عماد الدين حسين يكتب: رسالة مصر لإثيوبيا: انتهى عهد ضبط النفس - بوابة الشروق
الإثنين 17 أغسطس 2026 7:04 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

عماد الدين حسين يكتب: رسالة مصر لإثيوبيا: انتهى عهد ضبط النفس

الكاتب عماد الدين حسين رئيس تحرير جريدة الشروق
الكاتب عماد الدين حسين رئيس تحرير جريدة الشروق

نشر في: الإثنين 17 أغسطس 2026 - 5:53 م | آخر تحديث: الإثنين 17 أغسطس 2026 - 5:56 م

* القاهرة لن تسمح بفرض أمر واقع، وأدواتها متعددة ومتشعبة.
* مصر أخطرت مجلس الأمن بأنها ستتخذ جميع التدابير لحماية حقوق ومقدرات شعبها في نهر النيل.
* إنشاء 3 سدود جديدة على النيل الأزرق سيحولها إلى محابس تتحكم في تدفق المياه لدولتي المصب.
* إثيوبيا تريد الهيمنة على النيل وتحويله لبحيرة داخلية وإعادة تقسيم المياه للإضرار بحصة مصر.


● كيف ستتصرف مصر إذا شرعت إثيوبيا فعليًا في بناء سدود جديدة على النيل الأزرق أو السيطرة على تدفقات المياه إليها؟.. وماذا لو حدث جفاف ممتد وانخفضت حصة مصر الطبيعية وهي 55 مليار لتر مكعب؟


التطور الأبرز في هذا الملف بعد فترة كمون استمرت نحو ثلاث سنوات، هو ما أعلنه وزير المياه والطاقة الإثيوبية هابتامو إيتفيا قبل يومين، بأن تدفق المياه من نهر النيل الأزرق «أباي» بات خاضعًا للإدارة والتنظيم الإثيوبي عبر منظومة السد.

وفي نفس اليوم، أعلن الوزير الإثيوبي أن اتفاقية الإطار التعاوني لنهر النيل «دخلت حيز التنفيذ منذ يوم الثلاثاء الماضي»، وأن بلاده «ستعترف بالحقوق القانونية لجميع دول حوض النيل وتجعلها خاضعة للتوزيع العادل وبالتساوي»، وبالتالي سيتم إنشاء لجنة حوض نهر النيل التي ستكون مسئولة عن إدارة وحماية نهر النيل.

والأخطر قوله إن الاتفاقية ستصحح التفاوتات القائمة في استخدام مياه النيل، «والترجمة الحرفية لهذه التصريحات هي تقليل حصة مصر والسودان من مياه النيل، حينما يتم تفعيل اتفاقية الإطار التعاوني وإنشاء مفوضية حوض النيل».

علينا أن نتذكر أن وزارة المياه والطاقة الإثيوبية أعلنت رسميًا في 24 مارس الماضي الشروع في إنشاء ثلاثة سدود كهرومائية جديدة على مجرى النيل الأزرق، ضمن مشروعها الذي تطلق عليه «الخطة الرئيسية للطاقة»، بسعة أكثر من مائة مليار متر مكعب لإنتاج 5700 ميجاوات، أي بزيادة قليلة عن سد الألفية الذي يولد 5150 ميجاوات. بل وتم الإعلان عن مناقصات لبناء هذه السدود.

وهذه السدود هي كاراروبّي وماندايا وبيكوآبو، والتنفيذ سوف يستغرق ما بين 4 إلى 7 سنوات. التطور الأخطر ليس مجرد بناء ثلاثة سدود جديدة، وإنما أن إثيوبيا تتحرك في اتجاه تغيير قواعد إدارة حوض النيل نفسه، وبالتالي فالمعركة القادمة ليست فقط السدود، لكن من يضع قواعد إدارة مياه النيل في المستقبل؟

● هذا هو السلوك الإثيوبي، فماذا عن رد الفعل المصري؟


ــ التقدير الحالي أنه لن يكون شبيهًا بأي حال من الأحوال بما حدث في سد الألفية أو النهضة كما يسميه الإثيوبيون أو «سد الخراب» كما يسميه غالبية المصريين الآن.

سألت العديد من المصادر المصرية الرسمية قبل حوالي ثلاثة أسابيع، عن ماهية الرد المصري إذا بدأت إثيوبيا فعلًا بناء سدود جديدة على النيل الأزرق، فلم أتلقَ إجابة شافية أو حاسمة، باستثناء عبارة: «مصر تحتفظ لنفسها بكل الخيارات للدفاع عن حقوقها».

ويوم أمس الأول الأحد كان هناك تطور مهم وملحوظ في الموقف المصري، عبَّر عنه مصدر مسئول في وزارة الري ونقلته «الشروق»، وخلاصته أن التصريحات الأخيرة المنسوبة لوزير المياه والطاقة الإثيوبي، تعكس استمرار أوهام أديس أبابا بإمكانية فرض الهيمنة على نهر دولي مشترك وإخضاعه لإرادة دولة واحدة، وأنها تكشف عن توجه بالغ الخطورة لفرض الأمر الواقع، واحتكار مورد مائي دولي مشترك، واستخدام الموقع الجغرافي لتهديد الحقوق والمصالح المائية لدولتي المصب، وهو الأمر الذي لن تسمح مصر بفرضه كأمر واقع.

