خط العرض 38 درجة، و47 دقيقة شمالا، خط طول 9 درجات و30 دقيقة غربا.
«هنا تنتهى الأرض، ويبدأ البحر».
مع إحداثيات الموقع المنقوش، عبارة كتبها شاعر برتغالى على شاهد حجرى يحدد آخر نقطة أرض فى أقصى غرب أوروبا مر بها المستكشفون الكبار، وركبوا البحر نحو المجهول الجديد.
لم يعلم أحد حتى انطلقت هذه البعثات، أن الشمس التى تغرب عن هذه النقط، تغرب كذلك عن أرض أخرى أبعد.
كانوا يشكون فى وجود عالم آخر، لكن عالمهم فاض بالمشكلات، وبما تحمله الأيام من تحديات، والعوام من الناس لا يملكون التطلع إلى ما يتطلع له الملوك والنبلاء.
فى حاراتهم وشوارعهم الضيقة، يستهلك العوام طاقتهم فى تفادى عثرات الحياة اليومية، بينما يتطلع الملوك ونبلائهم إلى البحث عن مصادر القوة الجديدة.
كان السباق بين إسبانيا والبرتغال على أشده، فأبحر كولومبوس برعايةٍ إسبانية قبل سنوات قليلة من منافسه البرتغالى فاسكو دى جاما باحثا عن الأرض الجديدة. ظن كولومبوس أن ما وصله هو آسيا، لكنه أخطأ الحسابات. اندفعت البرتغال للعثور على آسيا الحقيقية بتمويل فاسكو دى جاما بسفنه، ليدور حول إفريقيا، حتى وصل الهند. عندها وجّهت إسبانيا كل إمكاناتها لمحاولة الوصول لأرض العالم الجديد فى الأمريكتين .
لم يكن يعلم أى من أسياد أوروبا القدامى فى القرن الخامس عشر والسادس عشر، أن قوتهما فى السيطرة على طرق التجارة إلى زوال، وأن رجلا من أحفاد الألمان المهاجرين على الأرض التى اكتشفوه، سيأتى بعد عدة قرون ليضع العالم القديم رهينة بين يديه، وينشد السيطرة الكاملة على نفس الطرق، وسيطالب قارتهم كما بقية الأصدقاء والحلفاء برسم الحماية بأساطيله وصواريخه الحديثة.
• • •
أخذتنى رحلة الصيف إلى البرتغال. بلاد جبلية قديمة لم أزرها من قبل، وإن عرفت عنها قدرًا لا بأس به من المعلومات. قررت مع أصدقاء، أن نهرب معا إلى بقعة جديدة.
أردت الهرب من منطقتنا التى ضاقت بشعوبها، وارتبطت أيامها بكلمات تخرج من فم رئيس الدولة الأقوى فى العالم، فنحاول كل صباح أن نفسر إذا ما كان يعنى هذه الكلمات أو حتى يعى ما يقوله منها.
أوقفت كل أنواع الإشعارات والتنبيهات على الشاشة التى التصقت بأصابعى، وهربت معهم كى أفقد معهم ولو مؤقتًا تسلسل الأيام.
وقفت أمام الشاهد الحجرى المعروف باسم Cabo da Roca، أو «رأس الصخرة» التى تمثل نهاية العالم القديم وحكى لنا المرشد السياحى المرافق عن قصة المكان الذى كان آخر ما يراه المبحرون نحو المجهول، ثم عادوا وقد تغير العالم الذى عرفوه إلى الأبد.
• • •
تحت وطأة الأيام، وزحام المتطلبات والمسئوليات، لا يلتفت الإنسان إلى المقدمات والإشارات رغم وضوحها لكل ذى عينين.
لم يرَ ملوك إسبانيا وأوروبا من الأرض الموعودة إلا القوة المنتظرة التى ينشدونها، ولم يهتم مواطنوهم إلا بكسرة الخبز، وحصاد الحقول، ودوران حركة الحياة دون تغيير عاصف. تحايلوا على المعايش، وعلى السادة الكبار أصحاب الأرض، و على الكهنة الذين يملكون مفاتيح الغفران.
لم يرَ أحد أن بقاء الحال على ما هو عليه لم يعد ممكنًا، وأن مخاض ميلاد جديد بدأ ولا يمكن إيقاف تفاعلاته.
رغم القرون الفاصلة بين زمنهم وزمننا، وجدت تشابهًا مع ما نمّر به هذه الأيام. قوى تتصارع على شكل المستقبل الذى لا نعرف عن ملامحه إلا القليل، خرائط تتزحزح خطوطها، نظم سياسية تتهاوى، وأخرى تترسخ وتتكيف، شركات عملاقة تلتهم المدخرات فى أسواق المال، وتحولها فى أروقة العلم والابتكار إلى كائنات ذكية افتراضيّة قادرة على فرض مسارات جديدة على البشرية التى اخترعتها.
وبينما يحدث كل ذلك، يغرق كل مجتمع فى همومه، وكل أسرة فى كشف ما يخبئه المستقبل. يخاف الزوج من نظرة أحد الأبناء السائلة لطلب مادى لا يتحمله، وتمارس زوجةٌ فى صمت رياضة التظاهر بعدم القلق من نفقات العام الدراسى القادم.
شاب يبحث عن معالم مستقبله القريب ليسد مطالبه الأساسية، وشاب آخر يحاول إجادة أدوات تطبيقات الذكاء الاصطناعى حتى يروض كائناتها ويتحاشى أثرها على شكل الحياة التى سيعيشها.
عالم جديد يبدأ على انقاض عالم ينتهى، بينما نحن مستهلكون فى لحظتنا الحاضرة.
يراه القادة قوة ونفوذ، ويراه عموم الناس رفاهية لا يقدرون على الالتفات لها.
بالتأكيد سيأتى شاعر ما فى المستقبل ليكتب عبارة جديدة تصف الحال، أو ربما، سيكتبها برنامج ذكاء اصطناعى أو كائن آلى من النوع الذى يبشر به إيلون ماسك هذه الأيام.
ترى، ماذا سيكتب عن نهاية العالم الذى نعرفه وبداية العالم الجديد الذى لا ندركه؟!.