شىء من تاريخ «أمريكا» فى ذكرى مرور ربع ألفية على استقلالها (2 من 4) - إبراهيم العريس - بوابة الشروق
الخميس 16 يوليه 2026 8:36 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من بطل مونديال 2026 ؟

شىء من تاريخ «أمريكا» فى ذكرى مرور ربع ألفية على استقلالها (2 من 4)

نشر فى : الخميس 16 يوليه 2026 - 7:05 م | آخر تحديث : الخميس 16 يوليه 2026 - 7:05 م

صحيح أن الاستقلالات المتنوعة، وربما المتضاربة، التى حصلت عليها أمم كثيرة فى العالم، وربما خاصة فى ما كان يسمى بالعالم الثالث، خلال النصف الثانى من القرن العشرين، جعلت مجرد الحديث عن «استقلال أمريكى» أمرًا بالغ الغرابة، خاصة أنه يبدو كعشبة فطرية تنمو فى اللا مكان، وتكاد لا تُصدق. غير أن أغرب من الغرابة أن هذا «الاستقلال» ينتمى إلى التاريخ الوحيد المسجل رسميًا، وبوفرة، على شاشات لا تتوقف عن إعلانه وبثه طوال ساعات اليوم، وفى كل مكان فى العالم.
إذ، وكما أشرنا فى الأسبوع الماضى، يكاد العدد الأكبر من مدمنى السينما فى العالم، وربما خارج «أمريكا» أكثر مما داخلها، يعرفون عن تاريخ هذه القارة-الأمة وحاضرها أكثر مما يعرفون عن أوطانهم. وهو ما يعيدنا إلى قول مأثور يدنو من أن يعنى أن تاريخ أمريكا يبدو التاريخ الوحيد المسجل كما هو، وكما يُراد له أن يكون، على شاشات تنضح به. ولقد أتت السينما فى القرن العشرين مؤكدة ذلك، وليس فقط من خلال الأنواع السينمائية الهوليوودية، بل من خلال كل تلك التواريخ المدونة للعلاقة بين أمريكا، قمة الهرم، وأمريكا الأيديولوجية التى يمثلها مجمل الإنتاج السينمائى الأمريكى.
وحسبنا، للتيقن من هذا، أن نستعيد فى ذهننا تلك الأنواع السينمائية الأمريكية التى لا تُعد ولا تُحصى، وتشمل أفلام رعاة البقر، وأفلام الكوارث الطبيعية، والخيال العلمى، ثم أفلام المدن، والمحاكمات الكبرى، والجريمة المنظمة، والحكايات العائلية، دون أن ننسى الأفلام المتحدثة حتى عن الرؤساء الأمريكيين، بغثهم وسمينهم، والفضائح التى ليس نادرًا أن يكون البيت الأبيض ميدانها.. ففى نهاية المطاف، لا شك أن آلاف الأفلام الأمريكية، التى حققت كل أنواع النجاحات فى العالم، تبدو وكأنها قالت كل شىء، وأكثر من كل شىء. ولا يزال لديها ما تقوله، سواء أكتبت حكاياتها مباشرة للسينما أم اقتُبست من روايات أو مسرحيات، يصار معها إلى التساؤل عن حدود ذلك الكشف الأمريكى الجرىء؟
المهم أنه إذا كان من الطبيعى القول إن مثل هذه العجالة هنا لا تكفى، ولو لتقديم صورة مبسطة لهذا الواقع الفسيح، الذى كان ولا يزال فى إمكان السينما رصده وكشفه وفضحه، فيما يتعلق بالواقع المعيوش، فإنها قادرة على أن ترسم خطوطًا أولية تحدده. ولهذه الخطوط عناوين، يعيدنا أهمها إلى الاهتمام الأمريكى الرسمى بالعلاقة مع السينما، بدءًا من اهتمامات تأتى من البيت الأبيض، وصولًا إلى مسارعة هوليوود، بمواليها ومعارضيها، إلى دعم الأمة حين يصيبها مكروه، عبر تجييش أيديولوجى لا شبيه له فى عفويته وطابعه الطوعى فى أى مكان فى العالم.
