حين يصبح المناخ عائقًا أمام التعليم.. أطفال يدفعون ثمن أزمة لم يصنعوها - قضايا عالمية - بوابة الشروق
الأربعاء 30 سبتمبر 2026 8:50 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

إذا كان القرار بيدك بشأن الجهاز الفني لمنتخب مصر.. ماذا تختار؟

حين يصبح المناخ عائقًا أمام التعليم.. أطفال يدفعون ثمن أزمة لم يصنعوها

نشر فى : الأربعاء 30 سبتمبر 2026 - 6:35 م | آخر تحديث : الأربعاء 30 سبتمبر 2026 - 6:35 م

لم تعد أزمة المناخ قضية تتعلق بارتفاع درجات الحرارة أو ذوبان الجليد أو تغيرات الطقس فحسب، بل أصبحت تمس تفاصيل الحياة اليومية لملايين الأطفال حول العالم، حتى حقهم الأساسى فى الذهاب إلى المدرسة والتعلم بأمان. وبينما يواجه بعض الأطفال أخطارًا مناخية تجعل الطريق إلى المدرسة نفسه رحلة محفوفة بالمخاطر، يجد آخرون أن المدرسة التى يفترض أن تكون مكانًا آمنًا للتعلم لم تعد صالحة لذلك بسبب ارتفاع درجات الحرارة.
• • •
فى بابوا غينيا الجديدة، تختصر قصة لورنا، البالغة من العمر 15 عامًا، جانبًا قاسيًا من هذه الأزمة. فالطفلة تضطر إلى السباحة عبر نهر كيمب ويلش فى لاونكالانا، بمنطقة ريجو، للوصول إلى مدرستها، بعدما جرفت الأمطار الغزيرة جسرًا للمشاة كان يمثل وسيلة حيوية للعبور، ولم تتم إعادته. النهر الذى يتعين على لورنا عبوره ليس مجرد مجرى مائى، بل نهر «ممتلئ بالتماسيح»، فى رحلة لا تبدو فيها المدرسة قريبة أو آمنة كما ينبغى أن تكون.
الجسر الذى تتحدث عنه لورنا جرفته المياه عام 2012، ولم يتمكن المجتمع المحلى من جمع الأموال اللازمة لاستبداله. وهكذا، تتداخل مشكلة البنية التحتية مع أزمة المناخ، لتصبح النتيجة طفلًا يفقد جزءًا من تعليمه، ليس لأنه لا يريد الدراسة، ولكن لأنه لا يستطيع الوصول إليها بأمان.
ويشرح مدير مدرسة لورنا، تشارلى فالى ديفيد، حجم الخطر الذى يواجهه الأطفال. ففى موسم الرياح الموسمية، تتسبب «التيارات القوية والأشجار الميتة والحطام» فى سد النهر، ما يؤدى إلى «إصابات ووفيات». كما يمرض كثير من الأطفال بسبب مياه النهر الباردة والملوثة.
لكن إذا كانت قصة لورنا تكشف كيف يمكن للمناخ أن يجعل الوصول إلى المدرسة خطرًا، فإن تجربة الأطفال فى المملكة المتحدة تكشف وجهًا آخر للأزمة: ماذا يحدث عندما يصل الأطفال إلى المدرسة، لكن الحرارة نفسها تجعل التعلم شبه مستحيل؟
• • •
ففى يونيو، تسببت موجة حر شديدة ضربت المملكة المتحدة فى فقدان التلاميذ أكثر من 15 مليون ساعة من وقت الدراسة، بعدما أجبرت درجات الحرارة المرتفعة مئات المدارس على الإغلاق. ووفقًا لدراسة، فقد ما لا يقل عن 760 ألف تلميذ فى إنجلترا وويلز دروسًا بسبب إغلاق المدارس خلال موجة الحر، بينما تجاوزت درجات الحرارة داخل بعض الفصول 40 درجة مئوية، ما أدى إلى معاناة التلاميذ والعاملين من الإجهاد الحرارى والغثيان والصداع.
وتقدم شهادة المعلمين صورة أكثر وضوحًا من الأرقام. تقول جينى كوبر، وهى معلمة وممثلة للسلامة عن الاتحاد الوطنى للتعليم فى لندن وقت موجة الحر: «كان العاملون والتلاميذ يفقدون الوعى، ونُقل أحد زملائى على الأقل إلى قسم الحوادث والطوارئ». ثم تضيف: «يجب أن تكون المدارس أماكن يمكننا فيها التعلم والتدريس بأمان»، محذرة من أن موجات الحر ونقص الاستثمار فى المدارس يعرضان هذا الدور للخطر.
وفى إحدى المدارس الابتدائية، وصفت معلمة بعبارة تختصر التحول من التعليم إلى مجرد محاولة للبقاء: «كان الجميع مستلقين أو جالسين على الأرض، وبجوارهم زجاجات المياه، وهم يتصببون عرقًا ويتأوهون ويشعرون بالتعب»، مع شكاوى من الصداع والغثيان. وتقول المعلمة: «لم يكن هناك تعلم، بل كنا نحاول فقط البقاء على قيد الحياة بأفضل ما نستطيع».
• • •
