مفاوضات أمريكية إيرانية محمومة.. الرقص على حافة الحرب - قضايا عالمية - بوابة الشروق
الأربعاء 4 نوفمبر 2026 8:13 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اقتصار الدراسة بالمدارس على الفترة الصباحية؟ -

مفاوضات أمريكية إيرانية محمومة.. الرقص على حافة الحرب

نشر فى : الأربعاء 4 نوفمبر 2026 - 7:05 م | آخر تحديث : الأربعاء 4 نوفمبر 2026 - 7:05 م

نشر موقع 180 مقالًا للكاتب محمد صالح صدقيان، يؤكد فيه فشل هدف «تغيير النظام» الإيرانى عن طريق الضربات العسكرية والضغوط وتحوله إلى محاولة «احتواء»، وسط وصول المفاوضات الأمريكية - الإيرانية إلى طريق مسدود، بسبب التعارض الجذرى بين استراتيجيتى الطرفين فى التفاوض.. نعرض من المقال ما يلى:

فى اللحظة التى كانت فيها واشنطن وتل أبيب تراهنان على أن الضربات العسكرية ستُحدث شرخًا قاتلًا فى بنية النظام الإيرانى، صمدت طهران. لم تسقط، ولم تنهَرْ مؤسساتها الأمنية والعسكرية والسياسية، ولم تتحول الاحتجاجات الداخلية إلى انتفاضة تطيح بالنظام، كما كان يُخطط له فى بعض الغرف المغلقة.

بعد أشهر من حرب الأيام الاثنى عشر (2025) وما تلاها من تصعيد وصولًا إلى حرب 28 فبراير 2026 المستمرة حتى يومنا هذا، ولو بوتائر مختلفة، بات واضحًا أن مشروع «تغيير النظام» قد فشل فى تحقيق هدفه الأقصى، لتتحول المعادلة من محاولة إسقاط النظام إلى محاولة احتوائه.

وقد شهدت الأيام الأخيرة، حركة تفاوضية محمومة بين طهران وواشنطن، تعددت مسارحها، لكن العاصمة القطرية كانت الأكثر نشاطًا وحضورًا، تتشارك معها فى المساعى الدبلوماسية، عواصم عدة، لعل أبرزها مسقط وموسكو وبكين وإسلام آباد.

وفى الساعات الأخيرة، عاد المفاوض الإيرانى مجيد تخت روانجى، من الدوحة إلى طهران من دون تحقيق اختراق كبير فى المفاوضات المستعصية التى تخوضها طهران مع واشنطن، على خلفية الرسالة التى أرسلها جى. دى. فانس، نائب الرئيس الأمريكى، إلى أمين مجلس الأمن القومى الإيرانى الجنرال محسن رضائى، والتى اقترح فيها استئناف المفاوضات مع طهران فى إطار جديد، للحصول على موافقة الرئيس دونالد ترامب والعدول عن مهاجمة إيران، كما قال فانس.

• • •

الرسالة التى تسلّمتها طهران تحمل الكثير من الدلالات؛ وأولها لماذا أُرسلت إلى رضائى ولم تُرسل إلى كبير المفاوضين رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الذى التقاه فانس فى إسلام آباد ثم فى سويسرا واتفق معه على مضمون «مذكرة التفاهم» التى وقّع عليها الرئيسان الإيرانى مسعود بزشكيان والأمريكى دونالد ترامب؟ أما ثانى الدلالات فيتعلق بالتوقيت؛ ماذا يعنى أن يُوجّه نائب الرئيس الأمريكى مثل هذه الرسالة عشية الانتخابات النصفية الأمريكية، خصوصًا أن جميع التكهنات كانت تشى حتى الأمس القريب ببدء العد العكسى لشن الهجوم الأمريكى ضد إيران؟ وثالث الدلالات يتعلق باللغة التى تضمنتها الرسالة والتى قال عنها رضائى بأنها كانت تحمل نبرة جديدة من جانب الأمريكيين. رابع الدلالات يتصل باختيار الدوحة قناة لتوجيه الرسالة لطهران. خامس الدلالات هو إصرار الأمريكيين على تحقيق "إنجاز ما" فى الملف النووى الإيرانى.

واستنادًا إلى مصادر مواكبة، فإن طهران ردّت بعد خمسة أيام على الرسالة التى تسلّمتها من الوسيط القطرى. وحسب المصادر ذاتها، فإن فانس اقترح إجراء مفاوضات «مباشرة» بين الجانبين لتسوية النزاع بشكل أسرع، على أن يكون الملف النووى الإيرانى على طاولة المفاوضات التى وُضع لها سقف زمنى، لتبدأ الإثنين الماضى فى الدوحة. وتقول طهران إنها تعاملت بإيجابية مع الرسالة المذكورة، وتمت مناقشتها على مستويات رفيعة فى النظام، وتحديدًا من قبل المجلس الأعلى للأمن القومى، الذى يرأسه الرئيس بزشكيان، ويضم فى عضويته كبار القادة العسكريين والأمنيين والمسئولين السياسيين.

لم تكتفِ طهران بذلك، بل أرسلت المفاوض مجيد تخت روانجى إلى الدوحة لمتابعة المشاورات مع الوسيط القطرى، الذى كان على اتصال دائم مع واشنطن، سواء فى طهران أو الدوحة.

لكن اللافت للانتباه أن الاجتماع بين طهران وواشنطن لم يُعقد كما كان مقررًا الإثنين الماضى، بسبب تعنّت الجانب الأمريكى وإصراره على تنفيذ طهران التزاماتها بفتح مضيق هرمز، والقبول بتحويل كمية اليورانيوم المخصّب بنسبة مرتفعة، قبل أى شيء آخر. وتزامن هذا الإصرار مع دخول صينى وروسى استثنائى على ملف المفاوضات، وكان لافتًا للانتباه الاتصال الذى جرى بين الرئيس الروسى فلاديمير بوتين والجنرال رضائى، فيما كان وزير الخارجية الصينى وانج يى يُبلّغ نائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومى الإيرانى، على باقرى كنى، دعم بلاده لطهران فى حماية سيادتها وأمنها. وجاء اللقاء بعد ساعات قليلة من وصول سلطان عُمان هيثم بن طارق إلى الصين.

• • •

وهذه ليست المرة الأولى التى تفشل فيها المفاوضات. فقد فشلت عام 2025، عندما أعطى الرئيس ترامب الضوء الأخضر لنتنياهو، فى 12 يونيو، لشن هجوم على إيران قبل ساعات من موعد الجولة السادسة التى كان من المقرر عقدها فى سلطنة عُمان. وفشلت مرة أخرى بعد تعثّر المفاوضات التى قادها وزير الخارجية العُمانى بدر البوسعيدى فى مسقط وجنيف، لكنها اصطدمت بقرار كان قد اتخذه ترامب مع نتنياهو بشن حرب فى 28 فبراير الماضى، أى بعد يومين من اجتماع جنيف التفاوضى! ومرة ثالثة، عندما قرر ترامب إنهاء العمل بمذكرة التفاهم التى وقّعها مع نظيره الإيرانى، فى 17 يونيو الماضى. أما المرة الرابعة، فهى الراهنة، وذلك فى أعقاب رفض ترامب النتائج التى توصل إليها الوسيط القطرى، الذى ضغط على المفاوض الإيرانى لتقديم تنازلات بغية تجنّب الحرب التى يُلوّح بشنها الرئيس ترامب.

والحقيقة أن هناك مسارين وتصورين مختلفين فى المفاوضات؛ أحدهما تلتزم به طهران، والآخر تلتزم به واشنطن، وهما مختلفان ويسيران فى اتجاهين متعاكسين فى المضمون والإدراك والاتجاه.

