نشر موقع 180 مقالا للكاتب عبدالحليم حمود، يوضح فيه التحول العميق فى طرق تشكيل الرأى العام العربى، إذ انتقلت سلطة صناعة الوعى السياسى من المؤسسات التقليدية (مثل القهاوى - الصحيفة - الأحزاب - التليفزيون) إلى الفضاء الرقمى والمنصات الرقمية التى تديرها الخورازميات.. نعرض من المقال ما يلي:
كان للرأى العام مكان. مقعد من قش فى مقهى، صحيفة تتنقل بين يدين، طاولة عليها فناجين كثيرة، جامعة يتجمع طلابها عند الدرج، مقر حزب تفوح منه رائحة التبغ والورق، نقابة، مكتبة، رصيف طويل يصلح للنقاش. وكانت السياسة، قبل أن تصبح محتوى، تحتاج إلى أجساد تجتمع فى مكان واحد.
فى بيروت مثلا، أمكن طوال عقود أن ترسم خريطة سياسية للمدينة انطلاقا من مقاهيها وصحفها وجامعاتها. لكل جريدة قراؤها، ولكل حزب دوائره، ولكل مقهى شخصياته الدائمة. كان الرجل يشترى الصحيفة التى تشبه مزاجه السياسى، ثم يجلس إلى رجل اشترى صحيفة أخرى. هنا تبدأ المشكلة الجميلة: طاولة واحدة وحقيقتان.
• • •
اليوم يستطيع شخصان يعيشان فى البيت نفسه أن يستيقظا داخل عالمين سياسيين مختلفين تماما. يحمل كل واحد منهما هاتفه، يفتح التطبيق نفسه، فتظهر أمام كل منهما بلاد مختلفة، زعماء مختلفون، أخطار مختلفة، أبطال مختلفون، فضائح مختلفة، وأحيانا حرب مختلفة.
الخوارزمية تعرف أن الأول توقف طويلا أمام خطاب سياسى معين، وأن الثانى شاهد مقطعا يسخر من صاحب الخطاب، فتواصل تقديم المادة التى تزيد احتمال بقائهما أمام الشاشة. هكذا جرى تحول بالغ الأهمية فى تاريخ الرأى العام الحديث: انتقلت مساحة واسعة من عملية ترتيب العالم من المؤسسة الإعلامية إلى المنصة.
كان الجمهور، فى المعنى الكلاسيكى، جماعة واسعة تتعرض لمجموعة محدودة نسبيا من الرسائل العامة. نشرة أخبار واحدة يشاهدها مئات الآلاف. عنوان رئيسى تقرؤه مدينة كاملة صباحا. خطاب سياسى يسمعه المؤيد والخصم. حتى الدعاية القديمة كانت تحتاج إلى ساحة مشتركة كى تعمل. أما اليوم فهناك ملايين الساحات الصغيرة، وكل واحدة منها تتشكل فى اللحظة نفسها وفق سلوك صاحبها.
هذا التحول يعيدنا إلى الفكرة التى صاغها يورجن هابرماس حول «المجال العام»، حين درس تاريخ المساحات التى اجتمع فيها المواطنون لمناقشة الشأن المشترك، ووجد فى المقهى والصحافة والصالونات الأوروبية المبكرة جزءا من ولادة الجمهور السياسى الحديث. توسعت الدراسات اللاحقة فى نقد حدود هذا التصور والفئات التى بقيت خارجه، فيما ظلت فكرته المركزية حية: الحياة السياسية تحتاج إلى مساحة مشتركة يتداول الناس داخلها القضايا العامة.
