التكرار وعدم التعلّم - صحافة عربية - بوابة الشروق
الخميس 3 سبتمبر 2026 8:42 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

التكرار وعدم التعلّم

نشر فى : الخميس 3 سبتمبر 2026 - 7:00 م | آخر تحديث : الخميس 3 سبتمبر 2026 - 7:00 م

من أغرب ما يفعله الإنسان أنه قد يعرف الخطأ، ويحفظ نتائجه، ويتألم منه أكثر من مرة، ثم يعود إليه وكأن التجربة السابقة لم تكن كافية.


نعرف أن السهر سيُتعبنا، ثم نسهر. نعرف أن الرد وقت الغضب سيزيد المشكلة، ثم نرد. نعرف أن تأجيل أعمالنا سيضعنا تحت الضغط، ثم نؤجل. نعرف أن هذا الشخص لا يناسبنا، ثم نعود إليه.


فهل الإنسان لا يتعلم؟ الحقيقة أن المعرفة وحدها لا تغيّر السلوك.


أنت قد تعرف نتيجة الفعل بعقلك، بينما يكون سلوكك قد تعلم شيئًا آخر تمامًا بالتكرار

. الأبحاث الحديثة عن العادات تشرح أن السلوك عندما يتكرر فى سياق متشابه، تبدأ روابط تتشكل بين الموقف والاستجابة؛ ومع الوقت قد يصبح مجرد وجود الموقف كافيًا لاستدعاء السلوك المعتاد، حتى من دون قرار واعٍ طويل. وفى تجارب منشورة عام 2024، ارتبط تكرار السلوك بقوة أكبر للروابط بين الإشارة والاستجابة، أى إن الممارسة المتكررة تجعل بعض التصرفات أكثر تلقائية.

 


يقول شخص: «كل مرة أشترى وأنا منزعج أندم آخر الشهر»، لكنه ما إن يمر بيوم سيئ حتى يدخل المتجر الإلكترونى. فى تلك اللحظة لا يكون عقله منشغلًا كثيرًا بالفاتورة التى ستأتى بعد أسبوعين؛ هناك مكافأة أقرب: شىء جديد، انشغال مؤقت، متعة فورية.
وهنا نفهم لماذا تستطيع النتائج القريبة أحيانًا أن تهزم النتائج البعيدة. الإنسان قد يختار ما يريحه الآن رغم معرفته بما سيؤذيه لاحقًا.


ولهذا أيضًا لا يكفى أن تسأل نفسك: «ليش أنا غبى وأكرر الغلط؟».


السؤال الأقوى هو:


ما الذى أحصل عليه لحظة ارتكاب هذا الخطأ؟


قد تكون الإجابة راحة، أو هروبًا من الملل، أو شعورًا بالأمان، أو تجنبًا لمواجهة، أو قبولًا اجتماعيًا، أو متعة لحظية.


الشخص الذى يؤجل مشروعه يعرف أن التأجيل سيؤذيه، لكن تأجيل المهمة يمنحه مكافأة صغيرة وفورية: الهروب من صعوبتها الآن.


وهكذا يصبح الخطأ، رغم ثمنه البعيد، مفيدًا بطريقة ما فى اللحظة التى نرتكبه فيها.


وتضيف دراسات العادات شيئًا مهمًا: السياق له قوة كبيرة. المكان، الوقت، الأشخاص، وحتى ترتيب يومنا قد يعيد تشغيل سلوك قديم. ولهذا قد يقرر الإنسان التغيير عشرات المرات بينما يبقى البيئة نفسها التى كانت تستدعى السلوك القديم. وتشير مراجعات حديثة إلى أن ثبات السياق وتكرار الفعل عاملان أساسيان فى تكوين العادات، وأن تغيير السياق قد يكون أكثر فاعلية من الاعتماد على قوة الإرادة وحدها عندما نحاول تعطيل عادة غير مرغوبة.


والمثير أن تكوين العادات الجديدة ليس قصة «21 يومًا» كما يتكرر شعبيًا. مراجعة منهجية وتحليل نُشرا فى 2024 وشملا 20 دراسة و2601 مشارك أظهرا تفاوتًا كبيرًا بين الأشخاص والسلوكيات؛ بعض الدراسات وجدت متوسطات أو وسطاء تقارب شهرين، بينما تراوح الوصول إلى قدر من التلقائية على نطاق واسع جدًا بين الأفراد.


معنى ذلك أن الشخص الذى يتعثر بعد أسبوعين لم «يفشل». قد يكون ببساطة ما زال فى مرحلة بناء نمط جديد يحتاج إلى تكرار وسياق ثابت.


ولهذا فإن أكبر خطأ فى محاولة تغيير الأخطاء المتكررة هو أن تقول لنفسك:


«المرة الجاية بس أكون أقوى».


لأن «المرة الجاية» غالبًا ستأتى وأنت متعب، أو غاضب، أو مستعجل، أو مشتت؛ وعندها يعود العقل إلى الطريق الأكثر تدريبًا.


الأفضل أن تحدد الموقف قبل أن يأتى.


هناك إستراتيجية سلوكية بحثية معروفة باسم نوايا التنفيذ Implementation Intentions، تقوم على خطة بسيطة من نوع: إذا حدث كذا، فسأفعل كذا. وقد أظهرت الأبحاث أنها تساعد على تحويل النية العامة إلى استجابة أكثر تحديدًا عند حدوث الموقف.

(PubMed)
وهناك أمر آخر أكثر عمقًا: أحيانًا لا نكرر الخطأ نفسه، بل نكرر الطريقة نفسها فى التفكير التى تنتج الخطأ.


نختار الأشخاص بالطريقة نفسها، ثم نستغرب تشابه العلاقات.


ندير المال بالطريقة نفسها، ثم نستغرب تكرار الأزمة.


نتعامل مع الخلاف بالطريقة نفسها، ثم نستغرب النهاية نفسها.


نضع الأهداف بالطريقة نفسها، ثم نستغرب لماذا تبدأ السنة بالحماس وتنتهى بالقائمة القديمة ذاتها.


ولهذا فالتجربة وحدها لا تصنع الحكمة.


قد يمر شخص بعشرين تجربة ولا يتغير، بينما يمر آخر بتجربة واحدة ثم يجلس ويسأل نفسه:


متى بدأت المشكلة؟


ما القرار الذى اتخذته؟


ما العلامة التى تجاهلتها؟


ما المكسب الذى جعلنى أستمر؟


وماذا سأفعل بطريقة مختلفة عندما يتكرر الموقف؟


الأول عاش التجربة.


والثانى تعلّم منها.


والفرق كبير.


لا تجعل هدفك أن تصبح إنسانًا لا يخطئ؛ هذا غير واقعى. اجعل هدفك ألا تدفع الثمن نفسه عشر مرات مقابل الدرس نفسه.


وأقول:
إذا ما غيّرتَ دربَ الأمسِ فى خُطاكَ


فلا تسألْ غدًا لِمَ عادَ ما آذاكَ


فربما السؤال الذى يستحق أن تسأله لنفسك الليلة ليس: «ليش أكرر الخطأ نفسه؟».


بل:
ما الشىء الذى ما زلت أفعله بالطريقة نفسها، ثم أنتظر من الحياة أن تعطينى نتيجة مختلفة؟!

 

نادية الخالدى
جريدة الرأى الكويتية

التعليقات