الأول؛ يريدها مفاوضات تستند إلى إطار تفاوضى دبلوماسى، يناقش تفاصيل القضايا الشائكة من أجل التوصل إلى حل جميع القضايا واحدة تلو الأخرى؛ والثانى يريدها «شعبوية»، ووضع لها مفاوضًا يعمل فى تطوير العقارات، ويعمل وفق قاعدة «Take it or leave it»، أى «إما أن تقبل بها أو ترفضها»، من دون مناقشة!

وجرت عادة الإيرانيين ألا يقبلوا لا بهذه اللغة ولا بهذا النوع من التفاوض؛ وفى المقابل، ثمة رئيس للولايات المتحدة لا يرغب بالخوض فى التفاصيل، بل يريد صفقة عنوانها إعادة فتح مضيق هرمز بأسرع وقت ممكن. إنه يقول ضمنًا: «أعطونى ما أريد (فتح المضيق)، وسوف أفكر لاحقًا فى ما تريدون الحصول عليه”! هاتان المقاربتان تجعلان  الطرفين، كلٌّ يغنى على ليلاه فى الجولات والاجتماعات التى عُقدت فى مسقط والدوحة واسلام آباد وجنيف وروما منذ أبريل 2025 حتى الآن.

هما خطّان مستقيمان متوازيان لا يلتقيان. فلا طهران استطاعت أن تقنع واشنطن بضرورة تغيير المسار الشعبوى من أجل التوصل إلى اتفاق، ولا واشنطن نجحت فى الضغط على طهران لتغيير سلوكها التفاوضى الدبلوماسى التفصيلى والقبول بالأمر الواقع، حتى بعد اغتيال المرشد الإيرانى الأعلى فى نهاية فبراير الماضى!

أما الوسطاء فقد علقوا بين هذا وذاك، لأنهم كانوا أمام مشكلة إدراكية بين الجانبين.

فى ظل هذه الأجواء، يسود الترقّب لما يحدث وما يُراد أن يحدث بعد الانتخابات النصفية، فهل الحرب واقعة لا محالة خلال الأيام الثلاثة المقبلة(خاصة بعد قصف واشنطن لجزيرة قشم الإيرانية) ، كما تقول المصادر؟ الاعتقاد السائد أن الحرب، إن وقعت، فإنها لن تكون أشد من الحرب التى وقعت فى 28 فبراير، والتى استمرت 39 يومًا، حتى وإن استُخدمت فيها «أم القنابل» لتدمير جبل الفأس الذى يضم منشأة نووية غير مكتملة.

المعلومات تقول إن بنك الأهداف الأمريكى يشمل شخصيات قيادية عسكرية وسياسية، إضافة إلى أهداف نفطية ومدنية تُقدّر بالعشرات، فيما يتحدث الإيرانيون عن بنك أهداف يشمل حاملة طائرات وقطعًا عسكرية ومنشآت ومصالح وأصول أمريكية مادية وغير مادية تُستهدف بشكل فورى وقاطع، ومن دون قيود جغرافية، كما تضمنت توجيهات المرشد الإيرانى الأعلى مجتبى خامنئى خلال لقائه قادة القوات المسلحة، قبل نهاية الأسبوع الماضى.

الآن، السؤال: كيف ستسير التطورات؟ لا أريد التقليل من أهمية الحرب وتداعياتها ونتائجها، لأنها حرب فى نهاية المطاف، لكنها، على الأرجح، لن تنجح فى إسقاط النظام، ولا فى إحداث فوضى داخلية، بسبب عوامل متعددة. لكن إيران، بعد ذلك، سوف تكون عبئًا ثقيلًا على أهل المنطقة كما على المصالح الأمريكية، ولن تنعم هذه المنطقة بالأمن والاستقرار حتى تزول العوامل التى أسهمت فى خلق مثل هذه الأجواء غير المريحة للجميع.

 

النص الأصلى:

https://shorturl.at/O3Po9

قضايا عالمية قضايا عالمية
التعليقات