المصدر أكد أن مصر سبق أن أعلنت في خطاباتها لمجلس الأمن أنها ستتخذ جميع التدابير المكفولة لها بموجب القانون الدولي لحماية حقوق ومقدرات شعبها في نهر النيل، وأن أدوات الدولة المصرية متعددة ومتشعبة وقادرة على النفاذ والدفاع عن مصالح الشعب المصري في نهر النيل، وأنها لن تقبل ولن تسمح بسيطرة أي أطراف على تدفقات المياه لدول المصب.

هذا ما قاله المصدر المسئول، بدوري سألت العديد من المصادر غير الرسمية في الأيام الماضية، ووفقًا لتقديراتهم ومعلوماتهم، فإن الرسالة المصرية الواضحة والصريحة التي تم نقلها إلى كل الأطراف ذات الصلة بهذا الملف هو أن مصر لن تتحلى بأي قدر من ضبط النفس هذه المرة.

ويكفي ما حدث في تجربة سد الألفية، حيث نجحت إثيوبيا في مسعاها ببناء السد عبر اتباع حيل وأساليب مختلفة، منها الخداع والمماطلة والتسويف والكذب، منذ بداية العمل في السد في أبريل 2011 وحتى تم افتتاحه رسميًا في 9 سبتمبر الماضي.

السؤال المنطقي الذي قد يتبادر إلى ذهن الكثيرين هو: «لماذا التوقع بأن مصر سوف تتصرف بحسم وصرامة ضد أي سدود إثيوبية جديدة في حين أنها لم تفعل ذلك مع السد الأول؟».

الإجابة هي أنه ولأسباب عديدة راهنت مصر بحسن نية على الود والإخوة الإفريقية والوعود الإثيوبية والدولية، خصوصًا الأمريكية في ولاية ترامب الأولى. لكنها توصلت في 19 ديسمبر 2023 إلى نتيجة نهائية مفادها أن المفاوضات مع إثيوبيا وصلت إلى طريق مسدود تمامًا، ما دامت أديس أبابا لا تريد التوصل لاتفاق قانوني وملزم لإدارة وتشغيل السد.

ومن الواضح أن إثيوبيا فهمت الموقف المصري خلال الفترة من 2011 وحتى 2023 بصورة خاطئة، وتعاملت معه وكأننا في حالة ضعف وأن الفرصة مواتية لبناء المزيد من السدود.

وخلال الفترة الماضية جدد وزير الخارجية الدكتور بدر عبدالعاطي موقف مصر الرافض للإجراءات الإثيوبية الأحادية التي لا تعترف بها مصر، وترفض بشكل قاطع اتخاذ أي إجراءات أحادية جديدة على النيل الأزرق، وأن «مصر تحتفظ بحق الدفاع الشرعي عن النفس طبقًا لقواعد القانون الدولي».

عبدالعاطي قال أيضًا إن عمليات حجز المياه دون تنسيق مسبق أسهمت في انخفاض مناسيب نهر النيل، الأمر الذي أثر على جهود الدولة في توفير مياه الشرب للمواطنين، مشيرًا إلى أن «فتح بوابات السد دون إخطار مسبق أدى إلى غرق مناطق في السودان، كما تسبب في اضطرابات في مناسيب المياه داخل مصر».

قبلت مصر على مضض وجود السد الإثيوبي ما دام حقيقة واقعة لتوليد الكهرباء، ويفترض نظريًا أنه لن يحجز أي مياه خلفه.

لكن الخطر الأكبر الآن، كما يقول كل الخبراء، أنه في حال بناء أي سدود جديدة على النيل الأزرق، فسوف تتحول إلى «محابس» تفتح وتغلق وتمرر المياه أو تمنعها كما تشاء إثيوبيا، وسيكون تأثيرها مدمرًا خصوصًا في سنوات الملء أولًا، والجفاف ثانيًا، والأخطر في حالة الجفاف الممتد، والمرحلة الأخيرة الحرجة يقول بعض الخبراء إن بعض مظاهرها بدأت في الظهور في الفترة الأخيرة؛ ولولا أن السد الأول تم تنفيذه في فترة زمنية كان إيراد نهر النيل في أفضل مستوياته منذ سنوات، لشهدت مصر بالأساس فترات من أسوأ فترات الجفاف التي يطلق عليها «السنوات العجاف».

إذا تم تنفيذ هذه السدود الثلاثة إضافة إلى سد النهضة، فسوف تتحول إلى منظومة متتابعة تسمح بالتحكم في تدفقات النهر على امتداد مجراه، بحيث يصبح سد النهضة هو «المحبس الأخير».

الأخطر أن إثيوبيا تتعامل مع النيل الأزرق ليس باعتباره نهرًا دوليًا يخص كل الدول التي ينبع أو يمر أو يصب فيها، ولكن باعتباره «كان نهرًا دوليًا ثم صار بحيرة إثيوبية»، وهذا التعبير قاله بصياغات مختلفة بعض المسئولين الإثيوبيين بعد اكتمال الملء الأول لسد النهضة، في 22 يوليو 2020.

