مُسافِر برج الدلو - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 1 أكتوبر 2026 8:48 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

إذا كان القرار بيدك بشأن الجهاز الفني لمنتخب مصر.. ماذا تختار؟

مُسافِر برج الدلو

نشر فى : الخميس 1 أكتوبر 2026 - 7:20 م | آخر تحديث : الخميس 1 أكتوبر 2026 - 7:20 م

ساعدنى خبير الأبراج دكتور رئيف رأفت على اكتشاف سبب حبى الكبير للسفر، وقال فى أحد البرامج التى استضافته إن برج الدلو درجة أولى فى السفر لأنه «بيحب السفر واللى بيسافر معاه بينبسط».

وأنا من مواليد برج الدلو، وأحب السفر جدًا لدرجة إن أول رغبة لى فى طفولتى كانت أن أعمل مضيفة بالطيران لأطوف بكل دول العالم، ولم تكن تنافس هذه الرغبة إلا رغبتى فى أن أصبح صانعة إكسسوارت فلدّى بعض المهارة الفنية. ثم تطوّر الأمر لحب الصحافة وأخيرًا انتهيتُ لدراسة العلوم السياسية. ومَن كُتبت عليه خطىً مشاها كما قال أبو العلاء المعرّى. عمومًا لا أظن أنه يوجد أحد لا يحب السفر فالتغيير سنّة الحياة، لكن يبدو أن علاقة برج الدلو بالسفر علاقة متميّزة إلى حد اعتبار أنه البريمو.


• • •
والدلو باعتباره برجًا اجتماعيًا جدًا لا يسافر وحده، فلابد له من رفيق واحد على الأقل يصاحبه فى السفر، وكلما زاد العدد كان ذلك أفضل. ومع تقدّم السّن يضاف لهذا السبب الاجتماعى سبب آخر يتعلّق بالصحة فلا أحد يضمن الظروف.

لكن كما يقول المثل المعروف "اختر الرفيق قبل الطريق"، وبالتالى فمَن هو ياترى ذلك الرفيق الذى يختاره برج الدلو للسفر معه؟. تنصح السيدة هالة حافظ خبيرة الأبراج مواليد برج الدلو قائلة إن أفضل برج يتوافق معهم فى السفر هو برج الميزان، فسفر الدلو مع الميزان يضمن الاستمتاع الكبير للطرفين، ولا مانع من أن يصطحب البرجان معهما برج الجوزاء، ليس فقط لأن "حرام تسيبوه لوحده" كما قالت هى، لكن كذلك لأن برج الجوزاء حاينبسط معانا.

أما الأبراج التى حذرتنا السيدة هالة من السفر معها تحذيرًا باتًا قاطعًا مانعًا فهى برج الثور وبرج الجدى، فالأول لن يكون له هدف لو سافر مع برج الدلو إلا أن يعكنن عليه ويزعجه بسيل من الأسئلة من نوع: لماذا تنفق على هذا النحو؟ أين تذهب؟ لماذا ترفع صوتك؟ وهذا كله عكس طبيعة برج الدلو التى تحب الانطلاق وتكره القيود جدًا إلى حد اعتباره أكثر الأبراج تمردًا، وأنا أتفق مع ذلك تمامًا فالقيود بالنسبة لى لا تطاق.

أيضًا من غير المستحّب لبرج الدلو السفر مع برج الجدى لأنه من حيث تاريخ الميلاد فإن "البرجين فوق رأس بعض"، كما قالت السيدة هالة، فبرج الجدى مواليده من ٢٢ ديسمبر حتى ١٩ يناير، وبعدهم مباشرة يأتى مواليد برج الدلو من ٢٠ يناير حتى ١٨ فبراير.

ممممم.. عرَضت هذه النصيحة على تشات چى پى تى، وسألته هل معنى الكلام ألا أسافر أبدًا مع صديقاتى من برج الثور مثلًا أو الجدي؟ غالبًا أدرك التطبيق الذكى حجم الورطة التى أنا فيها، فلدّى صديقات عزيزات جدًا على قلبى من مواليد هذين البرجين.

ومن باب الشعور بالمسئولية ساعدنى تشات چى پى تى على إيجاد مخرج، فقال إن برجّى الدلو والثور يشتركان فى أنهما لا يحبان النكد، الحمد لله. لكن برج الثور يميل إلى التنظيم، وبالتالى فالضمان لرحلة لطيفة هو ألا يتمادى برج الدلو فى التمرد وأن يتفهّم برج الثور حاجة الدلو للحرية.