بين النهر الممتلئ بالتماسيح فى بابوا غينيا الجديدة والفصول التى تجاوزت حرارتها 40 درجة فى المملكة المتحدة، تختلف الظروف، لكن النتيجة تقترب من بعضها: المناخ يفرض نفسه على حق الطفل فى التعليم. ففى الحالة الأولى، يهدد الطريق إلى المدرسة سلامة الأطفال، وفى الثانية، تهدد الحرارة قدرتهم على البقاء داخل الفصل والتعلم.
وتكشف الأرقام أن الأمر لا يتعلق بحالات منفردة. فقد وجد تقرير مخاطر المناخ على الأطفال أن جميع الأطفال تقريبًا فى مختلف أنحاء العالم، بمن فيهم الأطفال فى البلدان مرتفعة الدخل، يتعرضون الآن لخطر مناخى واحد على الأقل، بينما يتعرض 123 ألف طفل لأكثر من ستة مخاطر منها خلال حياتهم.
وحللت اليونيسف تعرض الأطفال لثمانية مخاطر مناخية، تشمل الفيضانات الساحلية والجفاف والحرارة الشديدة والحرائق وموجات الحر وفيضانات الأنهار والعواصف الرملية والترابية والعواصف الاستوائية. ووفقًا للتقرير، يواجه أكثر من مليار طفل ثلاثة مخاطر مناخية على الأقل فى الوقت نفسه.
وفى منطقة الساحل الإفريقى، يواجه أكثر من 4 ملايين طفل التهديد الثلاثى المتمثل فى موجات الحر والحرارة الشديدة والعواصف الرملية والترابية. أما فى آسيا، فقد تبين أن الأطفال فى دول مثل بنجلاديش وميانمار وباكستان يتعرضون لمخاطر مناخية أكثر من أى مكان آخر فى العالم. وحتى البلدان مرتفعة الدخل ليست بمنأى عن هذه الصدمات؛ ففى إيطاليا، مثلًا، يتعرض أكثر من 6 ملايين طفل لموجات حر طويلة الأمد وللجفاف.
ولا تتوقف المشكلة عند ساعات الدراسة التى تضيع. فبحسب الخبراء، يمكن لهذا الاضطراب فى المدارس أن يؤثر بصورة كبيرة فى تعليم الأطفال ورفاههم والمجتمع الأوسع، ولا سيما الأطفال من الخلفيات الأكثر فقرًا. وتقول نيكولا جراي، من جامعة هدرسفيلد، إن أيام الدراسة المفقودة قد تترتب عليها تكاليف باهظة، «من انخفاض نتائج الامتحانات إلى تدهور الصحة النفسية».
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن المدرسة لا تقدم التعليم وحده. فهى، كما توضح جراى، توفر «خدمات اجتماعية أساسية، وروابط اجتماعية، والتغذية» من خلال الوجبات المدرسية المجانية. ومن ثم، فإن تعطيل الدراسة لا يعنى فقط فقدان درس أو يوم دراسى، بل يمكن أن يعنى فقدان الطفل جزءًا من شبكة الخدمات والدعم التى يعتمد عليها.
• • •
هنا تبرز المفارقة الأكبر: الأطفال الذين لم يتسببوا فى أزمة المناخ هم الذين يواجهون بعضًا من آثارها اليومية الأكثر مباشرة. طفلة فى بابوا غينيا الجديدة تريد جسرًا حتى تتمكن من الذهاب إلى المدرسة بأمان، وأطفال فى بريطانيا لا يستطيعون التعلم لأن الحرارة داخل فصولهم أصبحت مرهقة وخطرة. وبين القصتين، تظهر أزمة أوسع تتجاوز الطقس نفسه، لتصل إلى البنية التحتية والتعليم والصحة والمساواة.
وتدعو اليونيسف الحكومات والشركات إلى خفض الانبعاثات وتحسين القدرة على التكيف مع تغير المناخ، مع التركيز على الخدمات التى يعتمد عليها الأطفال. وتقول كاثرين راسل، المديرة التنفيذية لليونيسف: «عندما نعزز أنظمة الصحة والتعليم، ونحسن البنية التحتية مع وضع الأطفال فى الاعتبار، فإننا نحميهم من تهديدات المناخ الحالية ونساعد على تأمين مستقبلهم».
ففى النهاية، لا تبدو أزمة المناخ بالنسبة إلى هؤلاء الأطفال قضية مستقبلية بعيدة. إنها نهر يعترض طريقهم، وجسر جرفته المياه، وفصل دراسى ترتفع حرارته إلى أكثر من 40 درجة، ويوم دراسى يضيع، وطفولة تتغير تفاصيلها تحت وطأة أزمة عالمية. وإذا كان التعليم حقًا أساسيًا، فإن حمايته من آثار المناخ لا تبدو مسألة منفصلة عن مواجهة الأزمة، بل جزءًا من حماية الأطفال أنفسهم.


إعداد/ يارا حسن


المصادر:


•The Guardian:
1. https://tinyurl.com/2zthwpje
2. https://tinyurl.com/y3d88e4y

قضايا عالمية قضايا عالمية
التعليقات