نحن الأمريكيون فقط وما أنتم إلا ضيوف! - محمد المنشاوي - بوابة الشروق
الخميس 3 سبتمبر 2026 8:41 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

نحن الأمريكيون فقط وما أنتم إلا ضيوف!

نشر فى : الخميس 3 سبتمبر 2026 - 6:55 م | آخر تحديث : الخميس 3 سبتمبر 2026 - 6:55 م

قبل عشرين عامًا، لخص مشهد سينمائى قصير استغرق أقل من دقيقة واحدة معضلة معنى أن تكون أمريكيًا، من خلال التطرق لتعقيدات الهوية الأمريكية والصراع عليها وحولها فى أوضح صورها، وهو الصراع المستمر والملازم لمسيرة الدولة الأمريكية ذاتها منذ تأسيسها قبل 250 عامًا.


عُرض فيلم «الراعى الصالح Good Shepherd» عام 2006، وأخرجه روبرت دى نيرو، الممثل الأمريكى الشهير ذو الأصول الإيطالية الكاثوليكية، ويدور حول مكافحة التجسس فى أوج الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتى فى ستينيات القرن الماضى. ولعب الممثل مات ديمون دور البطولة، متقمصًا شخصية ضابط شديد الالتزام فى وكالة الاستخبارات المركزية، يمثل بصورة أكبر «WASP البروتستانت الأنجلوساكسون البيض»، وهى مجموعة من أصول بريطانية أو شمال أوروبية، وكان لهم التأثير الأكبر على تأسيس الدولة الأمريكية.


وجاء الحوار بين ضابط الاستخبارات وأحد المتعاونين معه من رجال المافيا ذوى الأصول الكوبية على النحو التالى:


جوزيف بالمى: «نحن الإيطاليون، لدينا رابطة العائلات، ولدينا الكنيسة. ولدى الأيرلنديين فكرة الحنين للوطن الأم، ولدى اليهود تقاليدهم القديمة، وحتى السود لديهم موسيقاهم. أنتم البيض: ماذا لديكم أنتم؟» رد ضابط الاستخبارات بهدوء وبرود، قائلًا: «لدينا الولايات المتحدة الأمريكية، وكل الباقين منكم مجرد ضيوف».


ويشرح هذا الحوار القصير أزمة الجذور الثقافية الأمريكية الواقعة بين تيارين أساسيين، الأول مثلته كلمات جوزيف بالمى، ومفادها أن المهاجرين والأقليات لديهم هويات ثقافية ودينية أو جماعية عميقة تجمعهم معًا لتشكل الولايات المتحدة كما نعرفها الآن.
فى حين عبرت كلمات ضابط السى آى إيه عن أن أمريكا أسسها ويملكها الأنجلوسكسون البروتستانت البيض بالأساس، وأن كل الباقين ضيوف على هذه الأمة البيضاء.


• • •
منذ وصول ترامب لسدة الحكم عام 2016، وعودته إلى البيت الأبيض عام 2024، وتبنيه سياسات متشددة تجاه الهجرة والمهاجرين، استدعى رموز وأنصار التيارات القومية البيضاء المسيحية هذا الحوار القصير، وأعادوا نشره وتداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعى كبيان موجز يحسم الجدل حول الهوية الأمريكية. فى الوقت ذاته، انتقد الحوار أنصار التيارات الليبرالية باعتباره شهادة صريحة ومباشرة على فاشية وقومية إثنية مسيحية بيضاء ترغب فى الاستئثار بأمريكا لها وحدها، دون اكتراث بالآخرين.


وهذا التمييز حاضر اليوم، وبشدة، بين منظرين متنافسين يرسمون اللوحة الأمريكية بصورة مغايرة. الأول يرى أن أجداده من البيض البروتستانت أسسوا «الأمة والدولة الأمريكية»، وأن الانتماء الأمريكى الأصيل ليس متساويًا بين الأمريكيين، بل يظل الانتماء الحقيقى لمن شارك فى مهام التأسيس. وعلى النقيض، يرى المنظرون الليبراليون ضرورة المساواة بين كل المواطنين الأمريكيين فى ملكية التجربة الأمريكية المستمرة، ما دام يقبلون بالعقيدة الدستورية، وذلك بغض النظر عن تاريخ وصولهم للأراضى الأمريكية.


