اختيار أمين عام جديد للأمم المتحدة ومستقبل النظام الدولى المتعدد الأطراف - وليد محمود عبد الناصر - بوابة الشروق
الأربعاء 26 أغسطس 2026 8:03 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

اختيار أمين عام جديد للأمم المتحدة ومستقبل النظام الدولى المتعدد الأطراف

نشر فى : الأربعاء 26 أغسطس 2026 - 6:55 م | آخر تحديث : الأربعاء 26 أغسطس 2026 - 6:55 م

لا شك أن عملية انتخاب، أو اختيار، أمين عام جديد للأمم المتحدة تمثل فرصة تتجدد كل عشرة أعوام، باعتبار أن المعتاد فى غالبية الحالات السابقة كان هو التجديد فترة واحدة إضافية لمن يشغل هذا المنصب، وربما كان الاستثناء الوحيد هو الراحل الكبير الدكتور بطرس بطرس غالى، أول أمين عام مصرى وعربى وإفريقى للمنظمة الأممية، للنظر والتأمل ليس فقط فى أحوال المنظمة الدولية، بل وفى أوضاع النظام الدولى متعدد الأطراف برمته، وبالتالى الانطلاق من هناك للتعرف على القضايا والمعضلات المتواجدة على ساحة العلاقات الدولية، التى يكون لها بالتأكيد تأثيرات وانعكاسات وتداعيات على النظام الدولى، ومن ثم على المنظمة الدولية التى جسدت، عند إنشائها فى نهايات الحرب العالمية الثانية عام ١٩٤٥، رغبة وإرادة مشتركة لدى الأطراف المنتصرة فى تلك الحرب لبناء نظام دولى متعدد أطراف قائم على حفظ السلم والأمن الدوليين، ثم ما تم إضافته لاحقًا من مهام ومسئوليات لهذه المنظومة الدولية بشأن تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية واحترام حقوق الإنسان والحفاظ على البيئة وغير ذلك من مهام.

 


