خلد الشاعر اليونانى الأشهر هوميروس، حرب طروادة عبر آلاف الأبيات الشعرية فى ملحمتيه «الإلياذة» و«الأوديسة» اللتين لا تخلوان من حكمة الإغريق ونظرتهم الفلسفية للحياة وما يعتريها من صراع الإنسان مع الطبيعة، جنبا إلى جنب سبر أعماق النفس البشرية بكل شرورها وسوداويتها.
وفى قصص تحفل بالمعارك والأساطير جسدت الإلياذة والأوديسة حروب اليونان مع طروادة عقب اختطاف الملكة هيلينا (زوجة مينلاوس ملك إسبرطة)، على يد الأمير الطروادى باريس، لتندلع الحرب الضارية التى امتدت عشر سنوات قبل أن تنتهى بهزيمة الطرواديين على يد الإغريق بقيادة بطلهم أوديسيوس.
ألهم هوميروس السينمائيين فى صنع أعمال مستوحاة من الحروب الضروس بين اليونانيين وأعدائهم الطرواديين، ومن هذا الدرب جاء فيلم «الأوديسة» للمخرج كريستوفر نولان، الذى أعاد صياغة ملحمة الشاعر الإغريقى الأبرز من مجرد مغامرة أسطورية خيالية إلى مرآة حية تعكس رحلة الإنسان الوجودية وصراعه الأبدى مع الطبيعة والزمن.
على مدى أكثر من ساعتين، لفيلم حقق حتى الأسبوع الرابع من عرضه عائدات تجاوزت 1.1 مليار دولار من أصل تكلفة 250 مليون دولار، مزج نولان بين المتعة البصرية، والعمق الفلسفى كاشفا جوهر الإنسان عندما يتملكه الغرور، قبل أن يسقط فى الهوة السحيقة المدمرة، التى تحطم فى طريقها كل مبدأ أخلاقى، متجاوزا الحد الفاصل بين المسموح والممنوع، قبل أن يعض بنان الندم!
لا تكمن قيمة معالجة نولان لـ«الأوديسة» فى الإبهار البصرى أو المعارك الإخراجية، المصنوعة بإتقان، وإنما فى كيفية تفكيك كبرياء الإنسان ومواجهته لعيوبه.. إنها رحلة نرى فيها أنفسنا، فى أوقات الضعف، ولحظات الانكسار.
يبدأ الفيلم من نقطة النهاية، مع انتصار اليونانيين على طروادة، بخدعة الحصان الخشبى الشهيرة، حيث يقود النجم مات ديمون الرحلة الملحمية بتجسيده شخصية «أوديسيوس»، ملك إيثاكا والقائد الإغريقى الذكى، الذى تحول من قائد مغرور إلى رجل يصارع الطبيعة وقواها العليا فى طريق العودة إلى دياره، مثقلا بموبقات حرب طروادة، فى رحلة استغرقت 10 سنوات من التيه فى البحر.
على الجانب الآخر تقدم النجمة آن هاثاواى دور زوجة أوديسويس المخلصة «بينيلوبى»، التى تمثل الرمز العاطفى والدافع الأساسى لرحلة العودة، بصمودها وصبرها الشديد فى وجه الخطاب من النبلاء الطامعين فى الزواج بها، والاستيلاء على عرش الزوج الغائب، بذريعة موته. يكتمل المثلث العائلى بالنجم توم هولاند الذى يجسد دور الابن الشاب «تليماخوس»، الذى كبر فى غياب والده فيجد نفسه مجبرا على النضج سريعا لحماية والدته.
خلال العودة إلى دياره يخوض أوديسيوس صراعا جبارا مع الوحوش والكائنات الخرافية التى تقضى على محاربيه، قبل أن تقذف به أمواج البحر الهائج والرياح العاتية إلى هذه الجزيرة أو تلك، مواجها العقبة تلو الأخرى، ليحط الرحال أخيرا على أرض مملكته «إيثاكا» فى زى شحاذ بائس، وهنا جوهر العمل الفلسفى الكامن فى جوف «الأوديسة».
عندما يقف الملك، الذى ساد البحار، عند قاع الهرم الاجتماعى، فى زى شحاذ فقير، يتجلى المعنى العميق فى: «إن الرؤية من الأسفل أشد وضوحا». فالسلطة والقوة، تعميان القائد، فلا يرى أقنعة النفاق والتملق أمام صاحب التاج، لكن عندما ارتدى أوديسيوس أسمال الفقر، سقطت الأقنعة عن الجميع.
لدى عودة أوديسيوس إلى بلده متخفيا فى زى شحاذ يلتقى مربيه وخادمه الوفى القديم «يوميوس».. يسأله الأخير عن سبب رضاه بالبقاء فى هذه الهيئة المهينة، فيدور هذا الحوار الفلسفى: -أوديسيوس: «عندما كنت ملكا ارتدى التيجان، كان الجميع ينظرون إلى من الأسفل إلى الأعلى، فلم أكن أرى سوى الأقنعة ووجوه النفاق».
ويتابع: «الآن، وأنا فى قاع الأرض، أرتدى الأسمال وأقف فى الأسفل، فإن الرؤية من هنا أشد وضوحا، لأننى أنظر إلى الأعلى فأرى وجوه البشر على حقيقتها دون تجميل».
رأى أوديسيوس بنفسه جشع النبلاء (الأوغاد) الذين استباحوا قصره، وأقاموا فيه ليل نهار آكلين شاربين بكل صلف وغرور ومغازلين زوجته، وفى المقابل، تيقن من النبل المتجرد لخادمه الوفى «إيوميوس» الذى أكرم الشحاذ الغريب دون تصنع.
«الأوديسة» ليست مجرد حكاية قديمة من الميثولوجيا الإغريقية عن حروب ووحوش أسطورية، صاغها شاعر فحل، بل هى مرآة تفضح أعماق النفس البشرية، وتثبت للإنسان معدن من حوله، ليس وهو فى قمة مجده، بل عندما تجرده الحياة من كل امتياز، فعند القاع تسقط الأقنعة!