• • •
العالم العربى عرف نسخته الخاصة من تلك المساحة. حملت الصحيفة دورا بالغ الأهمية، ثم جاءت الإذاعة، وبعدها التلفزيون، وصولا إلى الفضائيات. ومع كل وسيط جديد كانت خريطة النفوذ تتغير. ثم جاء الإنترنت وأعطى الفرد قدرة كانت تحتاج سابقا إلى مطبعة أو محطة إرسال. فى البداية بدت الشبكة فضاء واسعا للتحرر من البوابات القديمة. دراسات أكاديمية تناولت المجال العام العربى الإلكترونى منذ بداياته وجدت أن تعليقات القراء والمنتديات والمواقع الإخبارية فتحت مساحات أمام مواطنين عرب للمشاركة فى النقاش العام وتقديم رواياتهم للأحداث ومنافسة سرديات وسائل الإعلام التقليدية. ثم جاءت الانتفاضات العربية عام 2011، فبلغ التفاؤل بالتكنولوجيا ذروته. الهاتف صار كاميرا ومنشورا ودعوة إلى تظاهرة وشهادة على ما يحدث فى الشارع. بدا لبعض الوقت أن المواطن حصل على مطبعته ومحطته التلفزيونية وإذاعته فى جهاز واحد. مرت السنوات، ونضجت التجربة، وظهرت صورة أكثر تركيبا.
هنا دخل إلى السياسة العربية لاعب غريب عن قاموسنا السياسى القديم: الخوارزمية. وهى تعرف شيئا شديد الأهمية: ما الذى يجعل الإنسان يبقى؟ هذه المعرفة تساوى مالا ونفوذا. كل ثانية إضافية يقضيها المستخدم داخل التطبيق تحمل قيمة اقتصادية. لذلك تدخل الأخبار فى منافسة مع الرياضة والطبخ والموسيقى والفضائح والحيوانات الطريفة والحوادث والإعلانات. يصبح مقتل عشرات البشر فى حرب مادة تظهر بين أغنية ووصفة طعام.
الشاشة الصغيرة تضع الوجود كله فى مجرى واحد. الحرب والزفاف والزلزال والنكتة والانتخابات وكأس العالم تصل تباعا تحت ضغط الإبهام نفسه. ويتعلم الدماغ تدريجيا إيقاعا جديدا للسياسة. تحتاج الفكرة إلى سرعة. يحتاج السياسى إلى جملة تصلح للاقتطاع. يحتاج الصحافى إلى عنوان قادر على انتزاع ثانية من انتباه شخص يتعرض لمئات المحفزات يوميا.
الصحافى الذى أمضى أسبوعين فى تحقيق استقصائى ينافس رجلا يفتح الكاميرا الأمامية ويقول بثقة: «سأخبركم بما يحدث فعلا». وكلمة «فعلا» هنا صناعة كاملة. إنها توحى بحقيقة مخفية وصل إليها صاحب الفيديو، وبأن المشاهد أصبح عضوا فى دائرة صغيرة تعرف أكثر من الآخرين. ومن هذه البنية البسيطة ولدت إمبراطوريات من المؤثرين والمعلقين السياسيين. وهذا يعيد تعريف الزعامة. زعيم الأمس كان يحتاج إلى حزب. زعيم اليوم يستطيع أن يبدأ بحساب. الأول يحتاج إلى تنظيم ومكاتب ومندوبين وصحيفة وشبكة علاقات واجتماعات وسنوات طويلة لبناء اسمه. الثانى يبدأ من القدرة على جذب الانتباه. وإذا اجتمع الانتباه مع الغضب أو الفكاهة أو الكاريزما أو الجرأة، يمكن أن يتشكل حول شخص واحد جمهور يفوق جمهور حزب كامل.
• • •
من هنا يمكن فهم ظاهرة المؤثر السياسى، وهى شخصية تقع فى منطقة جديدة بين الصحافى والناشط والخطيب والخبير والصديق الافتراضى. يتحدث من غرفة أو سيارة أو مقهى، فيبدو قريبا من المتلقي. يخطئ ويتلعثم ويضحك ويغضب. هذه الألفة تمنحه رأسمال سياسيا شديد القوة: الثقة الشخصية.
جاءت المنصة وأدخلت انتماء جديدا يصعب رسم حدوده على الخريطة: الجماعة الخوارزمية. شاب من النبطية قد يتشارك عالمه السياسى اليومى مع شاب فى الرباط أو عمّان أو لندن أكثر مما يتشاركه مع جار يسكن فى المبنى أو الطابق نفسه. تجمعهما الحسابات التى يتابعانها والمقاطع التى يشاهدانها والنكات التى يفهمانها والقضايا التى تثير غضبهما.
الجغرافيا السياسية نفسها تتعرض هنا لإعادة تركيب. وفلسطين تقدم المثال العربى الأكثر وضوحا على قوة هذا التحول. خلال حرب غزة أصبحت المعركة على الصورة والمفردة ومدى الوصول جزءا من المعركة على الرواية. المستخدم العربى صار أكثر وعيا بسلطة المنصة على الرؤية والانتشار، وبالطرق التى تستطيع بها آليات الترتيب والإشراف التأثير فى وصول المحتوى إلى الجمهور.
صار الناشط يعرف أن القضية تحتاج أيضا إلى فهم الطريق الذى تسلكه المادة الرقمية. يغيّر كلمة، يضع رمزا، يعيد كتابة العبارة، يختبر توقيت النشر، ويطلب من الآخرين التعليق والمشاركة.
• • •
السياسة هنا تتعلم قواعد توزيع رقمية جديدة. ثم يأتى واتساب، وربما يحمل فى العالم العربى أثرا أعمق مما نمنحه من اهتمام. فيسبوك وإكس وتيك توك ساحات شبه عامة. واتساب يدخل إلى غرفة العائلة. الخبر الذى يصل عبر مجموعة الأسرة يحمل معه ثقة القرابة. والصورة التى يرسلها صديق قديم تأتى محاطة بتاريخ طويل من العلاقة. وهكذا تنتقل المعلومة من المجال الإعلامى إلى المجال الحميم، وتكتسب سلطة مصدرها الإنسان الذى أرسلها.
الخوارزمية تملك قدرة مذهلة على العثور على الأشخاص الذين يشبهونك. وهذه الراحة تحمل أثرا سياسيا عميقا. فالإنسان الذى يسمع طوال الوقت ما يؤكد غضبه يزداد يقينا، واليقين الحاد مادة خصبة للاستقطاب. وكل جماعة تبدأ تدريجيا ببناء قاموسها الخاص وشهدائها وخونتها وخبرائها ومصادرها.
هنا يتحول المجتمع من جمهور مختلف إلى جماهير متجاورة. وتكمن إحدى مفارقات عصرنا فى أن أكبر كمية من المعلومات عرفها البشر جاءت مع صعوبة متزايدة فى بناء واقع مشترك.
ذات صباح، قبل عقود، كان رجل يدخل مقهى بيروتيا، يطلب قهوته، يفتح صحيفة، يقرأ خبرا، ثم يرفع رأسه نحو رجل يعرفه ويسأله: قرأت ماذا حدث؟ كان السؤال يفتح النقاش.
اليوم نستيقظ، نمد أيدينا نحو الهاتف، فنجد جهة ما سبقتنا إلى ترتيب ما حدث: وضعت هذا الخبر أولا، ودفعت بآخر إلى الأسفل، واختارت لنا وجها ومقطعا وغضبا وضحكة وحربا وإعلانا، ثم بدأت تتعلم من حركة أصابعنا أى عالم يجذبنا أكثر.
لذلك قد يصبح السؤال السياسى الأهم فى السنوات المقبلة أسبق من الانتخابات والحكومات والأحزاب: من يقرر ما الذى نراه؟ ومن يرتب ما نراه؟ ومن يصنع الجماعة التى نشعر أننا ننتمى إليها ونحن وحدنا أمام الهاتف؟
فى المقهى كان صاحب المكان يعرف ماذا نشرب. الخوارزمية تعرف ماذا يستوقفنا. وبين المعرفتين انتقلت مساحة هائلة من السلطة.
النص الأصلي: