الأمن السيبرانى العربى فى زمن الذكاء الاصطناعى - العالم يفكر - بوابة الشروق
الخميس 16 يوليه 2026 8:35 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من بطل مونديال 2026 ؟

الأمن السيبرانى العربى فى زمن الذكاء الاصطناعى

نشر فى : الخميس 16 يوليه 2026 - 7:05 م | آخر تحديث : الخميس 16 يوليه 2026 - 7:05 م

لا يمكن النظر إلى الأمن السيبرانى فى زمن الذكاء الاصطناعى التوليدى بوصفه مجرد امتداد كمى لما كان عليه فى العقدين الماضيين، أى مزيد من جدران الحماية، وأنظمة كشف التسلل، وفرق الاستجابة للحوادث.
بيد أن هذا الاختزال الأداتى ليس مجرد قصور تحليلى، بل هو فى جوهره إنكارٌ لحقيقة مقلقة، مفادها أن الأمن السيبرانى لم يعد ميدانا دفاعيا بالمعنى التقليدى، بل تحول إلى فضاء تعاد فيه هندسة موازين القوى بين الدول بعيدا عن ميادين المعارك وطاولات المفاوضات، فى عمليات لا تصدر صوتا ولا تترك أثرا مرئيا، ولا تستهدف الجسور والمطارات، بل تستهدف الوعى والقرار والبنية التحتية التى تجرى فوقها حياة المجتمعات؛ معيدة رسم خرائط القوة، ومربكة مفاهيم الردع التقليدية، وطارحة أسئلة وجودية حول قدرة الدول، ولاسيما العربية منها، على حماية فضائها فى عالم باتت فيه الخوارزمية سلاحا فتاكا.
ولفهم حجم هذا التحول، لا بد من استحضار اللحظة التى أشعلت فتيله. لقد كانت لحظة «ميلاد الأنموذج» Model Birth فى أواخر نوفمبر 2022 إيذانا ببداية الانعطافة. غير أن ما شهدناه فى خريف العام 2025 وربيع العام 2026 يمثل فى الواقع تجاوزا لها نحو ما يمكن تسميته بـ «ميلاد المهاجم الاصطناعى» Birth of the Synthetic Attacker. ففى منتصف سبتمبر 2025، رصدت شركة «أنثروبيك» عملية تجسس سيبرانى نفذتها مجموعةٌ تتابعها الشركة تحت اسم GTG-1002، تقدر بأنها ترعاها الصين، استهدفت بدورها نحو ثلاثين مؤسسة حول العالم تشمل شركات تكنولوجية كبرى ومؤسسات مالية ومصانع كيميائية وأجهزة حكومية. والجديد، والخطير فى آن معا، أن ما بين 80% و90% من المهام التشغيلية فى هذه الحملة نفذت ذاتيا من قبل الوكيل الذكى «Claude Code» من دون تدخل بشرى مباشر.
ولا تبدو هذه الحادثة استثناء معزولا بقدر ما تجسد قاعدة صاعدة تؤكدها الأرقام. فوفقا لتقرير «آفاق الأمن السيبرانى العالمى 2026» الصادر عن المنتدى الاقتصادى العالمى بالتعاون مع «أكسنتشر»، حدد 87% من المشاركين الثغرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعى بوصفها مصدر القلق الأكبر، فيما تضاعفت تقريبا نسبة من يقيمون أمن أدوات الذكاء الاصطناعى قبل نشرها من 37% فى العام 2025 إلى 64% فى العام 2026.
أما على صعيد التكلفة الفعلية، فيكشف تقرير شركة «آى بى إم» حول اختراق البيانات للعام 2025 أن متوسط تكلفة الاختراق فى منطقة الشرق الأوسط بلغ نحو 27 مليون ريال سعودى، ترتفع فى القطاع المصرفى إلى 34 مليونا. وفى السياق الإقليمى ذاته، أعلن مجلس الأمن السيبرانى الإماراتى بالشراكة مع «سايبكس»، أن مجموعات برامج الفدية العاملة ضد كيانات فى الإمارات نمت بنسبة 58% خلال عام واحد؛ وهو ما يحول التهديد من فرضية نظرية إلى عبء مالى وأمنى موثق يطرق أبواب المنطقة العربية.
لم تمض على هذه الحادثة سوى أشهر معدودات حتى أعلنت أنثروبيك فى أبريل 2026 عن إصدار نموذج «Claude Mythos Preview» بوصفه قفزة نوعية، مع امتناعها بشكل غير مسبوق عن إتاحته للعموم، نظرا لقدرته الفائقة على اكتشاف الثغرات الأمنية واستغلالها، بل وتطوير برمجيات خبيثة متقدمة بدقة لم تبلغها نماذج سابقة. إن إقدام شركة تجارية كبرى على حجب أحد منتجاتها هو فى حد ذاته اعترافٌ ضمنى بأن المعادلة الأمنية العالمية قد تغيرت جذريا، وأن الحد الفاصل بين «أداة الإنتاجية» و«سلاح الدمار الرقمى» قد تلاشى. والإشكالية الأعمق التى يطرحها هذا التحول تكمن فى ما يصفه «جورج تاكاش» فى كتابه «الحرب الباردة 2.0: الذكاء الاصطناعى فى المعركة الجديدة بين الصين وروسيا وأمريكا» بـ «فرادة الحرب الباردة» (ص57)؛ حيث يرى أن الابتكار المدنى والعسكرى أصبحا جوهريا شيئا واحدا لا ينفصم، بحيث لم يعد ممكنا فصل الأداة عن السلاح. ولعل التفسير الأعمق لهذا التحول الجذرى يتطلب تجاوز التوصيف التقنى المباشر، والاستعانة بأدوات سوسيولوجية. وفى هذا السياق، تبدو أطروحة عالم الاجتماع الألمانى «أولريش بيك» حول «مجتمع المخاطرة» ذات راهنية استثنائية. فلا ينظر بيك إلى المخاطر المعاصرة كعوارض طبيعية أو حوادث عشوائية، بل يراها «مخاطر مصنعة» (Manufactured Risks)؛ وهى تلك التهديدات التى ننتجها بأنفسنا نتيجة نجاحنا التقنى الفائق. وهكذا، فإن الذكاء الاصطناعى الذى صمم أصلا لتحسين الإنتاجية وتسريع الابتكار بات فى الوقت ذاته المادة الخام لأشد الهجمات السيبرانية تعقيدا وإتقانا؛ مجسدا بذلك ما وصفه «بيك» «بـالتناقض الجوهرى للحداثة»؛ بمعنى أن التقدم ذاته هو الذى ينتج المخاطر الكبرى.
استراتيجيات عربية للأمن السيبرانى
إسقاط هذا الإطار التحليلى على واقع العالم العربى يكشف لنا عن مشهد متناقض فى ظاهره، متسق فى جوهره. فمن ناحية، يشهد سوق الأمن السيبرانى فى المنطقة طفرة استثمارية لافتة؛ إذ تشير التقديرات إلى ارتفاع حجمه من 14.8 مليار دولار فى العام 2023 إلى 24.1 مليار بحلول العام 2028، بمعدل نمو سنوى مركب يبلغ 10.2%. وقد استجابت دولٌ عربية عديدة لهذا الاستحقاق بصوغ استراتيجيات وطنية للأمن السيبرانى وإنشاء وكالات مختصة، كالهيئة الوطنية للأمن السيبرانى فى المملكة العربية السعودية التى خصصت 1.2 مليار دولار لتدريب مائة ألف كادر فى هذا المجال.
من ناحية أخرى، لا ينبغى لهذه الأرقام أن تخفى التناقض البنيوى الكامن فيها؛ فالتحول الرقمى المتسارع الذى يبرر هذه الاستثمارات هو ذاته الذى يوسع نطاق سطح الهجوم ويعمق حالة الهشاشة. والأخطر أن الذكاء الاصطناعى يدخل على هذه المعادلة ازدواجية حادة لا تحلها الميزانيات وحدها؛ فهو فى الوقت ذاته أداة دفاعية تحسن اكتشاف التهديدات وتتيح الاستجابة الاستباقية، وسلاح هجومى يمكن الخصوم من شن هجمات معقدة وحملات تضليل لا تكفى لردها منظومات الدفاع التقليدية. وهذه الطبيعة المزدوجة هى بالضبط ما يجعل الاستثمار فى الأمن السيبرانى ضروريا لكنه غير كاف ما لم يقترن ببناء كوادر مختصة قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعى دفاعا لا مجرد اقتناء أدواته استهلاكا.
تتخذ هذه الهشاشة أبعادا أكثر حدة حين ندرك أن الفجوة ليست فجوة واحدة بين الشمال والجنوب، بل هى فجوة مزدوجة؛ فجوة بين العالم العربى والدول المتقدمة، وفجوة داخلية حادة بين الدول العربية ذاتها. فبينما احتلت المملكة العربية السعودية مراكز متقدمة فى مؤشر الأمن السيبرانى العالمى متجاوزة دولا أوروبية عديدة، وتسعى الإمارات وقطر إلى بناء منظومات سيبرانية وطنية متكاملة، تظل دول عربية أخرى ترزح تحت وطأة هشاشة مؤسسية لا تمتلك معها لا الأدوات الدفاعية ولا الكوادر القادرة على توظيفها. وتزداد المسألة تعقيدا أمام الاستراتيجية العربية للأمن السيبرانى (2023 - 2027) التى تهدف إلى تعزيز التعاون الإقليمى وتطوير أطر قانونية مشتركة، لكنها تصطدم بعقبة بنيوية راسخة؛ توحيد التشريعات الوطنية عبر منظومات قانونية متباينة يستلزم إرادة سياسية تتجاوز ما تستطيع الوثائق الإطارية وحدها توفيره.
وفى المحصلة، الدولة التى لا تحمى فضاءها الرقمى، لا تحمى فى واقع الأمر اقتصادها ولا قرارها السياسى ولا وجدان مجتمعها. وإذا كان الأمن السيبرانى فى العقود الماضية مجالا تقنيا مختصا يدار فى غرف مغلقة بعيدا من أجندات القمم وخطط التنمية، فإنه فى عصر «ميلاد المهاجم الاصطناعى» قد أضحى شأنا سياديا بامتياز لا يحتمل التأجيل؛ لأن التأخير فى هذا الملف بالذات لا ينتج استراتيجيات مؤجلة، بل ينتج خسارات موثقة وثغرات موروثة.

رامز صلاح

مؤسسة الفكر العربى

النص الأصلى

التعليقات