وحسبنا هنا نموذجان يمكن لكل منهما أن يقول لنا شيئًا فى هذا السياق. أولهما يتعلق بثلاثينيات الكساد الكبير، التى كادت أن تدمر كل شىء فى أمريكا، بدءًا من الحلم الأمريكى نفسه، وثانيهما العمليات الإرهابية النيويوركية التى افتتحت الألفية الثالثة. ولسوف تكون السينما، فى الحالتين، المبادِرة إلى رأب صدع الأمة.
فى الحالة الأولى انطلقت مع جون فورد، فى فيلم مقتبس عن رواية جون شتاينبك «عناقيد الغضب»، عرف كيف يشخص الداء بقوة اجتماعية لا مثيل لها، لتصب فى سينما فرانك كابرا وسلسلة أفلامه المعاصرة للسياسات الاجتماعية التى قادها الرئيس روزفلت من البيت الأبيض، فى ما سمى بـ«الصفقة الجديدة»، حيث فى شرائط كان همها استعادة الثقة بالديمقراطية الأمريكية وبالحلم الأمريكى. وحتى فى وقت راحت الحركة المسرحية الأمريكية نفسها تكشف هشاشة ذلك الحلم (من كليفورد أوديتس إلى آرثر ميلر، ولو لاحقًا بالنسبة إلى هذا الأخير)، راحت السينما، وربما دون أن تكون موجهة من قمة السلطة أو على توافق معها، تدعم تلك السلطة بأن تزرع الأمل بالسياسات العليا، والديمقراطية المؤسسة، واستعادة الأمل وسط العتمة المنتشرة.
وهو ما سوف تعود إليه السينما، لا سيما الهوليوودية منها، حين ضرب الإرهاب نيويورك فى الأعوام الأولى من الألفية الجديدة، ليحدث واحدة من تلك الانعطافات الكبرى فى التاريخ الأمريكى. فكانت النتيجة أن أحدث انعطافة أساسية فى تاريخ السينما الأمريكية، التى، ومن دون أن تغرق فى البروباجندا المألوفة فى ذلك النوع من المواقف، رمت بثقل شاشاتها لتقول كم إن هذه الأمة يمكنها أن تعيش وتفخر بما تفعله، حتى ولو أن تلك الشاشات نفسها لن توفر، فى فعل الإدانة القاسى، لا البيت الأبيض، كما سنرى فى الحلقة الثالثة من هذه السلسلة، ولا السينما نفسها، كما سنعود لنرى فى الحلقة الرابعة والأخيرة.
ففى هاتين الحالتين، بين حالات كثيرة أخرى، ليس ثمة مجال للعودة إليها بالتفصيل هنا، عرفت السينما كيف تمعن فى تحويل التاريخ الأمريكى إلى موضوع سينمائى، جاعلة أحيانًا من السينما نفسها، موالية كانت أم معارضة، ميدان صراع فريد من نوعه فى تاريخ البشرية المعاصر. أو لعله ميدان يستعيد، وإن بأشكال متطورة، ذلك الدور الذى لعبه المسرح الإغريقى قبل ألفين ونصف الألفية فى الراهن السياسى لتلك البلاد البعيدة شرقى المتوسط، والتى اخترعت كل شىء، بما فى ذلك السياسة والفكر الإنسانى، وربما أيضًا السينما، إذا صدقنا حكاية ارتباط كهف أفلاطون بالشاشة والعرض السينمائيين قبل نحو ألفين ونصف الألفية من وجود الفن السينمائى على سطح المعمورة، وربع ألفية حين حصلت «أمريكا» على ذلك الاستقلال الغريب!

إبراهيم العريس إبراهيم العريس
التعليقات