فى تلك اللحظة بالتحديد اكتشَفت أن قلقى كان مبالغًا فيه، فأنا أسافر مع زوجى من برج العذراء وهو البرج الذى يمكن إعطاؤه الجائزة الأولى فى التنظيم الدقيق والالتزام الصارم بالمواعيد والدقة الشديدة فى الاهتمام بالترتيبات إلى حد الحسوكة (لا أعرف مصدر هذه الكلمة). وبالتالى فالمتمرد الذى يسافر مع برج العذراء المنضبط جدًا يمكنه أن يسافر مع أى برج أقل منه فى التنظيم.


• • •
حتى هذه اللحظة يدور كل الحديث عن برج الدلو وعن رفاق السفر الذين يتواءمون معه، وهذا حديث فيه بعض الأنانية لأنه لا ينظر للأمر من وجهة النظر الأخرى. ففى الحقيقة يكون مولود برج الدلو فى بعض الأحيان شخصًا لا يُحتمل بسبب غرابة أطواره وتصرفاته المفاجئة غير المتوقعة. ومن ألطف ما ذكرَته خبيرة الأبراج دينا فكرى عن غرابة مولود برج الدلو، أنك بينما تتحدث معه فى أحد الموضوعات إذا به يأخذك لموضوع آخر تمامًا لا علاقة له بمضمون الحديث ويسألك "هو احنا ليه ما بنزرعش شجر موز على الكورنيش؟". فعلى الرغم من أنه لم يسبق لى الاهتمام بزراعة شجر الموز على الكورنيش، لكنى وجدت أن السؤال عن عدم زراعة شجر الموز على الكورنيش له وجاهته، ولا أجده غريبًا أبدًا. ويبدو أننا كمواليد لبرج الدلو لا نشعر أن أطوارنا غريبة إلا عندما ينبهنا الآخرون لذلك.


• • •
فى زيارتى العائلية الأخيرة للمغرب طفتُ بطنچة ومراكش، وفى هاتين المدينتين الساحرتين كما فى مدن مغربية أخرى، يتقدّم عادة إليك قرداتى ليسألك إن كنت تحب التقاط صورة شخصية مع القرد. وفى هذه المرة أيضًا حدث نفس الشيء، ومع أن لى صورى العديدة مع القرود فى المغرب، إلا أننى وجدتها كالعادة فرصة مناسبة للتغيير فمددتُ ذراعى ليجلس عليه القرد المدرّب تدريبًا عاليًا وقد راح يأكل إحدى ثمار المانجو اللذيذة.

دعوتُ زوجى للدخول فى الصورة لكنه استنكر بشدة فعلّقت عليه قائلة: انت غريب جدًا يا أخى. نظر لى ممازحًا ورد: أنا برضه اللى غريب؟!!. فى الحقيقة كان الرجل أمينًا بموقفه مع سلوك برج العذراء الذى يتحسّب لكل الاحتمالات بما فيها انتقال أى مرض من القرد. كما كنت بدورى أمينة مع سلوك برج الدلو الذى لا يعتبر أنه ما عيب إلا العيب، ولا عيب فى أخذ صورة دمها خفيف مع القرد.

إن ما يعتبره برج العذراء شديد الغرابة يبدو عاديًا جدًا لبرج الدلو. الآن فهمت أيضًا لماذا ترددَت كثيرًا صديقتى من مواليد برج السرطان فى التقاط صورة مشتركة وكل مّنا ترتدى ثوبًا ينتمى لفترة الخلافة العثمانية أثناء زيارتنا للسوق المغطّى فى اسطنبول.

فالسرطان يفضّل المتعة الهادئة ويميل إلى الوجهات المطلّة على البحار والأنهار كما قال لى التشات چى پى تى، ولو أننى أعتقد أن صديقتى كانت ستتردد فى كل الأحوال حتى لو كنت قد عرَضت عليها التقاط نفس الصورة على ضفاف البوسفور

. مرة أخرى يبدو أن مقاييس الغرابة تتسّم بالنسبية. أفتح قوسين لأقول إن فى خزانتى صورة التقطتها مع أسرة ابنتى ونحن جميعا بملابس العصور الوسطى فى أحد استوديوهات تورونتو بكندا، مع أننا ننتمى إلى ثلاثة أبراج مختلفة: الجدى والدلو والأسد، وهذا يؤكد أن مواليد كل برج ليسوا دائمًا على قلب رجل واحد.


• • •
يبدو لى كل ما سبق وكأنه نوع من الترف الفكرى المنفصل عن الواقع انفصالًا تامًا، فالحقيقة أن السؤال الذى يطرحه مولود أى برج قبل السفر ليس عن الرفيق المناسب للرحلة وإلى أى برج ينتمي: نارى أم ترابى أم هوائى، لكن السؤال البديهى الذى سيوجهه أى واحد منّا لشركة الطيران هو: سعر التذكرة كام؟

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات