لعل السؤال الذى يطرح نفسه هنا قبل أى سؤال آخر، وفى المجال الذى نتناوله، هو: من حول ماذا تدور تلك الصراعات والمعارك التى يشهد الجيلان الأخيران من المواطنين العرب مجرياتها منذ ما يقرب من خمسين عامًا، أى بعد أن أُغلقت، وبصورة مؤقتة، أبواب الحروب بين الدول والأمم فى ظل تراجع الحرب الباردة وانقسام العالم، تناحريًا، إلى معسكرين؟ ولعل الجواب الغالب الذى يمكن أن يخطر فى البال هنا كنوع من رد أولى على هذا السؤال الذى قد تحتاج الإجابة الوافية عنه إلى مجلدات ومجلدات، هو أنها تدور حول الدولة كمفهوم اعتبره كثر مستوردًا وغير ملائم لنموذج المجتمعات القبلية التى راحت تترسخ بعد انهيار حكم وصيغة الإمبراطورية العثمانية عند بدايات القرن العشرين. ومن هنا، فى مقابل بعض النماذج الدولتية المجتمعية الناجحة والمتجذرة حتى خارج الهيمنة المباشرة للخلافة العثمانية، لكن كذلك خارج إطار الممالك العربية الإسلامية التى بقيت على حدة كأمم صحراوية لم يكن البترول قد اكتُشف فيها بعد لتتحول إلى دول ريعية، (لكن هذا موضوع يخرج عن نطاق اهتمامنا هنا)، فى مقابل تلك النماذج، برزت الدولة على النمط «الغربى»، وتحديدًا فى صياغة تجمع، من خلال ماكيافيللى من ناحية، وتوماس هوبس، من ناحية ثانية، بين شتى الفلسفات التى تحدثت عن الدولة، داعية، وربما بشكل متواصل متوالد من بعضها البعض، إلى استعادة نموذجيها الأكثر قدمًا: النموذج الأفلاطونى، وأكثر منه النموذج الأرسطى.
وربما يكون هوبس الأكثر تعبيرًا عن الحاجة إلى تلك الدولة بالذات حين قال، فى كتابه «المواطن": إن ما من شىء يفضل الدولة فى تسوية كارثة «حرب الكل على الكل» التى نعرف أنه عايشها مباشرة فى مرحلة من حياته صخبت خلالها بريطانيا بالحروب والصراعات الدائرة بدورها حول سؤال: أى أسلوب للحكم نريد؟
وعلى الأقل فى انتظار صياغة أسلوب حكم تبتكره الإنسانية التى تجد نفسها عبر الدولة، أمام نموذج وحيد يمنع الإنسان من أن يكون وحشًا لأخيه الإنسان، وأيضًا هنا بحسب تعبير هوبس نفسه.
والحقيقة أن هوبس، فى هذين التأكيدين بالذات، أقر بأن نموذج الدولة المطروح لا يمكنه أن يكون النموذج المثالى، لكنه دون أدنى ريب يمكنه أن يكون أفضل الموجود فى انتظار ذلك المجهول الذى قد يكون أفضل منه. ونعرف أن الإنسانية لن تتوقف عن البحث عما تتصوره الأفضل، دون أن تعثر عليه. أو بالأحرى، دون أن تعثر على ما يمكنه أن يبدو أقرب إلى الإجماع. ومن هنا راح فريق يتصور أن نموذجه الخاص المطروح هو الأفضل. وعلى ضوء هذا التصور بدا واضحًا أن كل تحرك اعتراضى على ما هو قائم إنما يضحى مقفزًا لأصحاب المشاريع الخاصة من الذين يرون أن الحل ملك يمينهم.
وذلكم بالتأكيد ما حدث خلال السنوات العشر التى فصلت بين انطلاقة ما سمى عندنا بالربيع العربى، واللحظة التى تحول فيها ذلك الربيع إلى شتاء بادى القسوة، ولا سيما بفعل تسلق قوى ركبت اعتراضات الشارع والشبيبة المشروعة التى كانت فى جذور انطلاقات ذلك الربيع، وبخاصة فى دول سرعان ما تبين أنها مفتعلة حقًا، وليس فيها من المفاهيم الدولتية شىء.
صحيح أن أصداء ما سمى بالربيع العربى تفاعلت فى عدد كبير من البلدان العربية وغير العربية، منطلقة من أسس صحيحة وحالات غضب تواكبت مع حراكات شبابية قامت أصلًا لتعترض، لا لتسيطر على الدولة. غير أن المشكلة كمنت فى مكانين: أولهما، لكن ربما أقلهما أهمية، أن الشعار الذى سرعان ما طغى على بقية الشعارات التى كان لا بد لها من أن تُطرح؛ إنما كان ذاك الأكثر تضليلًا وإثارة للغموض: «الشعب يريد إسقاط النظام»، فى خلط لغوى قد يكون مثيرًا للسخرية، لكنه حمل كل أنواع الأخطار؛ لكن الثانى والأكثر خطورة يكمن فى أن الحراك الشبابى الاعتراضى فتح علبة باندورا أمام قوى متربصة وغالبًا مستوردة، استيقظت - هل تراها كانت غافية أصلًا عن ذلك؟! على شعار «الإسلام هو الحل»، الذى حول الدين من سلوك إيمانى أخلاقى يسير الحياة الوجدانية للمؤمن، إلى ماكيافيلية سياسية ربما كان مظهرها الأكثر خطورة استعادة الخلافة العثمانية بعد نحو قرن من خروجها من المناطق العربية، بل حتى من مركز الثقل فيها: تركيا نفسها.
وفى الحالتين راح يبدو أن المطلوب إنما هو الإمعان فى تفكيك البنى الواهية أصلًا التى قامت عليها الدولة العربية فى شتى البلدان التى لم يتسم فيها الحكم بمشروعية إلهية (الممالك سواء كانت بترولية أو غير بترولية)، أو فى تلك التى اكتسبت لنفسها مشروعية تاريخية مؤسسة دولة عميقة (ربما من مزاياها كونها عرفت كيف تتحول عبر العصور إلى رب عمل للغالبية العظمى من المواطنين). وهكذا، فى الأحوال كافة، بدا من الواضح أن العدو المعلن هنا وهناك إنما كان مفهوم الدولة نفسه.
والحرب التى كان بمكن لها أن تستمر طويلًا كحرب للكل على الكل، تحولت إلى معركة ضد ذلك المفهوم نفسه. غير أن المشكلة الأساسية هنا كمنت فى أن المعركة نفسها وجدت ذات لحظة أن لا بد لها من أن تحسم بشكل أو بآخر أو حتى أن تستقر على حال لفترة تطول أو تقصر، ربما تتبدل الغلبة لهذا الطرف أو ذاك.
والخطر هنا هو أن استقرار الوضع على ذلك النحو، حتى وإن كان قد أبقى على الدولة العميقة، ذات المصلحة فى تفكك حتى الدولة الديمقراطية، أعادنا إلى نوع من توزع قبلى أبرز دور العائلات والعصبيات المحلية، على حساب مركزية للدولة لا تؤمنها لا الدولة العميقة ولا الدولة الدينية. وهكذا تحول الربيع العربى إلى مهزلة من ناحية، ومجزرة من ناحية أخرى. وهو ما فتح الباب أمام تلك التدخلات الخارجية التى كان الخشية منها جزءًا من استتباب أدوات القمع الدكتاتورية «الدولتية» التى حالت منذ نيل الاستقلالات دون نشوء الدولة الحديثة الموعودة أو المنتظرة.
ولعل فى مقدورنا منذ الآن أن نلخص تلك التدخلات فى ثلاثة أحلام تفاعلت مع بعضها البعض حينًا أو ضد بعضها البعض حينًا آخر، هى التى سنعود إليها فى القسم المقبل والأخير من هذه «الثلاثية»: الحلم الصهيونى والحلم الفارسى والحلم العثمانى، متسائلين فى طريقنا عن الحلم العربى الذى كان فى مقدوره أن يتصدى لها، وتحديدًا انطلاقًا من الصورة التى بدا الربيع العربى عليها فى لحظاته الأولى.