أزعومة السيادة الوطنية فى الغرب - صحافة عربية - بوابة الشروق
الإثنين 17 أغسطس 2026 7:19 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

أزعومة السيادة الوطنية فى الغرب

نشر فى : الإثنين 17 أغسطس 2026 - 5:50 م | آخر تحديث : الإثنين 17 أغسطس 2026 - 5:50 م

نشرت جريدة الخليج الإماراتية مقالا للكاتب عبد الإله بلقزيز، يوضح فيه أن مفهوم السيادة، الذى نشأ كشرط جوهرى لتأسيس الدولة الوطنية الحديثة منذ معاهدة ويستفاليا (1648)، شهد تحولات تدريجية عبر التاريخ بسبب الاعتماد المتبادل والاتحادات الإقليمية، وصولاً إلى تآكله واضمحلاله فى الواقع المعاصر تحت هيمنة القوى الكبرى (كالولايات المتحدة)، مما جعل السيادة أشبه بـ«أسطورة سياسية» أكثر منها حقيقة قائمة.. نعرض من المقال ما يلى:


أول ما تنعت به الدولة الوطنية الحديثة أنها دولة سيدة على نفسها وعلى أحيازها. السيادة فيها، بلغة المنطق الأرسطى، جوهر لا عرضٌ ولا هى من السمات الفائضة عن حدها مثل القوة أو الغنى أو خلاف ذلك، فلقد تكون الدولة ذات سيادة من غير أن تكون قوية، بالمعنى المادى، ومن غير أن تتوافر لها أسباب الدعة والثراء بالضرورة.


نشأت فكرة السيادة، فى الفكر السياسى والقانونى والفلسفى، مع بودان ثم هوبس فى خواتيم القرن السادس عشر والنصف الأول من القرن السابع عشر، بما هى فيصل لتسوية النزاعات بين الدول الأوروبية -وقد تفاقم أمرها واستفحلت أكثر فى سياق الحروب الدينية- وحملها على إتيان اعترافات متبادلة بينها تصون حدود كياناتها وتمثل ضمانة لها. ثم لم تلبث الفكرة أن انتقلت من فلسفة القانون والسياسة إلى حيز السياسات المطبقة بدءا من نهاية النصف الأول من القرن السابع عشر. هكذا وضعت معاهدة ويستفاليا (1648) نهاية سياسية حاسمة لما يزيد عن مئة عام من الحروب الدينية فى أوروبا، عن طريق تكريسها الاعتراف بحدود الدول القائمة واحترام مبدأ السيادة الوطنية: المبدأ الذى أنجب صيغة الدولة الوطنية فبات معيارا يقاس به وجودها أو انعدامه منذ ذلك الحين وحتى اليوم.


لا يختلف اثنان فى أن الجغرافيات السياسية للدول تحركت وماجت، كمثل الرمال، وتغيرت ملامح ومساحة منذ ويستفاليا حتى اليوم، وهو الأمر المفهوم فى ضوء حقيقة ذلك الامتداد الزمنى الطويل (380 عاما) الفاصل بين ابتداء السيادة وما إليه آلت أحوالها اليوم. كان واضحا أن أظهر أسباب ذلك التبدل فى تلك الجغرافيات ما اندلع من حروب بين الدول فى تلك الحقبة المديدة، وما أسفرت عنه من نتائج مساعدة، فى حالات، على التوسع ودافعة، فى أخرى، إلى الانكماش ويدخل فى جملتها الحروب التى فتحت الباب أمام التوحيد القومى.

هكذا انقرضت دولٌ وامبراطوريات ونشأت أخرى، اتحدت مقاطعات فى دول مركزية وتفتتت دولٌ وتجزأت فانتهت إلى ما يشبه الدويلات... إلخ. مع ذلك، كانت الدول جميعها، والحركات والقوى التى عملت فى أكنافها، تنشد السيادة نشدانا لأنها ضمانتها الوحيدة فى مواجهة عوامل التمزيق والسيطرة.


إذا كانت سيادة دولة تعنى استقلالها، ابتداء، وعدم خضوع قرارها الوطنى السيادى لغير يسيطر عليها ويفرض عليها التبعية له، فاستقلالها ليس يعنى استغناءها المطلق عن غيرها وانتفاء الحاجة إلى ذلك الغير. شرعت هذه الحقيقة تتبدى مع تنامى النظام الرأسمالى العالمى واتساع دائرة المصالح المتولدة من العلاقات داخل نظامه، وبالتحديد مع تداخل تلك المصالح وتشابكها بين الدول وما نشأ من ذلك من حاجات متبادلة بينها حملت على قيام علاقات تعاون بينها ما لبثت، مع الزمن، أن صارت علاقات اعتماد متبادل.


أما مع نشوء اتحادات بين الدول، فصار مفهوم السيادة نسبيا أكثر من ذى قبل فما عاد يعنى ما كان يعنيه فى الماضي، لأن قيام مثل تلك الأطر الجامعة فوق- القومية أو العابرة للقوميات، واجتراح الحد الأدنى بينها فى السياسات والمصالح اقتضى، فى جملة ما اقتضاه، تنازل كل دولة عن جزء قليل من سيادتها من أجل تكوين سيادة عليا جامعة.


تختلف الصورة، اليوم، بل منذ عقود خلت عما كانته قبلا. ما عاد فى إمكان أحد أن يقطع بسيادة أى دولة من الدول الحديثة فى العالم (الغرب تحديدا) أمام تعاظم نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية الكوني، واتساع نطاق تدخلاتها فى سياسات أوروبا والغرب، وأمام ممارستها أساليب الابتزاز والإملاء فى مخاطبتها وصولا إلى التحكم شبه الكلى فى إرادتها: دولا منفردة واتحادا. لا رأى لأوروبا، اليوم، فى شئون العالم إلا ما تراه أمريكا، وعلى الأولى أن تنتظم خيارا تحت سقف الثانية، بل قد لا يكون مسموحا لها حتى أن تستقل برأى فى أمنها الجماعى ومصالحها الاتحادية إن كان لذلك أن يصطدم بمصالح أمريكا.


الحرب على غزة وجرائم الإبادة الجماعية فيها والحرب الروسية ــ الأوكرانية وعجز أوروبا عن التصرف إزاءهما بعيدا من الإملاءات الأمريكية دليلٌ معاصر طرى على اضمحلال سيادة دولها وفقدانها استقلالية قرارها. مرةٌ أخرى ينفضح أمر السيادة، فى نظام الدولة الحديثة، ويماط عنها النقاب لتبدو مثلما هى فعلا: أسطورة من أساطير السياسة.

التعليقات