• • •
وقد ظهر جدل حوار الفيلم مرارًا فى النقاشات الأخيرة حول الهجرة، والتغيرات الديموغرافية، وفكرة أمريكا كدولة أنجلو-بروتستانتية بيضاء تاريخيًا، بدلًا من كونها أمة متنوعة ينصهر فيها الجميع. وشهد عام 2004 صدور كتاب صموئيل هنتنجتون «من نحن؟»، (كاتب الأشهر «صراع الحضارات»)، وجادل فى هذا الكتاب بأن الثقافة الأنجلو-بروتستانتية الأساسية قد أرست ورسخت الهوية الأمريكية تاريخيًا، وعلى النقيض، فالهجرات الواسعة الأخيرة تهدد بزوال هذه الهوية الأمريكية.


وخلال العقد الأخير، خرج الجدل والنقاش من الدوائر الأكاديمية إلى ماكينات السياسة والانتخابات والتشريعات. ويشهد المجتمع الأمريكى تأطير الصراع حول الهجرة، وشرعيتها، والمواطنة بالولادة، والتغير السكانى المتزايد، ليس فقط كأسئلة قانونية واقتصادية، بل كأسئلة حول هوية الدولة الأمريكية، وكيف يتم تعريف الأمة الأمريكية، ومن هم المالكون الحقيقيون لأمريكا.


• • •
دار حوار الفيلم القصير فى منتصف ستينيات القرن الماضى، ومنذ تلك الفترة، وتحديدًا، تبنت الحكومة الأمريكية سياسات هجرة غيرت تشكيل المشهد السكانى بطريقة دراماتيكية، إذ انتقلت من نظام حصص عنصرى صارم قائم على دول المهاجرين وأصولهم، إلى نظام مفتوح لجميع المهاجرين. وفى عام 1965، وتحت تأثير حركة الحقوق المدنية فى أمريكا، وقع الرئيس ليندون جونسون قانونًا تاريخيًا ألغى تمامًا نظام الحصص القائم على المنشأ القومى والعرق، واستُبدل بنظام الأفضليات، حيث أصبحت التأشيرات تُمنح بناءً على الشهادات العلمية، بغض النظر عن جنسية المهاجر.


وتغير المشهد الأمريكى، ففى عام 1970، كان فقط 5٪ من سكان الولايات المتحدة من المولودين فى الخارج، وارتفعت نسبة المولودين فى الخارج تقريبًا كل عام منذ ذلك الحين، لتصل إلى 15٪ بحلول 2024.


من ناحية أخرى، قبل عام 1965، كان غالبية السكان المولودين فى الخارج من أوروبا. وتغير ذلك بصورة كبيرة، وقفزت نسبة المهاجرين المولودين فى آسيا من 9٪ فى عام 1970 إلى 31% حاليًا، وبلغت نسبة المولودين فى دول أمريكا الجنوبية 51٪ من السكان المولودين فى الخارج، وتراجعت أوروبا إلى 9٪ فقط، وهو انقلاب شبه كامل عن نمط خمسينيات القرن التاسع عشر، عندما كان 92٪ من المهاجرين أوروبيين. ونتج عن ذلك تراجع نسبة الأمريكيين البيض من 87% عام 1970، ليصبح 56% هذا العام.

فى الوقت ذاته، تراجعت نسبة المسيحيين البروتستانت فى أمريكا (البيض، والسود، واللاتين) الذين يمثلون النسبة الأكبر من المسيحيين فى أمريكا، حيث تبلغ نسبتهم عند تأسيس أمريكا عام 1776 حوالى 97% من السكان، لتصل إلى 68% منتصف القرن العشرين، ثم إلى نحو 43% من إجمالى السكان حاليًا، فى حين بلغت نسبة البروتستانت البيض 26% فقط.


• • •
وبالطبع، شهدت الذكرى الـ250 لإعلان الاستقلال الأمريكى سؤالًا متجددًا حول من هم الأمريكيون؟ وهل يجب غلق الباب وبناء الحواجز حول الحدود الأمريكية.


ويشعر بعض اليمينيين الأمريكيين أن إغلاق باب الهجرة سيحمى الثقافة الأمريكية، لكن على العكس، جوهر تلك الثقافة الأمريكية هو الديناميكية والتغيير والإبداع، اللذان لطالما دعمهما تدفق مستمر من القادمين الجدد المجتهدين ذوى الرؤى الجديدة. ولنتذكر أن ما يقرب من نصف أكبر 500 شركة أمريكية تهيمن بها على العالم اليوم أسسها مهاجرون أو أبناؤهم. أمريكا المغلقة ستكون غير أمريكية.

محمد المنشاوي كاتب صحفي متخصص في الشئون الأمريكية، يكتب من واشنطن - للتواصل مع الكاتب: mensh70@gmail.com
التعليقات