الغباء العاطفى وموت الآخر - صحافة عربية - بوابة الشروق
الأربعاء 26 أغسطس 2026 8:03 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

الغباء العاطفى وموت الآخر

نشر فى : الأربعاء 26 أغسطس 2026 - 7:05 م | آخر تحديث : الأربعاء 26 أغسطس 2026 - 7:05 م

نشرت جريدة الخليج الإماراتية مقالًا للكاتب أحمد البرقاوى، يعتبر فيه «الغباء العاطفى» نمط أخلاقى وثقافى ينتمى لعالم القيم الشريرة، وقائمًا على تجريد الآخر المختلف (كالمُحتل، والعنصرى، والسلطة المستبدة) من إنسانيته لتبرير الكراهية والعنف ضده، بينما يشير إلى «الذكاء العاطفى» بأنه الممارسة الأخلاقية للحيود عن ذلك عبر الاعتراف بإنسانية الآخر.. نعرض من المقال ما يلى:

 


لست فى معرض قول ما قيل عن الغباء العاطفى بوصفه حالة نفسية بل هو نمط وجود، وعكسه الذكاء العاطفى، وهما مصطلحان مرتبطان، كما أرى، بمفهومى الخير والشر.
يشير مفهوم الذكاء إلى قدرات متعددة عند الإنسان: «المحاكمة العقلية، والاكتشاف، والتلاؤم، وحل المشكلات». وقد اغتنى هذا المفهوم بمفهوم الذكاء العاطفى، بوصفه شكلًا من أشكال الحضور الإنسانى الإيجابى فى العلاقة بالآخر ولهذا فهو ينتمى إلى عالم القيم الإيجابية.
فالذكاء العاطفى هو القدرة على التعاطف، والاحترام، والصداقة، والتعاون، والنجدة، والإيثار؛ وهى قيم يكتسبها الإنسان بالثقافة والتربية والتجربة المعشرية. فالإنسان لا يولد محبًا أو كارهًا بالمعنى القيمى، بل يدخل عالمًا من القيم يتعلم فيه كيف يرى الآخر ويشعر نحوه. ولهذا فالعاطفة ليست مجرد انفعال طبيعى، بل هى أيضًا ثمرة من ثمرات الثقافة.
وعكس الذكاء العاطفى الغباء: الحقد والكراهية والتشفى بعذاب الآخر، والشماتة بمصائبه، واللامبالاة بموته، فهو ينتمى إلى القيم السلبية. غير أن الغباء العاطفى، فى صورته القصوى، ليس مجرد نقص فى التعاطف، بل انقلاب فى سلم القيم: فالألم الذى يجب أن يثير الشفقة يصبح باعثًا على الفرح، والموت الذى يستدعى الحزن مدعاة للشماتة، والمصيبة التى تستدعى النجدة مناسبة للتشفى.
هنا لا نكون أمام غياب القيم فقط، بل أمام القيم الشريرة؛ أى القيم التى تمنح الشر معنى إيجابيًا فى وعى صاحبها: القتل بطولة، والقسوة قوة، والانتقام عدالة، والإذلال انتصار، وموت المختلف مدعاة للسرور. وأخطر ما فى الشر ليس ارتكابه، بل تحوله إلى فضيلة يُفتخر بها.
ويغدو الغباء العاطفى أشد خطرًا حين ينتقل من الفرد إلى الجماعة؛ لأن الجماعة المصابة به لا تعود ترى فى الجماعة الأخرى بشرًا جديرين بالتعاطف، ومن هنا تبدأ عملية موت الآخر.
فالقتل الواقعى للآخر يسبقه قتل رمزى: احتقاره، وتجريده من قيمته، ونزع صفته الإنسانية عنه. وحين يموت الآخر فى الوعى يسهل موته فى الواقع.
والمحتل والعنصرى من أوضح نماذج الغباء العاطفى؛ فكلاهما لا يستطيع ممارسة فعله إلا بعد أن يقتل فى ذاته الشعور بإنسانية الآخر.
فالمحتل، كى يحتل أرض الآخر، يحتاج أولًا إلى صورة تجعل المحتل أقل استحقاقًا للأرض والحرية والحياة. ولهذا فالاحتلال ليس احتلالًا للأرض فقط، بل احتلال للوعى بالقيم الشريرة. أرض الآخر تصبح «أرضى»، ومقاومته لاستعادة حريته تصبح جريمة، فيما يتحول عنف المحتل إلى دفاع عن النفس. وهكذا تنقلب القيم: المعتدى ضحية، والضحية معتدٍ، والاحتلال حق، والتحرر جريمة.
والعنصرى من البنية العاطفية نفسها. فهو لا يرى الإنسان ثم يرى اختلافه، بل يرى الاختلاف فيختفى الإنسان وراءه. يرى اللون أو العرق أو القومية أو الدين أو الأصل، ولا يرى الذات الإنسانية. فالعنصرية، فى جوهرها، إلغاء لفكرة الإنسان الكلى وتقسيم للبشر إلى مراتب فى القيمة.
ويلتقى المحتل والعنصرى فى نزع إنسانية الآخر: الأول يقول إن حقى فى أرضه أعلى من حقه، والثانى يقول إن قيمتى أعلى من قيمته لأن انتمائى أعلى من انتمائه. وكلاهما لا يستطيع ذلك إلا بإلغاء مبدأ المساواة الإنسانية.
غير أن الأخطر هو انتقال الغباء العاطفى من الفرد إلى المؤسسة. فالاحتلال الطويل يحتاج إلى ثقافة تبرره، وخطاب يشرعنه، وذاكرة تمجد آلام الذات وتمحو آلام الآخرين. والعنصرية تحتاج إلى لغة وصور نمطية وحكايات ومؤسسات تعيد إنتاج وهم البشر الأعلى والبشر الأدنى. وعندها تتحول القسوة إلى مؤسسة، والكراهية إلى خطاب، والتمييز إلى ممارسة مستقرة، ويكتسب الشر مظهر العقل والمعقولية.
وأخطر انتصار يحققه المحتل ليس احتلال الأرض، بل إقناع ذاته بأن صاحب الأرض لا يستحقها، وأخطر انتصار تحققه العنصرية ليس التمييز، بل إقناع العنصرى بأن التمييز حق. فالشرير لا يمارس الشر دائمًا، وهو يقول: «أنا شرير». إن أخطر الشرور هو الشر الذى يمارسه صاحبه مقتنعًا بأنه على حق.
والسلطة المستبدة تجد فى الغباء العاطفى ضالتها أيضًا؛ لأنها لا تستطيع أن تحكم مجتمعًا متعاطفًا زمنًا طويلًا، إنها تحتاج إلى إنتاج الكراهية، واختراع العدو، وتقسيم البشر إلى «نحن» و«هم». فالتعاطف يوحّد الضحايا، أما الكراهية فتجعل الضحايا يتقاتلون فيما بينهم.
ولهذا فمقاومة الغباء العاطفى ليست تهذيبًا فرديًا وحسب، بل مسألة أخلاقية وثقافية وسياسية؛ إنها دفاع عن حق الآخر فى أن يكون آخر، وعن حق المختلف فى الحياة، وعن الإنسان بوصفه قيمة لا تتوقف على هويته أو انتمائه أو معتقده.
فالذكاء العاطفى ليس أن تحب من يشبهك، فهذه غريزة الجماعة، بل أن تعترف بإنسانية من لا يشبهك. أما الغباء العاطفى فهو أن تعجز عن رؤية الإنسان فى المختلف، فيتحول اختلافه إلى مبرر لكراهيته، ثم لإيذائه، وربما لقتله.

التعليقات