حتى فى غياب الإحصائيات الرسمية التى قد يكون من شأنها أن تسهل المهمة، ثمة سؤال سيبدو، أول الأمر، بسيطًا، يلوح على الدوام فى أفق تفكير كل من يتطلع لمعرفة أى من حقب الماضى، القريب على أية حال، يمكن النظر إليها اليوم (وفى ظل عتمة ما نعيشه منذ بدايات هذه الألفية الجديدة)، بوصفها العصر الذهبى للثقافة العربية. ولئن نظرنا إلى الأمر من خلال التوافق بين أبناء أجيال محددة، لا يزال أقدمها حاضرًا بيننا وواعيًا، سواء لجأنا فى ذلك إلى تداخلات وسائل التواصل المنتشرة، أو من خلال التأوهات على الماضى التى تنتشر فى كل جلسة ولقاء، سننتهى إلى أن تلك الحقبة إنما كانت الممتدة بين بدايات القرن العشرين، لتختتم خلال الربع الأخير من ذلك القرن، أى بدءًا من المرحلة المسماة ليبرالية، وصولًا إلى مرحلة الانحطاط التى استسلمنا لها خلال العقدين الأخيرين من القرن نفسه.
ترى، أو ليست تلك هى الفترة نفسها التى، على تنوع البلدان العربية وتنوع مجرياتها السياسية، تتطابق مع ما سنسميه هنا، وربما تجاوزًا وتفاوتًا بين منطقة عربية وأخرى، المرحلة الاستقلالية؟ لنأخذ الأمر على هذا النحو، وإن بشكل تقريبى، ولنعد إلى سؤالنا الأساسى: لماذا تبدو لنا تلك المرحلة اليوم ذهبية؟ وهي، لئن كانت ذهبية من منظورنا، لماذا كانت، أو تبدو، كذلك، ومن أى منطلق؟ ونحدد هنا أن صورتها لن تتجاوز كونها مرآة إبداعية فنية وأدبية وفكرية أيضًا، ولكن مع إطلالة على الحيز الأساسى الذى جعلها ممكنة، قادرة على أن تترك لدينا، وفى ذائقتنا العامة، آثارًا لا تُمحى، سواء تجلت فى غناء أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب أو فريد الأطرش وفيروز، وبدايات الغناء الخليجى الذى بات كلاسيكيًا اليوم، واكتشاف التلحين والغناء المغاربيين. وكل هذا، وعلى أية حال، بصورة إجمالية، انطلاقًا من سيد درويش وصولًا إلى وردة وعبد الحليم حافظ؛ كما، من ناحية أخرى، إلى أفلام يوسف شاهين ومحمد خان ورفاقهما، وخالد الصديق ومارون بغدادى وبرهان علوية وعمر أميرالاى وغيرهم ممن أبدعوا تلك السينما التى باتت جزءًا من حيز إبداعى مؤكد ومن حنين عام، تمامًا، كمثلما الحال مع فاتن حمامة وسعاد حسنى ورشدى أباظة وعمر الشريف فى مجال غير بعيد.
وكما حديث الغناء والسينما، يمكن التوقف عند الرواية العربية، محفوظية أو غير محفوظية، وعند الفكر العربى من محمد عبده وطه حسين إلى الجابرى والعروى، مرورًا بالريحانى وعشرات غيرهم ممن صنعوا الذاكرة الأدبية والفكرية العربية حقًا. وحتى لو ضربنا هنا صفحًا عن فنون أقل شعبية وجماهيرية، كالرسم والموسيقى الخالصة والعمران وما إلى ذلك، وعدنا للتوقف عند الشعر بأبرز سماته لدى نزار قبانى ومحمود درويش وأدونيس وغيرهم، وعند ما تحول منه إلى غناء «سياسى»، كما الحال مع شعر درويش، أو عاطفى، كما انتهت به الحال عند قبانى، أو شديد النخبوية مع تجارب الشعر الأدونيسى فى هذا المجال، وصولًا إلى أسمى آيات الجمال البديع مع تلحين الرحابنة لأشعار من سعيد عقل غالبًا ما غنتها الأيقونة اللبنانية فيروز… نجد أن كل هذا، بلائحته التى قد تطول إلى ما لا نهاية، غير مفرقة بين ما هو مصرى وشامى، وبين ما هو مشرقى ومغربى، وأخيرًا بين ما هو خليجى وغير خليجى، كل هذا هو ما يكون العصر الذهبى فى مجالات الفن والأدب والفكر بصورة عامة. والسؤال هنا: ما الذى جعل كل هذا «ذهبيًا»؟ ولماذا اليوم خاصة، ما إن يطل، أو يُذكر، عمل من هذا النوع حتى تتبدى الحسرات ويسود الحنين؟
ربما يكون ثمة ألف جواب وجواب على هذا التساؤل، أى ربما تكون ثمة إجابات بعدد من قد يتنطحون للإجابة. ولكن الحنين واحد، والحسرة مؤكدة. أما الجواب الذى يمكن التوافق عليه على الفور فبسيط، كما نوهنا: بالتحديد لأننا نعيش نوعًا من عصور الانحطاط فى مجالات الفكر والإبداع عامة، نحس بكل ذلك الانجذاب إلى علامات الإبداع التى ميزت أزمنة تلك الأجيال القليلة التى أوصلتنا إلى هنا، بغث ذلك الوصول إلى سمينه.
صحيح أن كل أنواع الإبداع التى أشرنا إليها، وتلك التى يحول دون الإشارة إليها ضيق المكان، إنما ولدت من محاولات ومواهب فردية، لا من فولكلورات جماعية من نوع «أدب الشعوب» وما شابه ذلك، لكنها، وفى مجالها، أتت وليدة، ومعبرة عن، تلك الحمية العامة التى راحت تظهر فى المناطق العربية، منذ انقضت الحرب العالمية الأولى وبدأت البلدان العربية تخوض معاركها الاستقلالية تحت ظل المعارك الفكرية، ولا سيما منها تلك الناتجة من استشراء نهضوية نهايات القرن التاسع عشر. ولئن كانت تلك المعارك قد بلغت ذروتها مع ثورة 1919 فى مصر، وبدء حصول البلدان المشرقية على استقلالاتها، وظهور النزعات والجهود الاستقلالية فى البلدان المغاربية، راح الفن، كما راحت شتى صنوف الأدب والفكر، يشعر بمسئوليته وهو يتخلص من العبء العثمانى هنا، والإنجليزى والفرنسى أو الإيطالى هناك، ولكن دون أن يرمى جانبًا تلك المكتسبات «الاستعمارية» التى تجلت فى استلهام حداثة فنية وأدبية وفكرية، عرفت الأجيال الطالعة حينذاك كيف تدمجها فى إبداعاتها، من منظور إنسانى وكونى كان هو من أدخلنا، وأدخل إبداعاتنا، وفى المجالات كافة، زمن العالم. ويقينًا أن ذلك الدخول، على علاته، كان، تاليًا للمواهب الفردية والثقافات النهضوية، العامل المؤسس لتلك الحمية التى عرفت، وفى مجموعها، كيف تخلق ما نسميه اليوم بالعصر الذهبى. وهو ما سوف نعود إليه فى الحلقة المقبلة من هذه السلسلة من المقالات... وذلك بحثًا، بدءًا بالتحديد، عما نعنيه حين نتحدث عن «دخول زمن العالم» من طريق الإبداع بصورة عامة.