المعركة ضد الدولة.. خمسون عامًا من حروب الشرق الأوسط (3 من 3) - إبراهيم العريس - بوابة الشروق
الخميس 10 سبتمبر 2026 7:47 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار تطبيق نظام العمل عن بُعد يوم الأحد في بعض الجهات الحكومية؟

المعركة ضد الدولة.. خمسون عامًا من حروب الشرق الأوسط (3 من 3)

نشر فى : الخميس 10 سبتمبر 2026 - 6:30 م | آخر تحديث : الخميس 10 سبتمبر 2026 - 6:30 م

ما الذى نعنيه فى الحقيقة حين نتحدث عن ثلاثة «أحلام» شرق أوسطية تحيط بالمشروع العربى - الذى لا وجود له إلا فى الخيال على أية حال - وتكاد تسحقه، وبصورة خاصة منذ «مغامرات» الربيع العربى التى هلل لها كثرٌ من دعاة تسليم دفة دول ذلك الشرق الأوسط إلى الإسلام السياسى؟ وربما نعنى بذلك الأفكار التى تراود زعامات، وربما أيضًا، بعض الفئات من «شعوب» ثلاث أمم هى بالتحديد: إيران وتركيا وإسرائيل.

 


ومن هنا يكاد حديثنا يقتصر على الحلم الفارسى والحلم العثمانى والحلم الصهيونى. ونكاد نفترض أنها أحلام قد تكون متناحرة فيما بينها، لكنها فى نهاية الأمر تلتقى على غاية واحدة هى وراثة الحلم العربى الكبير الذى انطلق منذ ما قبل القرن العشرين، ليصل إلى نوع من الموت السريرى مع هزيمة يونيو، ثم غزو صدام حسين للكويت، فحربى الخليج الأولى والثانية. وطبعًا لسنا هنا فى صدد استعادة سرد تاريخى لا يكتفى العرب بأن يعرفوه، بل هم يعانون منه ويرصدون إمعانه فى تدميرهم، وبالتحديد من خلال تلك الأحلام الثلاثة، التى يحاربهم بعضها من الداخل، فيما يفتتهم بعضها الآخر من الداخل والخارج فى آن معًا.
قد تكون الدولة العبرية الأكثر قدرة ورغبة وربما «اضطرارًا» أيضًا إلى خوض لعبة تدمير المقدرات العربية فى صراعات كلاسيكية. ونعنى هنا خاصة تدمير الدول العربية شديدة الهشاشة، التى ما برحت تتركب وتنفرط منذ زوال الإمبراطورية العثمانية، التى كانت - وطوال نحو نصف ألفية من السنين - قد أغنت بلدان المشرق العربى عن خوض تلك التجارب الدولاتية الحداثوية. وذلك لأن إسرائيل لم تتمكن من خلق مجموعات ضغط حقيقية أو ميليشيات تتعاون معها بفاعلية ضد تركيبة الدول العربية المعنية، ومن هنا - وبعد أن «اكتشفت» مؤسساتها أن السلام سيكون عبئًا عليها - اختارت نسف السلطة الفلسطينية التى تكونت بفعل أوسلو، كما أرادها وصاغها ياسر عرفات وعلى خطى مبادرة الرئيس المصرى أنور السادات، ولكن من الداخل، من خلال دعم - إن لم يكن خلق - قوى فلسطينية تعادى السلطة والدولة باسم تصور «دينى» لا يبتعد فى تركيبته الأيديولوجية كثيرًا عما يطرحه اليمين الدينى اليهودى فى إسرائيل. ويقينًا أننا نكتشف من خلال هذا الواقع التاريخى أن إسرائيل وجدت الحل لتحقيق حلمها الكبير؛ حل يقوم على نسف أى دولة عربية ستبدو كنقيض لها، لصالح «دويلة» تشبهها وتتولى عنها مقارعة الدولة الأقل شبهًا بها.
وهو نفس الحال الذى ولد بالتزامن نفسه، وبعد سنوات قليلة من الهزيمة التى أحاقت بالمشروع العربى إثر هزيمة 1967: ويتعلق بـ ولادة الحلم الفارسى بفعل ثورة الخمينى؛ كبديل لرغبة شاه إيران فى جعل بلاده شرطى الشرق الأوسط المهيمن على مقدرات منطقة العواصف الممتدة على المشرق العربى، إذ رأت تلك الثورة أن تحقيق حلمها سيكون أسهل إن هى التجأت إلى تفتيت الدول الناشئة - والمحكومة غالبًا بفضل انقلابات عسكرية لم تعرف أبدًا كيف تحوز شرعيتها الشعبية - تفتيتها عبر استخدام الدين، بل المذهبية و«المظلومية التاريخية» وسيلة توصلها إلى ذلك. ومن هنا لم يكن غريبًا أن تشتغل طهران طوال عقود تالية على خلق ما سوف يُسمى بأذرعها، راكبة موجات مذهبية أسطورية، يقوم عملها الأساسى على مناهضة الحلم العربى، وتحديدًا بتحويله إلى كابوس، وعلى الأقل فى أربعة بلدان شهدنا جميعًا مسئولين إيرانيين يبدون فخرهم بالهيمنة عليها طوال العقود الفائتة: العراق، سوريا، لبنان، وصولاً إلى اليمن، مع محاولات سرعان ما وُئدت فى عدد من البلدان الخليجية التى تضم بين سكانها مجموعات اشتغلت البروباجاندا الإيرانية على سحبها الفكرى من الأطر التى كانت تجعل منها قوى ثورية تغييرية - إلى الأفضل - فى بيئاتها، لضمها إلى أفكار «المظلومية» المذهبية.
ومن ثمّ، وما إن تكوّن الحلم الفارسى متاخمًا للحلم الصهيونى، حتى أسفر الربيع العربى عن ترسخ قوة وفعالية تلك القوى التى وجدت نفسها وريثة للقاعدة والتطرف السنى الذى ولد من تحولات «الرد» على التطرف الشيعى وتحالف الأقليات التى كانت ارتبطت بما سُمى «الربيع العربى»، مستفيدة -على أية حال - من ولادة الحلم العثمانى الذى وجد نفسه ينمو عبر الانتخابات «الديمقراطية»، التى لم تكن فى تركيا أربكان ثم أردوغان سوى انعكاس لترييف المدن، وفشل علمانية أتاتورك فى إكمال مسيرتها إذ وجدت نفسها - كما حال بعض أنحاء العالم العربى - مجبرة على الاختيار بين العسكر والإسلام السياسى، فاختارت الثانى ما ردها إلى الحلم العثمانى. وهذا الحلم بات من الواضح أنه إنما يرتبط - أول ما يرتبط - بالحلول محل الحلم العربى فى مشرقنا الحائر.
ولعل هذا ما يفسر ظهور «داعش» وما يشبهها فى لحظة مفصلية من التاريخ، وما يتحدث به كثرٌ من تحالفات غائرة قامت بين داعش والحرس الثورى الإيرانى تحت رعاية تركية. وطبعًا لا نريد هنا أن نتوقف طويلا عند هذه الأمور السياسية المباشرة؛ فما يهمنا منها هنا هو ذلك التضافر الذى وجد نفسه ينمو بصورة غريبة بين الحلم الفارسى والحلم العثمانى؛ ليسكت الحلمان - عمليًا وليس لفظيًا طبعًا - عن ذاك الذى سبقهما فى إسرائيل، وخلق تفاهمات شديدة الغرابة، لكنها منطقية إن تفحصناها فى عمقها، مع ممثلى الحلمين «الإسلاميين» فى غزة؛ تفاهمات كان جوهرها ضرب الدويلة (السلطة الفلسطينية)، التى - بعد أن وجدت وبدأت تسير شئون الفلسطينيين فى الضفة - وجدت نفسها تُحارَب، ليس فقط من قبل إسرائيل ويمينها المتطرف، بل من قبل تلك المجموعات التى راحت تتراكم فى غزة خاصة، معبرةً - وسط صمت اليمين الصهيونى والدينى - عن تضافر مريب بين ومع الحلمين الآخرين، الفارسى والعثمانى.
واليوم، فى وقت يبدو فيه الحلم الفارسى وقد فقد كثيرًا من زخمه إذ حاول أن يلعب ضد الحلمين الآخرين، ويبدو فيه الحلم العثمانى يتقدم وقد حفظ الدرس وأتقن اللعبة فى مناطق يشعر فيها بسهولة التحرك كوريث للدولة العربية التى لم تتكون فى حقيقة أمرها كما يجب؛ ها هى إسرائيل تلعب لعبتها غير آبهة بالدولة العربية باعتبارها ندًا لها، بعد أن بدأت تخلق من حولها فراغات أمنية وحولت غزة والجنوب اللبنانى إلى صحارى من أطلال تعرف أنها لن يُعاد بناؤها فى زمن منظور. ها هى الأحلام الثلاثة تفُلّ عند مفترق طرق، ولكن فى انتظار زخم يعيد إليها الحياة، إنما بعيدًا عن خشيتها من ولادة حلم عربى نشك فى أنه قد تقوم له قائمة فى المستقبل المنظور.
ومن المؤكد أن هذا يضعنا أمام السؤال الكبير: المشرق العربى إلى أين؟ ومشروع الدولة العربية الذى كان واعدًا فى الخمسينيات والستينيات، إلى أين؟
أى: هل إن الحرب التى شُنت منذ خمسين سنة على مفهوم الدولة العربية، وبكلمات أخرى على الحلم العربى، انتهت بهزيمة تاريخية مدوية؟
ذلكم هو السؤال الأساس الذى لا بد اليوم من طرحه بكل جدية.

إبراهيم العريس إبراهيم العريس
التعليقات