كيف انقلب توحّش «آيباك» عليها؟ - محمد المنشاوي - بوابة الشروق
الخميس 13 أغسطس 2026 8:55 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

كيف انقلب توحّش «آيباك» عليها؟

نشر فى : الخميس 13 أغسطس 2026 - 7:45 م | آخر تحديث : الخميس 13 أغسطس 2026 - 7:45 م

بعد اقتراف جنودٍ إسرائيليين بقيادة أرييل شارون مذبحة قبية يومى 14 و15 أكتوبر عام 1953، والتى قُتل فيها 74 مدنيًا فلسطينيًا أغلبهم من النساء والأطفال، وتدمير 45 منزلًا ومدرسة ومسجدًا، أدان مجلس الأمن الدولى المذبحة بالقرار رقم 101 الذى دعمته وصوّتت معه الولايات المتحدة. ثم قامت وزارة الخارجية الأمريكية بتعليق تقديم المساعدات لإسرائيل. ودفع ذلك بالصحفى اليهودى الأمريكى إشعياء كينين لتأسيس «اللجنة الصهيونية الأمريكية للشئون العامة» التى تغير اسمها فى عام 1954 ليصبح «اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشئون العامة - AIPAC آيباك»، بهدف التأثير داخل الولايات المتحدة لمنع أى إدانات أمريكية مستقبلية فى مجلس الأمن لأى شىء تقوم به إسرائيل، ولمنع اتخاذ أى قرارات بشأن وقف المساعدات لإسرائيل، ولدعم علاقات «التحالف الاستراتيجى بين الدولة الإسرائيلية والولايات المتحدة». وسهّل من مهمة «آيباك» الادعاء بأن «إسرائيل هى الديمقراطية» الوحيدة فى الشرق الأوسط، وأن ما يجمع الدولتين هو «إرث قيمى وأخلاقى بالأساس»، وأن «إسرائيل هى الحليف» لواشنطن ضد المد الشيوعى السوفيتى فى وقت مالت فيه الجمهوريات العربية تجاه موسكو.


خلال العقود التالية، أصبحت «آيباك» أكبر منظمات اللوبى اليهودى (وهم بالآلاف) فى الولايات المتحدة، ويراها كثيرون إحدى أكثر الكيانات المتوحشة والمخيفة فى السياسة الأمريكية. وهى آلة نفوذ تمتلك ملايين الدولارات وتؤثر بها بصور مختلفة فى قلب وتفاصيل كل ما يتعلق بالسياسة الأمريكية تجاه إسرائيل والصراع العربى الإسرائيلى فى صورته الأوسع. وأصبح دارجًا فى أروقة واشنطن ودهاليزها الهمس بخطورة «آيباك»، وبإمكاناتها الضخمة التى تمكنها من القضاء على كثير من السياسيين الذين تراهم معادين لأجندتها الداعمة لإسرائيل. وبلغت من القوة ما يسمح لها بالتمتع بنفوذ طاغٍ داخل الحزبين، الجمهورى والديمقراطى، وأصبح العداء لـ «آيباك» بمثابة انتحار سياسى لمن يقدم عليه.


وعملت «آيباك» على تقديم الدعم لمرشحى الحزبين، خاصة من يعملون فى لجان مجلسى الشيوخ والنواب المتعلقة بالميزانية والعلاقات الخارجية والدفاع والاستخبارات. وسهّل من مهمة «آيباك» رفعها سوط تهمة «معاداة السامية» لمهاجمة أى منتقد للسياسات الإسرائيلية، وادعاؤها أنها مؤسسة أمريكية خالصة تهدف لتقوية العلاقات الأمريكية الإسرائيلية لما فى ذلك من خدمة لمصالح واشنطن، بغض النظر عن هوية الرئيس أو هوية حزب الأغلبية فى الكونجرس.


• • •
وحتى عام 2015، استطاعت منظمة «آيباك» النجاح فى الحفاظ على وضعيتها الخاصة فى واشنطن؛ إذ لم يُعرف عنها ميلٌ لأحد الحزبين، الجمهورى أو الديمقراطى، وأصبح حيادها الحزبى مصدر قبول وترحيب من الحزبين.


وجاء أول شقاق كبير بين «آيباك» والحزب الديمقراطى عقب توقيع إدارة الرئيس باراك أوباما الاتفاق النووى مع إيران؛ إذ دفعت «آيباك» بالقيادة الجمهورية للكونجرس لتدعو رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو لإلقاء كلمة أمام جلسة مشتركة للحزبين فيما اعتُبر صفعةً على وجه الرئيس أوباما. ووقفت «آيباك» بوضوح مع سردية نتنياهو المعارضة للاتفاق ضد سردية أوباما، وهو ما شكّل بداية جنوح «آيباك» إلى جانب الحزب الجمهورى، وتراجع دعم «آيباك» للمرشحين الديمقراطيين وإن لم يختفِ.


ومنذ ذلك الحين، ارتبطت «آيباك» ارتباطًا وثيقًا بالليكود الإسرائيلى والحزب الجمهورى فى الوقت ذاته، فى وقت لا يزال فيه أغلب اليهود الأمريكيين ديمقراطيين.


وبعد وصول الرئيس دونالد ترامب الأول (فى ولايته الأولى) للبيت الأبيض، وإلغائه الاتفاق النووى عام 2018، زاد الغضب بين الديمقراطيين، وبرز تيار تقدمى صغير ينتقد إسرائيل بصورة مباشرة من مرشحين وأعضاء جدد فى مجلس النواب، من أبرزهم ألكسندريا أوكاسيو كورتيز، ورشيدة طليب، وإلهان عمر، وجمال بومان، وكورى بوش. ورأت «آيباك» فى هذا التطور تهديدًا استراتيجيًا وجوديًا طويل الأجل، وبالفعل هو كذلك.


وبعدما كانت «آيباك» تمول وتدعم مرشحين موالين ومؤيدين لإسرائيل، شكلت «آيباك» «لجنة عمل سياسى (PAC)» أطلقت عليها اسم «مشروع الديمقراطية المتحدة (UDP)»، مما أتاح لها الإنفاق غير المحدود فى السباقات الانتخابية المحلية وعلى مستوى الولايات والمستوى الوطنى. واستغلت «آيباك» قضايا أخرى غير مرتبطة بإسرائيل مثل حق الإجهاض وحق امتلاك السلاح لمهاجمة مرشحين بعينهم معادين لإسرائيل، دون ربط الحملات ضدهم مباشرة بإسرائيل.


• • •
عقب هجمات حركة حماس على إسرائيل يوم 7 أكتوبر 2023، عاد بصورة مؤقتة الدعم الكامل من الحزبين الديمقراطى والجمهورى لإسرائيل، ولجهود «آيباك». وبعد اقتراف إسرائيل للإبادة الجماعية والمذابح داخل القطاع، بدأ الرأى العام الأمريكى (خاصة بين الشباب دون سن 29 عامًا) فى التغير ليصبح مؤيدًا لحقوق الفلسطينيين. وتشجع الكثير من المشرعين الديمقراطيين على إدانة ما تقوم به إسرائيل دون خوف من رد فعل «آيباك» وغيرها من المنظمات الصهيونية. ودفع ذلك بـ «آيباك» لتضخ ما لا يقل عن 120 مليون دولار فى حملة انتخابات 2024 الخاصة بالكونجرس للإطاحة بأهم منتقدى إسرائيل من الأعضاء الديمقراطيين. ونجحت «آيباك» فى الإطاحة بالعضوين جمال بومان وكورى بوش (كلاهما من الأفارقة الأمريكيين)، وفشلت مع بقية الأعضاء منتقدى إسرائيل. وأدان بومان وبوش «آيباك»، وحمّلاها مسئولية الخسارة بصورة مباشرة وعلنية غير مسبوقة.


وتضاعفت وحشية «آيباك» مع اشتراطها «الدعم الكامل وغير المشروط لإسرائيل» من المرشحين، حتى اليهود منهم المعروفين بالدعم العام لإسرائيل؛ فلم يعد كافيًا أن تعلن دعم إسرائيل فقط، بل عليك أن تعلن دعمها بلا قيود أو شروط لتنال رضا «آيباك»، وإلا تبدأ ضدك حملة تهدف لإسقاطك فى الانتخابات التمهيدية، وهذا ما كان فى حالة النائب من ولاية نيوجيرسى توم مالينوفسكى وسقط، ونائب إلينوى دانيال بيس الذى نجح.


• • •
ومثّل نجاح زهران ممدانى فى انتخابات عمودية (رئاسة بلديّة) مدينة نيويورك - أم مدن أمريكا والعالم ماليًا وإعلاميًا - ومن بعده فوز عبد الله السيد فى انتخابات الديمقراطيين التمهيدية لولاية ميشيجان، أحدث وأهم فصول هزيمة «آيباك» رغم إنفاقها السخى وحملتها على مرشحين أمريكيين مسلمين لم يخجلا من رفضهما العلنى لما تقوم به إسرائيل من إبادة جماعية واعتبارهما «آيباك» بمثابة سرطان فى جسد السياسة الأمريكية يجب التخلص منه. ما يحدث لمنظمة «آيباك» هو حدث استثنائى فى لحظة استثنائية ساهمت «آيباك» نفسها فى خلقها عن غير قصد.

محمد المنشاوي كاتب صحفي متخصص في الشئون الأمريكية، يكتب من واشنطن - للتواصل مع الكاتب: mensh70@gmail.com
التعليقات