ولقد مرت منظومة الأمم المتحدة بتحديات جمة وكثيرة ومتنوعة منذ إنشائها، فما بين إرساء أسس وقواعد نظام دولى متعدد أطراف جديد، ثم المرور بحقبة الحرب الباردة الصعبة التى كادت تقود العالم إلى حرب عالمية ثالثة، خاصة عبر أزمة الصواريخ السوفيتية فى كوبا، كما شهدت تلك الحقبة نشأة وتطور صراعات إقليمية ظلت مع العالم حتى الآن مثل الصراع العربى الإسرائيلى، وفى القلب منه القضية الفلسطينية، والصراع ما بين الصين وتايوان، وكذلك الصراع ما بين الهند وباكستان، ويحب ألا ننسى الحرب الكورية التى أدت إلى حالة توتر دائم حتى الآن بين شطرى شبه الجزيرة الكورية. وبالرغم من عجز الأمم المتحدة حتى الآن عن تسوية هذه الصراعات والحيلولة دون نشوب حروب فى سياقها، فإنها قامت بجهود كبيرة لمحاولة الحد من درجة التصعيد فيها واحتواء اشتعالها وتأثيرها العالمى بقدر ما سمحت به ظروف المنظمة الدولية التى هى فى نهاية الأمر تعكس الإرادة الجمعية للمجتمع الدولى.
وعلى الجانب الآخر، فإن تلك الحقبة من الحرب الباردة شهدت تطورات إيجابية يتعين علينا عدم إغفالها، وكان لمنظومة الأمم المتحدة بصمات بارزة عليها ودور هام فى تحقيقها، وفى المقدمة منها تصفية الاستعمار فى الغالبية العظمى من بلدان الجنوب، وحققت تلك البلدان استقلالها السياسى وسعت أغلبها لتحقيق استقلالها الاقتصادى والثقافى والإعلامى وفى غير ذلك من مجالات، وأعلنت الأمم المتحدة عام ١٩٦٠ «عام إفريقيا» باعتبار أن ١٧ دولة إفريقية حصلت على استقلالها فى هذا العام، كما شرعت المنظمة الدولية فى إصدار إعلانات سياسية لم تخل من مضمون وأثر قانونى بشأن القضاء على الاستعمار، كما كرست منظومة الأمم المتحدة العديد من أنشطتها للقضاء على نظم الفصل العنصرى آنذاك فى جنوب إفريقيا وروديسيا (زيمبابوى الآن)، وإنهاء احتلال جنوب إفريقيا لناميبيا، وفى عقدى السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضى، وأيضًا فى ظل أجواء الحرب الباردة، تبنت منظومة الأمن المتحدة مبادرات تتعلق بإقامة نظام اقتصادى عالمى جديد ونظام إعلامى عالمى جديد فى سياق مسعى لاستكمال مقومات الاستقلال لبلدان العالم الثالث ولبناء أسس نظام دولى أكثر عدلًا وإنصافًا وتوازنًا مما يثبت دعائم السلم والأمن الدوليين.
وعلى مدار تلك العقود الأربعة والنصف تعاقب على منصب أمين عام الأمم المتحدة عدد من الشخصيات ذات الوزن الثقيل، وحاول كل منهم بذل أقصى جهده، وكان لكل منهم نجاحات وإخفاقات، ودفع أحدهم، وهو السويدى «داج همرشولد»، حياته ثمنًا لسعيه الجاد والدءوب لتـأمين استقلال الكونغو كينشاسا (الكونغو الديمقراطية الآن)، بعد أن كان قد لعب دورًا بارزًا ومحوريًا وناجحًا فى التصدى لأزمة وحرب السويس التى تلت إعلان الرئيس المصرى الراحل جمال عبدالناصر تأميم قناة السويس ثم شن بريطانيا وفرنسا وإسرائيل العدوان الثلاثى على مصر.
أما فى زمن ما بعد الحرب الباردة، وبالرغم من توقعات بحدوث حالة انفراج فى النظام الدولى وتسوية الأزمات الكبرى فى العالم بعد انتهاء زمن الثنائية القطبية، وبالرغم من عقد الأمم المتحدة بمبادرة من أمينها العام آنذاك الدكتور بطرس بطرس غالى سلسلة من المؤتمرات الدولية كرس كل منها لموضوع محدد مثل البيئة والمرأة والتنمية الاجتماعية، وبالرغم من توصل المنظمة الدولية إلى اتفاقيات هامة فى مجال نزع السلاح مثل معاهدة حظر الأسلحة الكيماوية ومعاهدة حظر التجارب النووية، وتقديم الدكتور بطرس غالى لوثيقتى «أجندة السلام» و«أجندة التنمية» كأسس لنظام دولى جديد، فإن عقد التسعينيات شهد أزمات وحروبًا إقليمية تزامنت مع وقوع مذابح وعمليات تطهير عرقى فى إقليم البحيرات الكبرى فى إفريقيا، وتحديدًا فى رواندا وبوروندى، وفى البلقان، خاصة فى البوسنة والهرسك، فى أعقاب تفكك يوغوسلافيا السابقة. وعلى الصعيد الاقتصادى، فبالرغم من حالة التطلع على المستوى العالمى إلى مستقبل اقتصادى مبهر ومبهج للإنسانية جمعاء، فسرعان ما حدثت الأزمة المالية الآسيوية فى عام ١٩٩٧، وكان لها تداعيات كارثية سرعان ما توسعت وانتقلت إلى مستوى العالم ككل. وقد عملت الأمم المتحدة على التدخل وتشجيع التدخل الفعال من قبل المجتمع الدولى لحل هذين الصراعين على وجه الخصوص، وبعد تضحيات بشرية ضخمة وخسائر مادية جمة وضياع وقت ثمين وحدوث تدفقات ضخمة للجوء والهجرة هزت العالم بأسره، نجح المجتمع الدولى، من خلال الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسى (الناتو)، فى إنهاء حالة الحرب والتسوية السياسية للنزاعين.
كما جاء تأسيس منظمة التجارة العالمية فى عام ١٩٩٥ ليقلل من الولاية والدور الاقتصاديين للأمم المتحدة، والتى كانت تركز فى مجال دعم جهود التعاون الدولى من أجل التنمية، خاصة لصالح بلدان الجنوب، وبتعزيز دور المنظمات الواقعة خارج حدود منظومة الأمم المتحدة فى عملية اتخاذ القرار فى النظام الاقتصادى والتجارى والنقدى والمالى الدولى، خاصة مؤسسات «بريتون وودز» (صندوق النقد الدولى والبنك الدولى وما يتبعهما من أجهزة)، ومنظمة التجارة العالمية، وجاء هذا التراجع فى دور الأمم المتحدة على هذه الأصعدة متزامنًا مع الفشل فى التوصل إلى معاهدات واتفاقيات دولية فى هذه المجالات، مثل توقف المفاوضات حول التوصل إلى مدونة قواعد السلوك لنقل التكنولوجيا، وحالة التقلص العام التى لحقت بمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الانكتاد) التابع للجمعية العامة للأمم المتحدة، والذى كان بمثابة محفل «الجنوب» وصوته فى القضايا الاقتصادية والتجارية والتمويلية الدولية.
كما لم تكن الألفية الثالثة بأحسن حال من عقد التسعينيات، فبالرغم من تبنى الدول الأعضاء للأمم المتحدة لأهداف التنمية الإنمائية ليتم تحقيقها ما بين عام ٢٠٠٠ و٢٠١٥، وبالرغم من جهود الأمم المتحدة فى العقد الأخير من الألفية الثانية للتصدى بفعالية لمقولات صدام الحضارات من خلال طرح «حوار الحضارات»، فإن الألفية الجديدة بدأت بهجمات ١١ سبتمبر ٢٠٠١ فى الولايات المتحدة الأمريكية، والتى أدت إلى تصعيد لطرح صدام الحضارات، وجعلت مسألة «الحرب على الإرهاب» على قمة أولويات العمل الدولى متعدد الأطراف، وتم استخدامها كمبرر للغزو الأمريكى لأفغانستان فى ٢٠٠١ وللعراق فى ٢٠٠٣، ولم تقف الأمور عند هذا الحد، بل حدثت الأزمة المالية العالمية فى ٢٠٠٨، والتى لم يتعافَ العالم من آثارها الكارثية حتى الآن، ولم تفلح منظومة الأمم المتحدة فى التعامل مع تلك التداعيات ولا جوهر الأزمة، بنفس القدر الذى لم تنجح به فى التعامل الفعال مع تداعيات الانتفاضات والثورات التى حدثت فى عدد من البلدان العربية بدءًا من نهاية عام ٢٠١٠ ووصفها الإعلام الغربى بـ «الربيع العربى»، وإن حاولت، بقدر من النجاح، التعامل مع تدفق اللاجئين من عدد من بلدان المنطقة، إلا أنه على صعيد التسويات السياسية فقد حسمت تطورات داخلية فى تونس ومصر مصير تلك الأحداث، بينما حسم «الناتو» مصيرها فى ليبيا، وتحولت الأحداث فى سوريا إلى حالة من عدم الاستقرار حتى ديسمبر ٢٠٢٤، ولكن حتى بعد ذلك التاريخ فالأوضاع لم تعد إلى طبيعتها، واستمرت حالات التجزئة الفعلية فى اليمن وليبيا، بالإضافة إلى ما تجدد فى السودان من حالة اقتتال أهلى، والانقسام الفعلى فى الصومال، بتدخلات خارجية من أطراف دولية وإقليمية كثيرة فى كل هذه الحالات، وكذلك فشلت الأمم المتحدة فى إطلاق أى مفاوضات جديدة بشأن نزع السلاح على الصعيد الدولى، بل وتعثرت وتجمدت فكرة التوصل إلى أى معاهدات واتفاقيات دولية جديدة فى مختلف المجالات، اللهم إلا فيما ندر.
وفى العقد الثالث من القرن الأول من الألفية الثالثة شهد المجتمع الدولى تحديات متعددة وخطيرة مثلت اختبارات حقيقية وشديدة الجدية لمتانة النظام الدولى متعدد الأطراف، بدأت بجائحة «كوفيد ــ ١٩»، وما مثلته من تهديد جديد للحياة البشرية ومن تـأثير كارثى على الاقتصاد العالمى الذى لم يتعافَ من أزمة ٢٠٠٨ المالية العالمية، ثم نشوب الحرب بين روسيا وأوكرانيا وتداعياتها على إمدادات الغذاء وأسعاره فى العالم، ثم الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة الفلسطينى والدمار والمرار اللذين خلفتهما إقليميًا وعالميًا، وأخيرًا وليس آخرًا الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتداعياتها المأساوية المستمرة على إمدادات الطاقة وحرية الملاحة على الصعيد العالمى، وهى قضايا لم تنجح الأمم المتحدة فى التعامل معها لعدم توافر الإرادة الدولية لتسويتها بشكل نهائى وعادل، وحتى انتهاء الحرب الإسرائيلية على غزة جاء عبر دور أمريكى وإنشاء «مجلس للسلام» برئاسة الرئيس الأمريكى، رأه كثيرون يأتى خصما من رصيد ودور مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة المنوط به مهمة حفظ السلم والأمن الدوليين. كما أن تبنى الدول الأعضاء فى الأمم المتحدة لأهداف التنمية المستدامة ليتم تحقيقها ما بين عامى ٢٠١٦ و٢٠٣٠، لا يبدو أنه سيحقق النجاح المرجو والمأمول، حيث إنه لم يبقَ على فترة انتهاء هذه المدة سوى ثلاثة أعوام وأشهر قليلة والكثير من دول العالم لم تستطع تحقيق الأهداف المستهدفة.
وهكذا يأتى اختيار أمين عام جديد للأمم المتحدة فى توقيت شديد الحساسية والدلالة والخطورة للمجتمع الدولى وللنظام الدولى متعدد الأطراف، ليس لأن أى أمين عام للأمم المتحدة سيكون لديه القدرة على حل أو تسوية أى صراع عالمى بمفرده، وليس لأننا نبالغ فى تعظيم دور الفرد فى التاريخ على حساب الاعتبارات والمعايير الموضوعية، ولكن لأن الخبرة التاريخية والتجربة العملية أثبتتا أن شخصية الأمين العام لها دورها وثقلها ووزنها، حتى مع الإقرار بعدم قدرته وحده على صنع المعجزات بدون الالتزام والاصطفاف والدعم الفعال من الدول الأعضاء فى المنظمة الدولية، خاصة الدول الخمس دائمة العضوية؛ حيث إن هذه الشخصية إذا توافرت فيها روح المبادرة والقدرة على الابتكار والإبداع والتفكير خارج الصندوق، مع الالتزام بالطبع بالشرعية الدولية، وقدر من الشجاعة والجرأة، بدون التغاضى عن أهمية التوازن والإيجابية والحكمة، يمكن أن يكون لها دور هام وتاريخى وفعال فى توجيه بوصلة المنظمة الدولية نحو حل، أو على الأقل حلحلة، العديد من القضايا وتجاوز العديد من التحديات التى تواجه اليوم النظام الدولى المتعدد الأطراف.

وليد محمود عبد الناصر مفكر وكاتب مصرى
التعليقات