل يمكننا أن نربطه بالحماس والبوصلة لنتساءل: لماذا يبدو هذا الخيط غائبًا فى زماننا الذى نعيشه هذا؟ ويقودنا هذا إلى التساؤل عما إذا كان من المحتم على انبعاث الوعى العربى الجديد كعلامة لا بد منها لاستعادة العصر الذهبى، أن يولد بقرار فوقى ما أو من جملة إشراقات تنبعث هنا وهناك لتشكل تلك الحالة التى تعرف الأمم والشعوب كيف تلتقطها ما إن تظهر لدى الأكثر حساسية وصدقًا بين أفرادها المميزين: المبدعين.
فى القسمين الأول والثانى من هذه الثلاثية أشرنا إلى الدور الذى لعبه المبدعون، وعلى الأقل منذ نهايات القرن التاسع عشر،على امتداد الخارطة العربية فى استنهاض حال من الرغبة فى دخول زمن العالم، والاندفاع فى تجديد نكاد نقول إنه طاول شتى الفنون والآداب والأفكار فى هذه المدينة أو المنطقة العربية أو تلك، وبدا متقدمًا بمقدار تقدم الأوضاع الاجتماعية فى تلك المناطق العربية، إنما مشروطًا بذلك الانفتاح على زمن العالم. ثم تساءلنا عما أدى إليه ذلك مع وصولنا إلى بدايات الألفية الثالثة. ولم يخلُ تساؤلنا هذا من استنكار وأسى ونحن نستعيد تأملنا فى تلك الخارطة العربية نفسها. ولعل مصدر استنكارنا وأسَانا ذلك الواقع الذى فهم الانبعاث بأنه مرتبط بدوافع مادية، قد تمت إلى الإبداع بصلة، لكنها ليست هى الإبداع: الجوائز السخية والمهرجانات الصاخبة والتنافس على عقد الندوات والمناسبات.
لقد كان هذا كله بديعًا وذا فائدة، لكنه لم يتضافر مع الحالة الإبداعية نفسها، بل هو فى أحيان كثيرة أتى مناقضًا لها، ولسنا فى حاجة إلى التوقف كثيرًا عند أوضاع جعلت المبدعين يبدعون للجوائز لا للقراء، ومعظمهم يحقق أفلامه ومسرحياته وضروب إبداعه الأخرى لمجرد عبور السجادات الحمر. والكل معتقدًا أن دخول زمن العالم هو الوصول إلى «كان» أو «أفينيون» أو حتى معارض التصوير الفوتوغرافى أو خشبات فى نيويورك أو لندن مؤجرة بأسعار خيالية.
اعتقدوا أن الترياق إنما يكمن هنا، غير مدركين أن الترياق فى مكان آخر، أقرب كثيرًا وأقل كلفة: فى حركية الإبداع نفسها والإدراك بأن هذا الفعل الذى ينم عن الترابط بين الوعى والممارسة، بين الذات والمجموع، إنما هو وليد مجموعة من العوامل تنطلق وبصورة متواصلة، رغم الهزائم والانتصارات المزيفة، من ذلك الثنائى العجيب: الحماس والدولة.
إن أحدًا لم يطلب من محمد عبد الوهاب أن يجعل من نفسه وطوال عقود من السنين مبدع العروبة والمعبر لحنًا وغناءً عن قضاياها الكبرى. وما من أحد حث أم كلثوم على تحريك ألحان رياض السنباطى لإبداع تلك الألحان التى حركت وجدانًا ووعيًا عربيًا كبيرًا، بل حتى، وحدة ثقافية عربية مدهشة. وما طلب أحد من صلاح أبو سيف أن يجعل من سينماه مرآة لحياة الشعب وحرك كثُرًا من المبدعين ليسيروا على خطاه. ولم يتحرك ثروت عكاشة لا فى كتاباته الفنية الرائعة ولا فى ممارساته الأروع كوزير للثقافة، بقرار جمهورى. وكذلك كان حال فاروق حسنى حين سار على خطاه. وحال نجيب محفوظ حين كتب ثلاثيته ممجدًا ثورة ١٩١٩ أو أمين الريحانى حين طاف يدعو لوحدة عربية ما، أو نزار قبانى حين سيجعل من شعره مرآة تعكس الغضب العربى، أو الرسامين والنحاتين العراقيين حين استعادوا فى لوحاتهم إرث وطنهم الفنى الكبير، وعبد الرحمن منيف وفتحى غانم وغيرهما حين عكسوا فى رواياتهم هموم مجتمعاتهم وتفاعلاتهم الذاتية معها.
ترى حين نذكر هذه النماذج مضيفين إليها رهطًا كبيرًا من أعمال مسرحية واستعراضية وأفكار عبر عنها كبار مفكرينا ومترجمينا وعلماء النفس عندنا والألوف من أساتذة الجامعات الأكثر وعيًا، ولمَ ليس أولئك المفكرون العقلانيون الذين، كما فعل طه حسين وعباس محمود العقاد وغيرهما، على خطى الكواكبى وعبد القادر الجزائرى، حين أحسوا أن سياسات «دينية» ما تشتغل لتغليب التخلف على الوعى المعاصر والانغلاق على الماضى ضد حركة التاريخ، حين نذكر كيف أن هؤلاء أمسكوا القضية الدينية بأيديهم، ناشرين وعيًا دينيًا تمثل فى «العبقريات» و«على هامش السيرة» وحتى فى «الإسلام ونظام الحكم» لمحمود عبد الرازق… وكتب عن الرسول (محمد حسين هيكل)، أفلا يمكننا أن نقول إن همهم كان من خلالها، استعادة العقل إلى الدين وربما تمهيدًا لما سيقول وريثهم جميعًا رضوان السيد ذات يوم من «إننى لست أخاف على السياسة من الدين، بل على الدين من السياسة»؟
لقد كان محرك هؤلاء جميعًا حماسًا وبوصلة، لا جوائز ومهرجانات، وسجاجيد حمر ووعودًا مادية مغدقة. كان محركهم ودافعهم إحساسًا لسنا ندرى أين بات اليوم، بأن ليس ثمة فى الأمر فترة محددة تسمى عصرًا ذهبيًا، نكتشف وجودها بعد أن تعبر ونتحسر عليها، بل تجاوب مع وظيفتين للإبداع، إحداهما تتعلق بالمجتمع والمتلقين، ليس لتعليمهم بل لاستثارة نوع من العدوى والحماس فى أوساطهم، أما الثانية فتنطلق من وعى المبدع الفرد نفسه وهو يعبر عن تلك النفس وعن حالاته المتنوعة فى مواجهة ما يعيشه ويعيشه معه أبناء مجتمعه. وذلك هو ما نعنيه فى نهاية الأمر بالحماس والبوصلة، اللذين نعتقد أن توافرهما هو العامل الأساسى الذى يكمن اليوم كما كمن أمس وكما سيكمن غدًا، فى خلفية ذلك العصر الذهبى الذى لا يصنعه إلا المبدعون أنفسهم غير آبهين بكل المعوقات التى لا تتوقف عن محاولات منعهم من إيصال إبداعهم، المتواصل دون هوادة، على اعتبار أن كل ثانية ولحظة عصر ذهبى أو واحد من مكوناته الرئيسية. وإلا فما علينا سوى أن ننظر دائمًا إلى الوراء أملًا فى أن يعود الزمن إلى ما نتخيله عصرًا ذهبيًا، غير مدركين أن ما نطلع إليه بحسرة إنما مضى وانقضى، والزمن لا يعود أبدًا إلى الوراء إلا فى مخيلة المتخلفين الذين يمضى العالم دائمًا إلى الأمام، فيما هم يتراجعون معتقدين أن ما عليهم إلا أن ينتظروا معجزة ما… معجزة لن تحدث أبدًا على أية حال.