رحلة المانجو الأخيرة - صفاء عصام الدين - بوابة الشروق
الإثنين 17 أغسطس 2026 7:02 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

رحلة المانجو الأخيرة

نشر فى : الإثنين 17 أغسطس 2026 - 5:50 م | آخر تحديث : الإثنين 17 أغسطس 2026 - 5:50 م

خرجت بسملة ابنة العشر سنوات من بيتها بحثًا عن يومية لا تتجاوز مائة جنيه وثمرة مانجو تشتهيها، دأبت الطفلة على العمل قبل سنوات فى الزراعة، وكان موعدها هذا اليوم مع رحلة قطف المانجو، لكن الرحلة لم تكتمل، وعادت بسملة إلى أسرتها فى كفن، واحتضنها تراب الأرض، ومعها 17 فتاة وشابًا من قرى بلبيس، لقوا حتفهم فى حادث الدواويس، وهم فى طريقهم لقطف المانجو والفول السودانى.


كان من السهل التعامل مع ما جرى باعتباره حادث طريق؛ فتسابقت البيانات الرسمية إلى إعلان التعويضات لأسر الضحايا، وتوالت الأرقام حتى وصلت إلى 300 ألف جنيه، فيما قرر محافظ الشرقية إقامة عزاء جماعى لضحايا الحادث من أبناء قرى طريق وادى الملاك.
لكن مع السباق الإعلامى للعزاء أو التعويضات، غاب أى حديث جاد عن جذور المشكلة، وكيف ولماذا يخرج هؤلاء الأطفال للعمل؟ وتحت أى ظروف بيئية وأمنية؟ ومن المسئول عن سلامة الطرق ووسائل النقل البدائية التى تنقل عمال اليومية؟ أين السياسات الحقيقية التى تحمى الأطفال؟


بسملة ورفاقها الراحلون فى حادث الدواويس والحوادث السابقة ليسوا حالات فردية، لكن واقع أليم توثقه الأرقام، فوفق تقديرات مسح صحة الأسرة المصرية لعام 2021، التى أوردتها اليونيسف، ينخرط نحو 1.3 مليون طفل فى عمل الأطفال، بما يمثل 4.9% من الأطفال فى مصر، ويعد أطفال الريف أكثر عرضة للانخراط فى العمل بمقدار الضعف مقارنة بأطفال الحضر، وفى المقابل، تشير نتائج مسح عمالة الأطفال لعام 2023، وفق ما أوردته منظمة العمل الدولية، إلى تقديرات أعلى إذ بلغ عدد الأطفال المنخرطين فى العمل نحو 4.2 مليون طفل، بينهم نحو 3.7 مليون فى أعمال خطرة أو غير قانونية.


رغم تكرار الحوادث وصدماتها، لم يعلن أى مسئول فى أى جهة عن سياسة جديدة لحماية الأطفال، فاختفى المجلس القومى للطفولة والأمومة، رغم أن حماية الطفل المعرض للخطر ليست مهمة طارئة على أجندته، لكنها مهمة أساسية تستدعى تدخله بوضع سياسات وأطر خاصًة بعد وقوع الكارثة، فلابد من تدخلات وقائية لحماية الأطفال الأكثر عرضة لمخاطر الانخراط فى سوق العمل قبل السن القانونية.


لكن المجلس الغائب لم يغب وحده، فلجان حماية الطفل فى المحافظات يبدو أنها لم تمارس دورها المحدد لها فى القانون الذى أقر بوجود لجنة فى كل محافظة، هل تستطيع كل محافظة أن تقدم تقريرًا يبين عدد الأطفال الذين يخرجون للعمل فى المزارع؟ هل ترصد الأطفال الذين ينقطعون عن التعليم أو يذهبون للعمل الموسمى؟ هل تتعاون مع مفتشى وزارة العمل للوصول إلى هؤلاء الأطفال قبل أن يصبحوا جزءًا من إحصاءات الحوادث؟


يحظر قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 تشغيل الأطفال، مع السماح بتدريب من بلغ 14 عامًا على مهنة أو حرفة، بشرط ألا يعوق التدريب مواصلة التعليم، ووفق الضوابط التى يحددها القانون والقرارات المنظمة، لكن بسملة، ابنة العشر سنوات، لم تكن متدربة على مهنة، أو ضمن برنامج تدريب مهني، وإنما كانت تعمل مقابل يومية.


وبينما يضع القانون إطارًا استثنائيًا للتدريب المهنى يبدأ من سن 14 عامًا وتحيطه بعض الضمانات، فإن طفلة العاشرة ورفاقها من الأطفال يعملون فى المزرعة مقابل أجر دون أن تلتقطهم منظومة الحماية والرقابة قبل أن تنتهى رحلة العمل بكارثة.


واستمرارًا لغياب المؤسسات، اكتفت وزارة العمل بالحديث عن صندوق طوارئ العمالة غير المنتظمة، واختفت أى إجراءات لضمان ظروف عمل لائقة للعمالة الزراعية، أو آلية لتنظيم تشغيل عمال اليومية فى المزارع، بما يضمن تسجيلهم وتأمين انتقالهم إلى أماكن العمل وعودتهم منها سالمين، رغم أن وزارة الزراعة لديها إدارة لإحصاء تكاليف الإنتاج ومن بين مهامها تقدير حجم العمالة الزراعية (حسب النوع والجنس) اللازمة لأداء مختلف العمليات الزراعية لكافة الحاصلات الزراعية الحقلية والبستانية على مستوى محافظات الجمهورية فى المواسم الزراعية المختلفة وتقدير متوسط أجر العامل الزراعى شهريًا.


لكن عمالة الأطفال لا تبدأ من رحلة إلى المزرعة، إنما تنمو مع السياسات الاقتصادية والاجتماعية التى تتراجع فيها قيمة الأجور أمام ارتفاع الأسعار، وتمتد الأزمة لتكلفة التعليم والنقل والاحتياجات الأساسية، فتتحول يومية الطفل من مبلغ إضافى إلى جزء أساسى من دخل الأسرة لا تستطيع الاستغناء عنه. هنا لا يصبح تشغيل الطفل مجرد مخالفة يرتكبها صاحب عمل أو قرارًا تتخذه أسرة، وإنما نتيجة لمسار أوسع من الإفقار والهشاشة الاقتصادية يدفع الأسر الأكثر فقرًا إلى استخدام كل فرد قادر على العمل لتأمين احتياجاتها.


مواجهة عمالة الأطفال لن تنجح بسياسات المنع والرقابة وحدها، بدون التعامل مع الأسباب الاقتصادية التى تدفعهم لسوق العمل، ولنبدأ بتفعيل أدوار لجان الحماية ومفتشى العمل فى المناطق الزراعية، وتوفير نقل آمن ومُنظّم للعمالة الموسمية، وإعادة النظر فى منظومة الدعم التى تتراجع، وفى قيمة معاشات تكافل وكرامة التى يأكلها التضخم. بدون هذه الحلول الهيكلية، ستظل أرقام التعويضات مجرد تكلفة تتحملها الدولة لتشييع الضحايا، بدلاً من أن تكون استثمارًا يحمى حياتهم وتمنع وصول بسملة ورفاقها للرحلة الأخيرة.

كاتبة وصحفية متخصصة فى الشأن السياسى والبرلمانى

 

صفاء عصام الدين كاتبة وصحفية متخصصة في الشأن السياسي والبرلماني
التعليقات