وقالوا أيضًا: «نهر النيل أوفى بوعده وأصبح للإثيوبيين ولا توجد قوة تمنعنا من استكماله».

من حق مصر أن تقلق إذا تم بناء سدود جديدة، لأن ذلك سيمنح إثيوبيا حق توقيت إطلاق المياه وإدارة الفيضانات وإدارة سنوات الجفاف وزيادة فواقد التبخر، لأن كل خزان جديد يضيف مساحة مائية معرضة للتبخر؛ وبسبب كل ما سبق فإن سلسلة السدود طبقًا للخبراء ستقلل مرونة السد العالي، خاصة أثناء سنوات الجفاف الممتد.

● هل أثر السد الإثيوبي على مصر؟


ــ الإجابة نعم بكل تأكيد؛ فلولا هذا السد، ما قامت مصر بالتوسع في محطات تحلية مياه البحر وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي ومشروعات معالجة المياه الكبرى وتطوير نظم الري وتقليل الفاقد ومشروع تبطين الترع.

وكل هذه المشروعات كلفت مصر مئات المليارات من الجنيهات، كان يمكن توجيهها للتنمية أو عدم اقتراضها.

حينما كان يتم سؤال أي مسئول مصري عما ستفعله القاهرة لمواجهة السد أو السدود الإثيوبية غير القانونية، كانت الإجابة تأتي دائمًا بالعبارة الآتية: «حق مصر في استخدام كل الخيارات المتعلقة بحماية الأمن القومي حال حدوث ضرر مائي واضح».

لم تتحدث مصر عن عمل عسكري مباشرة، لكن نتذكر أن الرئيس عبدالفتاح السيسي قال في 18 نوفمبر 2017: «مياه مصر موضوع مفيش فيه كلام، ماحدش يقدر يمس مياه مصر لأنها خط أحمر»..

وقال نصًا في مؤتمر صحفي بقناة السويس بمحافظة الإسماعيلية بعد تعويم السفينة إيفر جيفن في 30 مارس 2021: «لا أحد يستطيع أن يأخذ نقطة مياه واحدة من مصر، وألا سيكون هناك حالة من عدم الاستقرار لا يتخيلها أحد».

وأضاف أيضًا: «أنا مهددتش حد، وعمرنا ما هددنا حد، لكن محدش يقدر يأخذ نقطة مياه من مصري».

يعتقد بعض المصريين أنه كان ينبغي التشدد ضد الإجراءات الإثيوبية منذ البداية، وأنه كان يمكن انتهاز فرصة تعاطف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع مصر، لأنه لم يكن يمانع في توجيه ضربة عسكرية مصرية للسد أثناء العمل فيه، وحاول التوصل لاتفاق خلال ولايته الأولى، لكن إثيوبيا تهربت في اللحظات الأخيرة.

لكن هناك وجهة نظر أخرى تقول إن تصريحات ترامب المتتالية عن سد النهضة ربما كان هدفها توريط مصر في حرب مع إثيوبيا، أو دفعها لصفقة توافق فيها أديس أبابا على اتفاق بشأن سد النهضة مقابل تزويد إسرائيل بالمياه، أو حصول أديس أبابا على ميناء وقاعدة عسكرية في الصومال أو إريتريا. وهي أفكار نفتها العديد من المصادر المصرية بصورة متكررة، وقد سمعتها بنفسي مؤخرًا.

المراقبون يقولون إنه من المستحيل أن تتساهل مصر مع أي سدود إثيوبية جديدة، ليس فقط لأن مياه النيل تشكل 95% من مصادر المياه المصرية، وبالتالي فهي «قضية حياة أو موت»، ولكن لأن إثيوبيا بدأت تتعامل مع مياه النيل الأزرق باعتبارها سلعة تبيعها لمن يدفع، وسلاحًا تستخدمه وقت اللزوم، وتكذب كل يوم بالحديث عما تسميه «مؤامرات حِيكت من قبل إخواننا في مصر لمنع إثيوبيا من الاستفادة من هذه المياه» و«الهيمنة المائية المصرية»، و«الاتفاقات الاستعمارية القديمة البالية» في إشارة إلى الاتفاقيات الدولية التي تنظم حقوق مصر المائية.

وقد رأينا الصلف الإثيوبي منعكسًا في التصريحات المتكررة بضرورة وجود قاعدة لها في الصومال أو إريتريا. وحينما نضع هذا المطلب مع الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال بالمشاركة مع أديس أبابا، يمكن تخمين كيف تخطط إسرائيل وإثيوبيا معًا في القرن الإفريقي وباب المندب.

وبالتالي يمكن أن نتخيل شكل الصراع المقبل في منطقة القرن الإفريقي، فهل ينتبه العرب، خصوصًا الدول المطلة على البحر الأحمر، لأن الهدف هو السيطرة على منابع النيل وعلى جانبي باب المندب من الجهتين، واحدة لإيران والأخرى لإسرائيل وإثيوبيا؟.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك